من تخشى سفن هرمز أكثر: إيران أم أمريكا؟ البيانات تجيب

أصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أنّ الجيش الأميركي ما زال يسيطر على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وذكر خلال الأسبوع الماضي أنّ واشنطن قد تسعى حتى إلى السيطرة على المنطقة نفسها. وفي يوم الثلاثاء، ادّعى ترامب أنّ المضيق مفتوح أمام السفن، رغم أنّ إيران تؤكد أنّ المياه مغلقة أمام أيّ سفينة لا تطلب موافقة طهران قبل عبورها، ورغم أنّ الولايات المتحدة تفرض حصاراً بحرياً يستهدف كل السفن المرتبطة بإيران.

وفي الوقت نفسه، هدّد ترامب بقصف عُمان، الحليف الأميركي الذي يقع على الجانب المقابل لإيران عبر المضيق، إذ يقع هرمز في المياه الإقليمية لكل من إيران وعُمان. ويبدو أنّ هذا التهديد يهدف إلى ردع مسقط عن توقيع أي اتفاق مع طهران لإدارة المضيق بشكل مشترك.

فمن يسيطر فعلاً على مضيق هرمز الآن؟ وسط الادعاءات المتضاربة من الجانبين، توفّر بيانات الحركة الفعلية للسفن في المضيق أدلة مهمة.

ما هما المساران الرئيسيان عبر مضيق هرمز؟

قبل اندلاع الحرب، كان مضيق هرمز يُعتبر ممراً مائياً واحداً، دون تمييز بين مسار "إيراني" ومسار "عُماني"، وكانت السفن تدخل وتخرج عبر مسارات ملاحية محددة، معظمها في وسط المضيق. وكانت قرارات الملاحة تحددها وجهة السفينة، وبنود الشحن، واعتبارات السلامة، وليس الخوف من عواقب عسكرية.

أما الآن، وبسبب التوتر بين أميركا وإيران، فقد انقسم المضيق إلى مسارين رئيسيين. الأول هو المسار الشمالي الإيراني، الذي يمتد قرب الساحل الإيراني، قرب جزيرة لارك وجزيرة قشم، ويؤدي مباشرة إلى الموانئ والمرافئ البحرية الإيرانية. والثاني هو المسار الجنوبي العُماني، الأقرب إلى عُمان والأبعد عن السواحل الإيرانية، وهو المسار الذي تصرّ واشنطن على استخدامه، وتستخدمه الناقلات التجارية تحت الحماية البحرية الأميركية.

ما المسار الذي تستخدمه سفن النفط والغاز؟

تُظهر بيانات شركة "كبلر" للمعلومات البحرية أنّ 112 سفينة، تحمل النفط الخام وغاز البترول المسال والغاز الطبيعي المسال، عبرت مضيق هرمز بين 1 و19 أغسطس، سواء لدخول الخليج أو مغادرته. من بين هذه السفن، استخدمت 21 سفينة المسار الإيراني علناً، واستخدمت سفينتان فقط المسار العُماني رسمياً.

أما السفن المتبقية، وعددها 89، أي أكثر من 80 بالمئة من حركة النفط والغاز عبر المضيق في تلك الفترة، فقد سلكت مسارات "مظلمة" أو غير محددة. ويحدث ذلك عندما لا يمكن تتبع حركة السفينة بالكامل أو ربطها بمسار معلن، إمّا لأنها تطفئ جهاز التعرّف الآلي (AIS)، أو لأن بيانات الجهاز لا تنطبق بوضوح على الممرين الإيراني والعُماني كما حددتهما "كبلر". لذلك، من غير الواضح أيّ مسار سلكته هذه السفن.

يقرأ  تعفّن الدم يُصيب أربعة أشخاص بعد تفشّي تسمّم غذائي في مطعم بستوكهولم

وقال محمد رفيق حليطيم، مسؤول نجاح العملاء في قطاع البحري والسلع لدى "كبلر"، للجزيرة: "رغم إمكانية رصد هذه العبورات بعد ظهور السفن مجدداً، فإن طبيعة المسار المظلم تجعل من الصعب جداً تحديد أي نسبة منها استخدمت المسار العُماني، أو تأكيد مسارها بدقة من البيانات المتاحة".

ماذا عن البضائع غير النفط والغاز؟

تظهر بيانات "كبلر" أنّ 236 سفينة عبَرت المضيق بين 1 و19 أغسطس، بما في ذلك سفن النفط والغاز، إضافة إلى سفن تحمل بضائع جافة ومواد كيميائية. من بين هذه السفن، استخدمت 83 سفينة المسار الإيراني علناً، وثلاث فقط استخدمت المسار العُماني، وسفينتان استخدمتا المسار القديم الذي كان يمر عبر وسط المضيق قبل الحرب.

