من منبوذ سياسي إلى صانع نفوذ: كيف صعد اليمين المتطرف في السويد أخبار اليمين المتطرف

مقولة سويدية شائعة تُشبِه دخول دائرة التأييد بالدخول إلى “الدفء” — صورة بليغة في بلد طَغَت عليه فصول الشتاء الطويلة القاتمة، إذ تحمل الاستعارة كل ما يلزم من دلالة عن القبول والاندماج.

منبوذون أم طلاب تكتيك سياسي؟

قبل عشر سنوات، كان حزب “الديمقراطيين السويديين” (SD) يُعَدّ قوةً مَطرودة إلى حدّ الازدراء، حزباً في أقصى اليمين المعادي للهجرة، يُنسب ظهوره إلى امتدادات نازية ومجموعات سكين-هيد عنيفة. مؤسّسه الأول ونقّادٌ آخرون ارتبطت أسماؤهم بحركات متطرِّفة عنيفة؛ ومن بين الأسماء ذُكر جوستاف ايكستروم، الذي خدم في فرع القتال التابع للـSS إبان الحرب العالمية الثانية.

بمرور الزمن حاول الحزب أن يمحو عن نفسه وصمات التطرف الجلية. بعد تسعينيات القرن الماضي، شرع في “تنظيف سمعته” عبر عملية إعادة تشكيل الخطاب والتكتيك، ومن ذلك تبني فكرة «السويدية المفتوحة» عام 2003، التي تقرّ — على مستوى الخطاب — بأنّ الانتماء الوطني ليس حكراً على نسبٍ أو صفات بيولوجية وأنّ الاندماج ممكن نظرياً. في الفترة بين 2014 و2020 أجرى الحزب تغييرات تجميلية إضافية، وأعاد تسويق نفسه كقوى «محافظة» بدلًا من كونها حركة متطرفة صريحة. طرد قيادة الحزب جناح الشبيبة بتهمة «التطرّف»، واستبعد بعض الأعضاء، وبدأ يحدّ من الترويج لوسائط بديلة ذات طابع يميني متطرّف؛ كذلك تخلّى عن مطلب الخروج من الاتحاد الأوروبي وعن معارضته لعضوية الناتو.

خبيرة السياسة المقارنة دفنى هاليكوبولو علّقت بأنّ مسار الحزب ليس استثناءً في أوروبا: العديد من أحزاب اليمين المتطرّف الدائرة في الهامش اتّبعت استراتيجية تعديل الخطاب وإعادة التغليف لتبدو أقرب إلى حدود اليمين التقليدي، وبهذا نَزَعَتْ عن نفسها بعض عناصر التطرف الصريحة، واستبدلت شعارات عنيفة بشعار زهرة بريئة بدل رمز الفايكنج.

اختراق المشهد السياسي

في سبتمبر 2010، تجاوز حزب الديمقراطيين السويديين نسبة الحسم البالغة 4% ودخل البرلمان للمرة الأولى بحصوله على 20 مقعداً. وعلى مدى سنوات نسج الحزب سردية تربط الهجرة بالجريمة والإرهاب والمخاطر الأمنية، فكان لأزمة اللاجئين عام 2015 اللحظة الحاسمة: نحو 1.3 مليون طالب لجوء وصلوا أوروبا ذلك العام، ووصل إلى السويد وحدها نحو 163 ألفاً — أعلى رقم سنوي في تاريخ البلاد وأعلى نسبة نسبةً إلى عدد السكان داخل الاتحاد الأوروبي. وفق مسح SOM السنوي، صار ملف الهجرة القضية الأهم فجأةً لحوالي 53% من الناخبين السويديين.

في انتخابات 2018 استثمر الحزب هذا الركيـز الشعبوي فنال 17.5% من الأصوات و62 مقعدًا، فارتقى إلى موقع الحزب الثالث من حيث الحجم. ومن تلك اللحظة بدأت قوى سياسية كانت تراه سابقاً حزباً منبوذاً تُعيد التفكير في سياسات العزل، وتُظهِر بوادر استقبال تدريجي داخل الحقل السياسي التقليدي — خطوة بدأت تتجسّد في لقاءات رمزية ثمّ عملية.

