محل مثلجات يصمد أمام الإبادة في غزة ويمنح سبعة طلاب أملاً جديداً — أخبار غزة

مشهد على الطريق الساحلي
على طريق الرشيد الساحلي في خان يونس جنوبيّ قطاع غزة، يقف سبعة طلاب جامعيين خلف شباك محلّ آيسكريم افتتحوه ليؤمّنوا رسوم دراستهم: أربعة منهم طلبة طب، اثنان في طب الأسنان، وواحد في هندسة البرمجيات. لكل منهم دور محدّد؛ أحدهم يتلقى الطلبات ويملأ أكواب المثلّجات مع إضافة المكسرات والطلاءات بسرعة وبابتسامة، وآخر يتنقّل بين الطاولات ليقدّم الطلبات، وثالث يدير المطبخ وينظّم العمل، ورابع يتولّى الحسابات إلكترونياً لأن النقد النقدي نادراً في غزة. في الخلفية يظهر أحد المؤسسين، ايوب أبو مسلم، منغمساً في مكالمة مع موردين للتفاوض حول أسعار المواد الأولية التي ارتفعت بفعل الحصار المستمر.

أطلقوا على أنفسهم لقب «الأطباء» لكن زبائن المحل أدخلوا عليهم لقباً آخر: «المِدْرَسونُ الغِرّ» — لقب يضعونه بفخر، لأنه يذكّرهم بأنّ حياتهم لا تقتصر على فلورا، محلّ المثلّجات والعصائر الذي فتحوه في آذار ليغطّيوا من خلاله رسومهم الجامعية ويقاوموا وقف التعليم القسري.

مشروع بقيمة أمل
فلورا، المحل الصغير على الطريق الساحلي في المواسي، أصبح سبيلهم الوحيد للبقاء مسجّلين في جامعاتهم ومنحهم أملاً بمستقبل أفضل. الأسعار متنافسة وتتنقّل بين دولار واحد وسبعة دولارات، ما يجعلها في متناول العديد من الزبائن المحليين.

منذ بداية العدوان في تشرين الأول 2023، تعرّض نظام التعليم العالي في غزة لشلل شبه كامل: نحو 88 ألف طالب اضطروا إلى تعليق دراستهم؛ 95% من الحرم الجامعي تضرّر أو دُمّر، و195 من أصل 206 مبانٍ تضرّرت بشكل بالٍ أو هُدمت كلياً، وفق تقييم منشور عام 2025. في ظل هذا الخراب، لم يكن استمرار الدراسة ممكناً لغالبية الطلبة، لكن مؤسّسوا فلورا هم استثناء نادر، ورحلتهم لإقامة المحل لم تخلُ من التضحيات.

قصة جهاد
جهاد السقاا (طالب طب في السنة الثانية بجامعة الأزهر، عشرون عاماً) يروي كيف كان يبحث عن عمل في كلّ أحياء المواسي بعد أن تُركت أسرته مهجّرة إثر قصف منزلهم وأرضهم. الوظائف التي وجدها كانت بأجور زهيدة ونوبات عمل تطول إلى اثنتي عشرة ساعة، لا تتوافق مع رؤية الطالب الذي يحرص على التميّز الدراسي. عندما دعاه صديق للانضمام إلى مشروع فلورا لم يتردّد. بعد شهرين يقول إنه بات قادراً على التوفيق بين الدوام والعمل رغم الإرهاق الجسدي والنفسي؛ يقف سبع ساعات تقريباً في وردية المساء يخدم الزبائن بابتسامة لا تفاوض عليها. العمل شاق، لكنه يغطي رسومه الجامعية ويسهم في إعالة أسرته.

يقرأ  اللحظة التي نُطق فيها حكم المحكمة بحق شون «ديدي» كومبس

دافع روحي ومهنٍة إنسانية
تعلّق جهاد بطبّ البشر صار أقوى بعد حفظه جزءاً كبيراً من القرآن؛ يرى في المهنة منفعة إنسانية ووسيلة لمنفعة الآخرين، وهو يسعى بالأولى إلى الأجر الأخروي قبل الدنيوي.