لكن العدد الأكبر، وهو 148 سفينة، أبحرت في الظلام أو عبر مسارات غير معروفة أثناء عبور المضيق. وهذا يعني أنّ أكثر من ست من كل عشر سفن عبرت هرمز في تلك الفترة لم يُعرف مسارها. بالمقابل، استخدمت 35 بالمئة من السفن المسار الإيراني علناً، بينما لم تستخدم سوى حفنة من السفن المسار العُماني أو مسار ما قبل الحرب علناً.

لماذا تطفئ السفن أجهزة التعرّف؟

منذ بداية الحرب، لم تكتفِ إيران وأميركا بالتهديد، بل قامتا فعلاً بقصف سفن تتهم كل منهما الأخرى بأنها تنتهك مساراتها أو قواعد الملاحة في المضيق. لذلك، تطفئ عدة سفن أجهزة التعرّف لديها لإزالة المعرّفات الرقمية التي تستخدمها القوات العسكرية لاستهدافها.

وقال نيل كويليام، زميل مشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، للجزيرة: "إطفاء أجهزة التعرّف قد يقلل من إمكانية رصد موقع السفينة وحركتها بدقة، لكنه يثير مخاوف تتعلق بالسلامة البحرية والشفافية. بعض المشغّلين يرون أنّ الفوائد التجارية والأمنية تفوق هذه المخاطر في الظروف الحالية".

وفي 8 أغسطس، اتهمت الإمارات إيران باستهداف ناقلة تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) بصاروخ أثناء محاولتها عبور المضيق. وقالت "أدنوك" في بيان إنّ 15 من سفنها تعرّضت لهجمات بالصواريخ والمسيّرات منذ بداية الحرب أثناء عبور المضيق، مما أسفر عن مقتل فرد من طاقمها وإصابة 20 آخرين. ولم يلقِ البيان اللوم على أيّ طرف.

وفي الشهر الماضي، أطلقت الولايات المتحدة النار على ناقلة نفط كانت تعبر المضيق في اتجاه جزيرة خرج الإيرانية، وقالت إنها أطلقت صواريخ "هيلفاير" على السفينة بعد تجاهلها تحذيرات متكررة.

يقرأ  مقتلِ عشرات في هجومٍ بطائرةٍ مُسيَّرةٍ نفَّذته قواتُ الدعمِ السريع في جنوبِ كردفانَ السودانيةِ الممزَّقَةِ بالحرب

وفي 11 أغسطس، قالت الولايات المتحدة إنّ مروحية تابعة للبحرية أطلقت صاروخي "هيلفاير" على سفينة الشحن "فيلا نوفا" التي ترفع علم بنما، مضيفةً أنّ السفينة كانت تحاول كسر حصارها المفروض على الموانئ الإيرانية في خليج عُمان، الذي يتصل مباشرة بمضيق هرمز.

وهناك سبب آخر لإطفاء أجهزة التعرّف، وهو إجراء عمليات نقل البضائع من سفينة إلى أخرى في منتصف الطريق، بعيداً عن أعين المراقبين، كما يقول خبراء.

وقال مارك أيوب، الباحث والمستشار في سياسات الطاقة، للجزيرة: "بحسب مصادر وبيانات خلال الأسبوعين الماضيين، أرسلت بعض دول الخليج، منها السعودية والعراق والكويت، بعض الشحنات عبر المسار العُماني، من خلال إطفاء أجهزة تتبع السفن والقيام بعمليات نقل بين السفن".

وببساطة، السفينة التي تريد تجنّب خطر الصواريخ الإيرانية تعبر عبر المسار العُماني مع إطفاء جهاز التعرّف، ثم تنقل حمولتها إلى سفينة أخرى خارج المضيق، تُكمل الرحلة إلى الوجهة النهائية. أما السفينة الأصلية "المظلمة" فتعود إلى ميناء انطلاقها دون أن تُكتشف.

وأضاف أيوب أنّ بعض السفن الإيرانية تعبر أيضاً عبر المسار العُماني، وغالباً مع عمليات نقل بين السفن، لتجنّب العقوبات المفروضة على إيران والحصار الأميركي. وقال: "يرسلون حمولتهم إلى عُمان عبر المسار العُماني، ثم يغيّرون وثائق هذه الشحنات بحيث تبدو وكأنها صادرة من عُمان، ثم يرسلونها إلى سوق النفط".