يقرأ  أوكرانيا تتسلم منظومات «باتريوت» لتعزيز دفاعاتها الجوية ضد روسيا — أخبار الحرب الروسية الأوكرانية

رموز القبول: من “غداء كرات اللحم” إلى استراحة الفيكا

كان أولى هذه الإشارات في يوليو 2019 حين التقى زعيم الديمقراطيين المسيحيين، إيبا بوش، زعيم SD جيمي أوكيّسون على وجبة عادية أصبحت تُعرف إعلامياً بـ«غداء كرات اللحم». تلاها لقاء تقليدي آخر على طريقة الفيكَا السويدية — استراحة قهوة مع لفائف القرفة — بين زعيم الحزب المعتدل أولف كريسترشون وجيمي أوكيّسون في مكتب الأول، وهو مشهد سخيف ظاهرياً لكنه حمل دلالات سياسية قوية: كان انهياراً متعمَّداً لحاجز العزلة، وتناقضاً مع وعد قطعه كريسترشون في 2018 إلى هيدي فريد، الناجية من المحرقة وعالمة نفس مشهورة، بعدم التعاون مع حزب له تاريخ من معاداة السامية.

اتفاق تيدو والتحالف الحكومي

في أكتوبر 2022 انفتحت بوابة المشاركة أكثر، حين اجتمع قادة أربعة أحزاب يمينية في قلعة تُعرف باسم تيدو، ووقّعوا على ما صار يُعرف باتفاق تيدو: عقد مكوّن من 62 صفحة شكّل الأساس الحكومي للائتلاف الحالي وضمَّ تغييرات جوهرية في سياسات الجرائم والهجرة. رغم ذلك أبقى حزب الليبرال حدّه؛ فقد وافق على التفاوض مع SD في مجال السياسات لكنه رفض المشاركة الرسمية في حكومة تشارك فيها مقاعد وزارية.

العناق الحاسم والصدمة الحقيقية

في مايو 2026 انكسرت تلك الحدود أخيراً عندما أعلنت سيمونا موهامسون، زعيمة الليبرال ووزيرة التعليم والاندماج، أن حزبها سيسمح بمشاركة SD في حكومة مستقبلية. على الهواء مباشرة قدّم أوكيّسون مصافحة، وردّت موهامسون بالعناق — لحظة بثت موجة صدمة سياسية في السويد: وقعها لم يَكُن فقط لأنّ الطرفين سياسيان مختلفان، بل لأنّ كلّاً منهما يجسد تاريخاً ومواقفا متعارضة في قضايا العنصرية والذاكرة.

ولدت سيمونا موهامسون في ألمانيا لأب فلسطيني وأم لبنانية، وانتقلت إلى السويد في سن الثامنة؛ اشتهرت بنشاطها المناهض للعنصرية ومواقفها الليبرالية الاجتماعية، وقد كانت في بداياتها السياسية من المدافعات الصريحات عن مواجهة اليمين المتطرّف ومعارضة SD. في أكتوبر الماضي، وفي مقال للرأي، صرّحت بأنها لا تريد تحالف حزب ديمقراطيّو السويد في الحكومة لأنهم «لا يلتزمون بسلوك لائق». وحتى بعد إعلانها العلني، اعترفت في اجتماع داخلي للحزب بأن إس‌دي لم يكن خيارها الأول، وقالت كما نقلت الإذاعة العامة السويدية: «لديهم العديد من الأعضاء الذين لا يرونني سويدين».

يقرأ  كرة قدم على ركام الأنقاض — أيتام غزة يجدون ملاذهم في الملعب

وزيرة التعليم والاندماج سيمونا موهامسون ورئيس الوزراء أولف كريسترسون

تطبيع الأيديولوجيا اليمينية المتطرّفة

منذ توقيع اتفاق تيدو، أصبح حزب ديمقراطيّو السويد جزءًا من عملية صنع القرار الحكومي، يعمل داخل الجهاز الحكومي وفي الوقت عينه كـ«حكومة ظل»، كما تشرح الباحثة الدواني. وظهر نفوذ الحزب بوضوح في سياسات العدالة الجنائية، حيث دافع عن تشدّد العقوبات وتوسيع الاحتجاز. دفع نحو خفض سنّ المسؤولية الجنائية إلى 13 عامًا، وبالرغم من فشلهم في تحصيل دعم برلماني كافٍ، وافقت الحكومة أخيرًا على 14 عامًا، وهو تراجع كبير عن الحد السابق البالغ 15 عامًا.

التحوّل الذي شهدته إس‌دي جرأ الأحزاب اليمينية الأخرى على احتضانها وترداد جزء كبير من خطابها. ويفسّر الباحث فينسيو أن المحافظين والحزب الديمقراطي المسيحي تبنيا «السرد السياسي العام» الذي يضع الهجرة – والمهاجرين، خصوصًا من «يفشلون في الاندماج» – في صلب معظم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في السويد. ونتيجة لذلك، باتت رسائل المحافظين تنتشي بالإعلان عن تراجع ما يسمونه «هجرة اللجوء» إلى أدنى مستوياتها — خطاب كان مستحيلاً قبل صعود إس‌دي.

