أصبحت منظومة الأقمار الاصطناعية الروسية “راسفيت” توفّر نافذتَي اتصال على الأقل فوق الأراضي الأوكرانية يوميًا، مدة كل منهما أكثر من ساعة، وفق ما نقلته “ميليتارني” عن خبير الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية فولوديمير ستيبانيتس. وفي 19 يوليو 2026، أطلقت شركة “بورو 1440” الدفعة الثانية من أقمار “راسفيت-3” من قاعدة بليسيتسك الفضائية، بعد حملة تضليل متعمّدة لإخفاء موعد الإطلاق.
المنظومة التي صُممت لتكون منافسًا روسيًا لشبكة ستارلينك، بلغت بهدوء عتبة كان المسؤولون الأوكرانيون في مجال الدفاع يخشونها. وهي تُبنى بواسطة “بورو 1440″، شركة فضاء روسية تأسست عام 2020 كمكتب أبحاث داخلي ضمن شركة الاتصالات العملاقة “ميجافون”، قبل أن تنفصل لتصبح مشروعًا مستقلًا تحت مظلة “آي كيه إس هولدينغ”. أطلقت الشركة الدفعة التشغيلية الأولى المكونة من 16 قمرًا من أقمار راسفيت في 23 مارس 2026، على متن صاروخ من قاعدة بليسيتسك، وهي منشأة فضائية عسكرية روسية تقع على بُعد نحو 200 كيلومتر جنوب أرخانغلسك، وتُستخدم أيضًا موقعًا رئيسيًا لاختبار الصواريخ النووية البرية الروسية.
وبحلول 31 يوليو 2026، كانت الدفعة الأولى قد أكملت معظم مراحل نشرها في التشكيل المداري التشغيلي؛ إذ وصل 12 من أصل 16 قمرًا إلى الارتفاع المطلوب البالغ 550 كيلومترًا، بينما كانت ثلاثة أقمار لا تزال تصعد تدريجيًا، وفُقد قمر واحد، على الأرجح بسبب عيب في التصنيع. وفي شرحه لطبيعة التغطية، قال ستيبانيتس إن الأقمار تشكّل الآن سلسلة قادرة على توفير تغطية قوية مرتين يوميًا تقريبًا، مع أن عدد مرات المرور فوق أي منطقة أكبر من ذلك، إذ تتكرر بفواصل زمنية تبلغ نحو تسعين دقيقة.
وأضاف ستيبانيتس، وفق ما نقلته ميليتارني: “يمكننا أن نرى أن سلسلة قد تشكّلت فعليًا بتغطية جيدة، وهو ما يمنح تغطية جيدة مرتين يوميًا تقريبًا، لكن في الواقع عدد هذه الممرات أكبر؛ إذ يمكن أن تمر أكثر من سلسلة فوق مناطق مختلفة بفواصل زمنية تبلغ نحو ساعة ونصف. المهم أن هذه الأقمار توفّر بالفعل تغطية كثيفة إلى حد معقول”. وتشير بيانات تتبّع الأقمار الاصطناعية التي راجعتها ميليتارني إلى أن الكوكبة تمرّ حاليًا ضمن نطاق الرؤية فوق أوكرانيا أربع مرات يوميًا، لكن في مرورين أو ثلاثة فقط من هذه المرات الأربع يكون الأقمار على ارتفاع كافٍ فوق الأفق لضمان اتصال مستقر مع المحطات الأرضية. وكل مرور قابل للاستخدام، ويستمر لنحو ساعة أو حتى تسعين دقيقة للكوكبة بأكملها، يخلق ما يصفه المحللون الأوكرانيون بأنه “نافذة اتصال”؛ أي فترة يمكن للقوات الروسية نظريًا خلالها استخدام محطات اتصال فضائية للتحكم في المسيّرات البحرية، وفي المسيّرات الضاربة والاستطلاعية الثقيلة المبنية على منصات “جيران-2″ و”جيران-3” و”جيران-4″، وهي النسخ الروسية المصنّعة محليًا من مسيّرات “شاهد” الإيرانية.
أما محطات المشتركين لدى بورو 1440، فيصل طولها وعرضها إلى 60 سنتيمترًا، ووزنها أقل من 15 كيلوغرامًا، وتوفّر سعة نقل تصل إلى غيغابت واحد في الثانية، وهي مصممة للعمل في نطاق درجات حرارة من 40 تحت الصفر إلى 40 فوق الصفر، بما يناسب المناخ الروسي القاسي. ومثل محطات ستارلينك، تعتمد هذه الأجهزة على تقنية الهوائيات المصفوفة المرحلية النشطة، ما يتيح للمحطة تحديد موقع القمر الاصطناعي تلقائيًا، وإقامة الاتصال والحفاظ عليه دون أي توجيه ميكانيكي للهوائي. وتشير تقارير مبنية على مصادر مفتوحة إلى أن بورو 1440 أنهت بالفعل تطوير النسخة الأساسية من المحطة، وتستعد لبدء الإنتاج المتسلسل. ومن المرجح أن تصل هذه المحطات إلى أيدي الجيش الروسي بسرعة نسبية بمجرد توسيع الإنتاج، وقد يمتد استخدامها إلى ما هو أبعد من المركبات الأرضية ومراكز القيادة، ليشمل المسيّرات الضاربة والاستطلاعية، والأنظمة التي توجّه الصواريخ المجنّحة والقنابل الانزلاقية.