هل تخشى السفن مواجهة إيران أم أميركا أكثر؟

إنّ حقيقة أنّ معظم السفن العابرة للمضيق تطفئ أجهزة التعرّف أو تستخدم مسارات غير معروفة، تعني أنه من المستحيل معرفة عدد السفن التي تستخدم فعلاً المسار الإيراني أو العُماني بدقة. وهذا بدوره يجعل من الصعب الجزم بمن "يسيطر" على المضيق حالياً.

لكن البيانات تكشف لنا أيّ القوتين السفن أكثر استعداداً لتحدّيها، وأيّهما تخاف أكثر من إغضابها. فرغم الحصار البحري الأميركي المدعوم بأقوى أسطول في العالم، عبر خُمس سفن الطاقة علناً من مضيق هرمز عبر المسار الإيراني، متحديةً تهديدات ترامب. وترتفع النسبة إلى 35 بالمئة من جميع السفن عند احتساب السفن التي تحمل البضائع والمواد الكيميائية.

في المقابل، استخدمت سفينتان فقط من سفن النفط والغاز، وأربع سفن إجمالاً، مساراً غير المسار الذي تفرضه إيران علناً. الخلاصة: الخوف من إغضاب طهران يبدو أكبر من الخوف من تهديدات ترامب.

هل تخسر إيران السيطرة على المضيق؟

يقرأ  مركز كينيدي يطالب بمليون دولار من موسيقي ألغى حفله بعد إضافة اسم ترامب إلى القاعة

يقول خبراء إنّ إيران ما زالت تحتفظ بقدرة كبيرة على التحكم في حركة الملاحة عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي. وقال أيوب: "إيران لا تخسر السيطرة في الوضع الراهن". لكنه أضاف أنّ هذا السيناريو قد يصبح غير قابل للاستمرار في النهاية بالنسبة لأسواق النفط العالمية.

وقال كويليام: "ما زالت إيران تملك قدرة كبيرة على تعطيل حركة الملاحة وتهديد الشحن في مضيق هرمز". وأضاف: "لكن الاستخدام المتزايد لترتيبات لوجستية بديلة، وعمليات نقل البضائع بين السفن، وتعزيز الإجراءات الأمنية البحرية الإقليمية، يشير إلى أنّ قدرة إيران على ممارسة الضغط عبر المضيق ليست مطلقة".

لماذا يعتبر مضيق هرمز مهماً في الحرب مع إيران؟

يعتبر مضيق هرمز ممراً مائياً حيوياً، كان يُشحن عبره خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير. وكانت نحو 130 سفينة تعبر المضيق يومياً، مقارنة بـ236 سفينة فقط عبرت خلال 19 يوماً في أغسطس 2026.

أغلقت إيران المضيق في أوائل مارس، ولم تسمح إلا لعدد قليل من السفن التي اعتبرتها "صديقة" بالعبور، حتى وقّعت مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة في 17 يونيو. ومنذ ذلك الحين، أصبح المضيق القضية الرئيسية التي تعطّل المحادثات حول خطة سلام دائمة لإنهاء الحرب على إيران.

وفي الوقت نفسه، فرضت الولايات المتحدة حصاراً خاصاً بها على الموانئ الإيرانية داخل المضيق وحوله. وفي الأسبوع الماضي، أطلقت النار على سفينة شحن ترفع علم بنما اتهمتها بمحاولة الوصول إلى موانئ إيرانية، وقالت إنّها لم تمتثل لأوامر تغيير مسارها.

أدت الأزمة إلى نقص في الطاقة عالمياً وارتفاع حاد في أسعار النفط. وكان سعر خام برنت، المؤشر العالمي، نحو 66 دولاراً للبرميل قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط. وخلال الحرب، تجاوز السعر 100 دولار عدة مرات، كان آخرها في 23 يوليو. وفي مارس، وصل السعر إلى 119 دولاراً.

انخفض سعر خام برنت بشكل ملحوظ بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في أبريل، ثم بعد توقيع مذكرة التفاهم في يونيو. لكن مع تصاعد التوتر مجدداً، عاد سعر النفط إلى الارتفاع، إذ بلغ 92.9 دولاراً للبرميل صباح الخميس.

وقال كويليام: "إذا اعتُبر أنّ نفوذ طهران على تدفقات الشحن آخذ في التراجع، فقد يُضعف ذلك أحد مصادر قوتها التقليدية في المفاوضات مع الولايات المتحدة".

أضف تعليق