مضطرون لترك المدرسة أطفال اليمن يضحون بالتعليم من أجل البقاء

صنعاء، اليمن — مع حلول الساعة السابعة صباحًا، يستيقظ قاسم (14 عاماً) ليشرع في معركته اليومية من أجل لقمة العيش. يخرج من شقته المستأجرة حاملاً كيساً أبيض بطول يقارب المتر وعرضٍ يقارب نصف المتر، ويامل أن يملأه قبل الحادية عشرة والنصف.

يجمع قاسم زجاجات البلاستيك؛ كيسٌ مملوء منها قد يدر عليه حتى 1,500 ريال يمني، أي ما يعادل نحو ثلاثة دولارات. يقوم المشترون بجمع هذه المواد بغرض إعادة تدويرها في المصانع.

ذلك المبلغ يساعد قاسم على تأمين غداء أفراد العائله الستة. وبعد الظهر، يستعيد قليلاً من طفولته حين يلعب كرة القدم أحياناً مع أطفال الحي. أما في المساء، فتتولى أخته الأَصغر (آسِم، 12 عاماً) جمع الزجاجات وبيعها لتغطية مصاريف العشاء.

بالنسبة إلى قاسم وآسِم، أصبح الالتحاق بالمدرسة ترفاً لا تستطيع الأسرة تحمّله؛ فالأولوية الآن تذهب لسد الحاجات اليومية الأساسية.

«كنت أدرس في مدرسة حكومية بصنعاء. عندما وصلت الصف الرابع عام 2024 توقفت عن الذهاب إلى الفصل. أردت أن أُعين أسرتي، وكذلك فعل أخي في 2025»، يقول قاسم للجزيرة وهو يمسح خدّيه النحيلين بيده اليمنى. ثم يضيف بصوت منخفض وهو يحدّق في كيسه وسط حارةٍ مزدحمة: «الجلوس في الصف لن يُطعمني».

على مدار أكثر من عقد، شهدت اليمن نزاعاً دموياً بين الحوثيين المدعومين من إيران والحكومة المدعومة من السعودية، صراع طاول تقريباً جميع الفئات، بما في ذلك الأطفال في سن الدراسة. وتقدّر اليونيسف اليوم أن 3.2 مليون طفل في سن الدراسة خارج المدارس، وأن 1.5 مليون طفل مشرد باتوا مهددين بترك التعليم بشكل دائم. وعلى الرغم من أن القتال على الجبهات توقف إلى حد كبير منذ الهدنة في أبريل 2022، فإن الملايين لا يزالون محرومين من الالتحاق بالمدارس.

يقرأ  بالميراس يهزم فلامنغو ويتوَّج بلقب كوبا ليبرتادوريس

هدر الوقت والمال

أعادت سنوات الحرب تشكيل نظرة كثير من الأهالي إلى التعليم؛ فبات الآباء لا يشعرون بالذنب حين يرون أبناءهم يعملون بدلاً من أن يدرسوا. يقرّ عبدو، والد قاسم (48 عاماً) العامل باليومية، بأنه لا يندم على رؤية أولاده خارج الصف يجمعون الزجاجات يومياً. الألم الحقيقي بالنسبة إليه هو عدم قدرته على تلبية احتياجات الأسرة الأساسية. «أن ترى طفلاً جائعاً ألَّمٌ أكبر من أن ترى طفلاً يترك الدراسة»، يقول عبدو.

لم يغادر عبدو صنعاء منذ اندلاع الحرب عام 2014، وشاهد كيف عانى خريجو المدارس والجامعات حين وجدوا أنفسهم يعملون في وظائف بسيطة. «أحياناً أعمل في مواقع البناء كحارس أو ناقل أو سائق عجلات، وأجد خريجين في مثل هذه الأعمال أو يبحثون عنها»، يروي للجزيرة. «لماذا أُقضي سنوات في المدرسة ليعمل طفلي لاحقاً في هذه الوظائف؟ بإمكانهم أن يبدأوا العمل الآن».

خلال المنتدى الدولي الإنساني في الرياض العام الماضي قال وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني، وئام بدايب، إن الحرب خلفت خسائر فادحة للاقتصاد الوطني تجاوزت 250 مليار دولار، ودفعت معدلات البطالة إلى نحو 35 في المئة. ويستدل عبدو قائلاً: «الآباء أنفقوا كثيراً على تعليم أبنائهم، والآن كثيرون منهم لا يجدون الوظائف التي تدربوا لأجلها؛ أشعر أن ما أنفقوه كان هدرًا للوقت والمال».

حق الطفل

أدى الانتشار الواسع للبطالة بين الخريجين إلى تقليل تقدير كثير من الأهالي لفائدة التعليم. لكن محمود البكّاري، أكاديمي ونائب رئيس مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في تعز، يحذّر من أن ذلك قد يضر بمستقبل الأطفال على المدى الطويل. «الظروف المعيشة الصعبة تضطر الأهالي لإرسال أطفالهم لأي عمل يوفر الحد الأدنى من الاحتياجات، وهم قد لا يدركون أنهم بهذا لا يحلون المشكلة بل يؤجلونها ويقودون إلى فقدان مستقبل أبنائهم وخلق مشكلات اجتماعية واقتصادية أكبر».