ولادة مشروعٍ من رماد الحرب
قاسم الأغى، الطالب الوحيد في المجموعة في هندسة البرمجيات وأحد ثلاثة مؤسّسين، اضطر لترك المحاضرات في الجامعة الإسلامية بعد تفجّر الحرب. دخلت عائلته في ضائقة شديدة بعد أن تقلّص دخل الأب إلى نحو 200 دولار شهرياً، وسقط منزلهم ضحية قصف، ما عمّق الأعباء. حاول قاسم أن يؤمن رزقه عبر مشاريع متعدّدة: محلّ ملابس، كشك خضروات، ثم بيع مشروبات باردة حتى انهارت التجارة مع موجة المجاعة في 2025.

فكرة فلورا نُفّذت بتكلفة تقارب 25 ألف دولار؛ استدان قاسم من عمه وصديق، وباعت والدته سوار ذهبٍ كانت تحتفظ به منذ زفافها عام 2004، بقيمة تقارب ألف دولار، للمساهمة في تأسيس المحل. كان هذا المشهد موجعاً له، لكن والدته أصرت أن يمنحها ذلك الأمل ليرجع إلى الدراسة.

بنيوا المحل بأيديهم، مستخدمين بلاطاً قديماً وحديداً وخشباً رُوِّحَتْ من منازلهم المدمّرة قرب «الخط الأصفر» في القرارة شمال خان يونس. كانت المهمة محفوفة بالمخاطر؛ كانوا يتعرّضون لملاحقة طائرات مسيّرة، وفقد قاسم قريباً عزيزاً — عمه باسم السقا — الذي قُتل في الثالث من مارس 2026 خلال عملية الفرار.

مع ذلك افتتحوا فلورا في 19 مارس: حصيلة معاناة، وديون، وإرادة حياة. يقول قاسم وهو يسلّم حبة مثلّجات لزبون: «مشروعنا وُلِدَ من خلال الدماء والمشقات، لكنه أكثر من مشروع؛ هو حياة وأمل ومستقبل لمن يعمل هنا».

تحدّيات لا تقارن بالحرب
إدارة المحل ليست بلا عقبات، لكن أحمد شبير، طالب طب أسنان في جامعة الأزهر، يؤكد أن هذه الصعاب لا تقارن بما عانوه من ويلات الحرب. كان أحمد لم يتجاوز الثامنة عشرة عندما دخلت دبابات الاحتلال حيّ الأمل في خان يونس مطلع كانون الثاني 2024، بعد أن نقل والدته وإخوته إلى المواسي. عاد إلى البيت ليبقى مع والده المعوّق الذي لا يمتلك كرسيّاً طبياً مجهزاً. يروي أنه رفض أن يترك والده حتى عندما استخدمه جنود الاحتلال كدرع بشري خلال مداهمات الأيام الثلاثة، جائعاً وعطشاناً ومحاطاً بالخطر.

يقرأ  مصرع رقيبين أولين من شرطة الحدود، كليفي ويوسف، في حادث سير بشمال إسرائيل

خلاصة
قصة فلورا ليست مجرد حكاية محلّ آيسكريم؛ إنها شهادة على قدرة الشباب على تحويل اليأس إلى عمل ومنح الأمل فرصة للحياة والعودة إلى الدراسة رغم خراب الجامعات وغياب الموارد. هؤلاء الطلبة اختاروا أن يقاوموا بالعمل والتعليم، وأن يحتفظوا بحلم أن يعود الوطن إلى ما قبل الحرب، وأن تتجدّد فرص التعلم والكرامة. «كنت متيقناً أني لن أُبقى على قيد الحياة»، قال ذلك لقناة الجزيرة.

«لذلك، حين نكافح لتأمين المكوّنات أو للحصول على معداتٍ ضرورية، لا يمكن مقارنة ذلك بكوننا دروعاً بشرية، ولا بما سبقه حين حاولت حمل الجرحى قبل أن يفارقوا الحياة وعُدْتُ وأنا على ثيابي آثار دمائهم. ليس أمامنا إلا النجاح».

أحمد شَبِر، طالب طب أسنان، كان ركيزة أساسية في نجاح “فلورا” (محمد سوليمان/الجزيرة)

ولكي ينجح المشروع، يدرك شبِر أن المنتج التجاري يجب أن يقف بمفرده. «الإعجاب بما نفعل لن يدوم إلى الأبد. ما يُبقيه مستمراً هو الجودة»، قال ذلك.