أطلقت روسيا الدفعة الثانية من 16 قمرًا من نوع “راسفيت-3” في 19 يوليو 2026، مجددًا من قاعدة بليسيتسك، بعد حملة تضليل متعمّدة لإخفاء الموعد الدقيق للإطلاق. فابتداءً من 10 يوليو، أصدرت السلطات الروسية سلسلة من الإشعارات التحذيرية الجوية والبحرية الغامضة، والتي جرى تعديلها مرارًا، وتغطي المناطق التي ستسقط فيها مراحل الصاروخ المستهلكة وأغطية الحمولة. وكانت هذه الإشعارات مصممة عمدًا لمنع المراقبين الخارجيين من تحديد التاريخ الدقيق، ونوع الصاروخ، والمسار، والحمولة، لمدة أسبوعين تقريبًا قبل أن يتم الإطلاق في النهاية. ولم تعلن وزارة الدفاع الروسية ولا وكالة الفضاء الروسية “روسكوسموس” تأكيد الإطلاق علنًا إلا بعد أن أعلنت بورو 1440 نفسها نجاح نشر الأقمار وإخضاعها للسيطرة التشغيلية، حتى مع أن أنظمة التتبع الفضائية الأمريكية كانت قد رصدت وصنّفت الأقمار الجديدة بشكل مستقل.
الباحث الهولندي بارت هندريكس، الذي يتابع عن كثب برنامج الفضاء العسكري الروسي، ربط هذا السرية المفرطة بنمط من نشاط المسيّرات الأوكرانية قرب بليسيتسك بدأ في ديسمبر 2025. وقال: “لا تنسَ أن هجمات المسيّرات الأوكرانية على بليسيتسك لم تبدأ إلا في ديسمبر من العام الماضي مع إطلاق قمر أوبزور-آر، لذلك هذا تهديد جديد نسبيًا. وبما أن هجومًا آخر بالمسيّرات على بليسيتسك وقع في يوم إطلاق الدفعة الأولى من راسفيت-3 في مارس، يبدو أن روسيا فعلت كل ما في وسعها لزرع البلبلة حول موعد إطلاق الدفعة الثانية”. من جهته، قال رئيس روسكوسموس دميتري باكانوف للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن القوات الأوكرانية حاولت تنفيذ هجوم بطائرات مسيّرة على بليسيتسك أثناء إطلاق الدفعة الأولى في مارس، واصفًا محاولات اختراق خطيرة للقاعدة في ذلك اليوم. وأضاف: “أصدقاؤنا بين علامتي اقتباس فعلوا كل شيء لمنع هذا الإطلاق. كانت لدينا محاولات اقتراب جادة من القاعدة ذلك اليوم، لكن أطقم القتال المشتركة بين روسكوسموس وقوات الفضاء نفّذت المهمة الموكلة إليها”.
رسميًا، أعلنت بورو 1440 أن العمليات التجارية لمنظومة راسفيت ستبدأ في 2027، مع خطط روسية معلنة سابقًا تستهدف بلوغ 250 قمرًا بحلول 2027، و730 قمرًا بحلول 2030، وفي نهاية المطاف أكثر من 900 قمر بحلول 2035. والوصول إلى هذا المسار كان يتطلب إطلاق دفعات جديدة بمعدل 16 قمرًا شهريًا تقريبًا، وهو معدل لم تقترب الشركة من تحقيقه؛ إذ امتدت الفترة بين الدفعة الأولى والثانية إلى نحو أربعة أشهر. لكن حتى لو حافظت روسيا على هذا الإيقاع الأبطأ، أي دفعة كل أربعة أشهر، فسيسمح لها ذلك بإطلاق دفعة رابعة من الأقمار بحلول مارس 2027، وتحقيق تغطية على مدار الساعة فوق أوكرانيا بحلول منتصف صيف ذلك العام. وهو معلم يجب على مسؤولي الدفاع الأوكرانيين أن يتصدوا له بتشويش فعّال أو إجراءات أخرى قبل وقت طويل من حدوثه.
هذا الجدول الزمني يترك الجيش الأوكراني أمام نافذة تضيق هو أيضًا، لكنها لا تُقاس بعدد مرات مرور الأقمار يوميًا، بل بالأشهر المتبقية قبل أن تكتمل الكوكبة، التي ما تزال تفتقر إلى معظم أقمارها المخطط لها، وتُغلق الفجوات في تغطيتها تمامًا.