يقرأ  تشانك — الدب البني الثقيل يفوز بلقب «أسبوع الدب السمين» رغم الإصابة

ويشير البكّاري إلى أن دخول الأطفال سوق العمل يعرّضهم لمخاطر عديدة: «بغض النظر عن الظروف، المكان الطبيعي للطفل هو المدرسة لا سوق العمل». وتؤكد أفرح الحميقاني، أستاذة علم الاجتماع في عدن، أن حرمان الأطفال من التعليم انتهاكٌ لحقوقهم الإنسانية، وأن إجبارهم على العمل يولّد شخصية مُثقلة بالقلق والتوتر إذ ينشغل الطفل بتحصيل المال بدل التعلم واللعب. «لا ينبغي حجب التعليم عن الأطفال أو حرمانهم من تحقيق طموحاتهم»، تقول الحميقاني، «طفل قد يحلم أن يصبح محامياً أو طبيباً أو طياراً، وحرمانه من ذلك يعيق التنمية الاقتصادية المستدامة والتقدم الثقافي والعلمي». وتؤكد أن على الأهالي ألا يُعفَوْا من مسؤولياتهم، وأنه يجب مساءلتهم عن عدم إتاحة العودة إلى المدرسة، لأن قضية التعليم ليست شأنًا خاصاً بل تمس حاضر ومستقبل الأمة.

قطاع التعليم منهك

تبيّن من تقارير منظمة أنقذوا الأطفال أن أكثر من 2,400 مدرسة في اليمن دمرت أو تضررت جزئياً أو تُستخدم لأغراض أخرى. ومع هذا الكم من المدارس المعطلة، اكتظت الصفوف التي ما زالت تعمل، ولم تعد المعلمات والمعلمون قادرين على الانتباه لكل طالب، مما أدى إلى تراجع جودة التعليم.

ولن تُفهم هذه المشكلة بمعزل عن الأزمة الاقتصادية الأوسع الناجمة عن الحرب: موظفو القطاع العام، بمن فيهم المعلمون، ظلّوا بلا رواتب لسنوات في شمال اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين، وفي المناطق الأخرى لم يعد يتسلم الكثيرون رواتبهم بانتظام. دفعت هذه الحالة المئات من المعلمين في المدارس الحكومية إلى ترك وظائفهم أو البحث عن عمل آخر أو الاستمرار في التدريس بلا دافع حقيقي.

تقول فاطمة صالح، معلمة في صنعاء: «المعلمون أهملوا زمن الحرب، ولم يتغير وضعهم كثيراً بعد هدنة 2022. إذا اُهمل المربّي أو قُدِرَ بقيمةٍ ضئيلة، فلا يمكنه أن يغرس حبّ التعلم في نفوس التلاميذ». وتصف صالح المعلم بأنه «محرك» العملية التعليمية: «إذا أعطِل هذا المحرك تظهر مشكلتان: يحصل الطلاب على فوائد تعليمية ضئيلة، ويفقدون الاهتمام بالمدرسة». وتكمل: «حين يفقد المتعلمون الاهتمام يبدأون في البحث عن بدائل، وهكذا يتزايد التسرب المدرسي».

يقرأ  مخطط زمني: ٢٦ عاماً من التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا — أخبار النزاع

وتشير كذلك إلى أثر مظهر المعلم وحالته النفسية على المتعلم: «فكر في معلم دائم الحاجة، كيف سيظهر قدام طلابه؟ يصبح مثيراً للشفقة أمامهم». وتخلص إلى أن معلماً جائعاً ومديناً لا يمكن أن يكون قدوة مُلهِمة للطلاب.

إصلاح الاقتصاد

رأى الصحفي والباحث في القضايا الاجتماعية محمد عبده السامي أن الهدنة لم تترك أثراً إيجابياً ملموساً على التعليم، وأن الملايين من المتسربين دليل على ذلك. فالهدوء على خطوط المواجهة، بحسب السامي، لا يكفي لمعالجة المشكلات الاقتصادية أو لتحسين ظروف المعلمين. «دون معالجة قضايا الاقتصاد وإرساء سلام دائم، سيحرم المزيد من الأطفال من التعليم». ويشير إلى تقلص أنشطة المنظمات الدولية في اليمن ونقص التمويل الإغاثي المطلوب، ما أدى إلى تراجع برامج المساعدات التي كانت تشكّل شريان حياة لشرائح كثيرة وأثّر على وصول الأطفال إلى المدارس.

في ظل ذلك، توقف قاسم عن انتظار مساعدة الحكومة أو المنظمات لإعادته إلى المدرسة؛ فالأمر لم يعد هدفه الآن. يعرف جيداً أنه يستطيع أن يكسب قوته ببيع الزجاجات التي يجمعها، وأن هدفه المقبل هو تعلم حرفة تمكنه من العيش. «أريد أن أتقن الرسم أو النجارة أو اللحام»، يقول قاسم. «أحاول تعلم أي مهارة أستطيع في هذه المدينة. لن أعود إلى الصفوف الدراسية».

أضف تعليق