المحل يقدّم آيس كريم، عصائر طازجة، كعكات، كنافة وحلويات أخرى، بأسعار تتراوح بين دولار واحد وسبعة دولارات — أسعار منافسة بمعايير المواسي.

أيوب أبو مسلم، المسؤول عن الحسابات واستقبال الزبائن، يقول إنه اتجه إلى الطب بعد تجربته في المستشفى الأوروبي بغزة، حيث تعمل والدته وفاء ممرضة. «وأنا طفل كنت أجلس على كراسي الأطباء ويخاطبونني بـ(دكتور)»، روى.

والده يدعم ثلاثة طلابٍ في الكليات الطبية: أيوب نفسه في السنة الأولى بجامعة الأزهر؛ شقيقه محمد في السنة الثانية بجامعة غزة الإسلامية؛ وأخته منّة الله في سنتها الرابعة بجامعة بور سعيد في مصر. وبسبب العبء المالي، اضطر أيوب لتأجيل فصل دراسي حالي.

أيوب كاد أن يلقى حتفه وهو في طلب العلم من قبل. في 7 يوليو 2025، وبعد إعلان وزارة التربية عن بدء تسجيل التوجيهي إلكترونياً، عاد أيوب وبعض أصدقائه إلى خان يونس لاسترجاع كتب مدرسية من بين ركام بيوتهم المدمرة.

يقرأ  ترامب يعلن عزمه مقاضاة هيئة الإذاعة البريطانية بمطالبة لا تقل عن مليار دولار، على خلفية تعديل في برنامج «بانوراما»

في طريق عودتهما، استهدفتهما طائرة مسيّرة فأودت بحياة صديقه أدي النجيلي (24 عاماً). التفجير قذف بأيوب عشرات الأمتار لكنه ربما أنقذ حياته، إذ أصابت ضربة ثانية المكان الذي كان واقفاً فيه قبل ثوانٍ. أسقطت طائرة ثالثة أربع قنابل بالقرب منه، فبقي مضرجاً بالدماء على الأرض ثلاث ساعات حتى مرّ أحدهم بعربة حمير ونقلَه ونقل جثة صديقه إلى مكان آمن.

«بعد كل هذا، هل يمكن أن تهزمنا أيُّ معضلة؟ هل نستسلم لصعوبة دفع رسوم الجامعة حين كدنا أن نفقد حياتنا من أجل كتبنا؟ بالطبع لا. قد نتأخر، لكننا لن نُهزم»، قال ذلك.

صالح العبدلا، مدير المشتريات والإمداد، يحتفظ بدفتر صغير يسجل فيه كل مصروف وكل شاقل يدخل. يعمل أيضاً على تطوير القائمة ويستشِر أي شخص لديه خبرة في العمل الغذائي ليأخذ نصائحٍ مفيدة.

حمولة ديون المحل كبيرة — تقريباً كامل تكلفة تأسيس “فلورا” كانت قروضاً — وهو يعلم أن تسديدها سيستغرق وقتاً. لكن انتخابات بلدية دير البلح وإيرادات “فلورا” اليومية المتواضعة تُعتبر عند هؤلاء الطلاب دليلًا على أن المؤسسات التي تُبنى تحت ضغط يمكنها الصمود.

«الاعتماد على الذات لم يعد خياراً في غزة»، يقول العبدلا. «أحد لم يعد يعلم إلى أين تتجه غزة، أو إن كنا سنستطيع الاستمرار في الدراسة. لذا نبني ما نستطيع، الآن، بما لدينا».

صالح العبدلا يركّز في المقام الأول على سير العمل في “فلورا” (محمد سوليمان/الجزيرة)

ياسمين ماضي، ممرضة في عيادة إيطالية بالمواسي، تأخذ زميلاتها إلى “فلورا” وتُخبر كل من تعرف عن هذا المقهى الاستثنائي الذي يمنح الفلسطينيين في غزة مهرباً من رعب الإبادة.

«ليس فقط دعماً للأطباء المستقبليين، المكان هادئ، الخدمة ممتازة، والمنتجات لذيذة،» تقول. «هؤلاء الشبان نماذج يُحتذى بها.»

أضف تعليق