ربط المحافظون، لسنوات، قضية الجريمة — التي تعتبر أولوية لهم في الحكومة — بقضية الهجرة، بينما تبنّى الحزب الديمقراطي المسيحي سردًا مفاده أن المشاكل الاجتماعية في السويد ناجمة إلى حد بعيد عن قصور الأغلبية في فرض «القيم السويدية والمسيحية». وفقًا للدواني، فإن تطبيع الأحزاب التقليدية لإس‌دي يعني أيضًا تطبيع سياساتها، ما يعرض ذوي الأصول الأجنبية للخطر، وقد صاحب ذلك تزايد في التنمر ضد التلاميذ وارتفاع في الخطاب المعادي للمسلمين.

الاستيعاب لا الاندماج

يتسلّل موضوع «الاندماج» إلى الخطاب اليميني حول الهجرة، لكن الصحفي والمحلل السياسي السويدي تنفير منصور يرى أن المقصود فعليًا هو «الاستيعاب». ويبيّن منصور، الذي ينتج أيضًا مواد عن الوحدة والشعور بالانتماء في السويد، ذلك عبر أمثلة من مكان العمل: كثير من الأشخاص الملونين يجدون أنفسهم الوحيدين أو من القلّة الذين لا يملكون نفس المراجع الثقافية مثل زملائهم. أحاديث عن بيوت الصيف ورحلات التزلج على الجليد خلال وقت القهوة («فيكا») تتركهم يشعرون بالغربة، والضغط كي «تنتمي» واضح: عليك أن تغيّر طريقة حديثك، أن تتكلّم بصوت أقرب إلى الصوت «الأبيض» وأن تتعلّم تلك المراجع.

يقرأ  رودي جولياني، المحامي الشخصي السابق لدونالد ترامب، يصاب في حادث سيارة — أخبار دونالد ترامب

يرى منصور أن تبنّي موهامسون لإس‌دي مثال على ذلك — نوع من «تعويض مفرط» لإثبات كم هي سويدية؛ قناع قوموي يشبه القناع الذي نرتديه في مكان العمل لنبدو أكثر سويدية. هذا السعي لا يختص بالسياسة فحسب، بل يعود في عائلتها لأمد أبعد: عندما انتقلت العائلة من هامبورغ إلى السويد، غير والدها، وهو فلسطيني يحمل جنسية إسرائيل، الاسم من محمد إلى موهامسون.

تقول الدواني إن بعض السياسات التي دفعتها الحكومة اليمينية، مثل ترحيل شباب وصل بعضهم أطفالًا وقضوا الجزء الأكبر من حياتهم في السويد، تستهدف بشكل مباشر من «ليسوا سويدًا عرقيًا». ويرى منصور أن إس‌دي ليس أصل العنصرية السويدية بل عرض لظاهرة أقدم بكثير: فالسويد، كما يشير، شاركت في تجارة الرقيق العابرة للأطلسي واحتضنت المعهد الحكومي لعلم الأحياء العنصري الذي عمل بين 1922 و1959، مستخدمًا قياسات الجمجمة والميزات الجسدية لتصنيف الناس حسب العرق وتبرير الأفكار الإحيائية.

بعد الحرب العالمية الثانية طُرِح كل ما يتعلق بالعرق بهدوء إلى الجانب، وحلّت مكانه أسطورة وطنية جديدة تجاهلت المعاملة التاريخية للسامي والغجر والسود السويديين على حد سواء. «كان لدينا صورة ذاتيه للسويد كقوة إنسانية عظمى»، كما يقول منصور، «في حين أن ذلك لم يكن بالضرورة حقيقية».

الانتخابات القادمة

ترى الدواني أن حتى ناخبين ذوي ميول يمينية قد يشعرون أن الحكومة تجاوزت حدودها في بعض سياساتها القاسية تجاه الهجرة. لقد أثارت عمليات ترحيل الشباب على نحو خاص رد فعل عام، وتُظهر استطلاعات الرأي الآن أن معسكر المعارضة اليساري في طريقه للفوز في انتخابات سبتمبر، ما قد يضع نهاية للسيطرة الرسمية لإس‌دي على مراكز صنع القرار.

لكن بالنسبة لمنصور، المسألة أعمق من حزب أو انتخابات. يشير إلى نوشي دادجوستار، زعيمة حزب اليسار ذات الأصول الإيرانية، ويقول: «لم أسمعها تتحدث عن كونها إيرانية، أو عن الثقافة الفارسية، أو لغتها، أو أي شيء». هذا، بحسبه، يعكس ثقافة سويدية اليوم تحثّ على عدم البروز، ومحاولة أن تكون سويدًا قدر الإمكان.

«ينبغي أن يكون بمقدورك أن تكون نفسك، بغض النظر عمّن أنت — مهما كان خلفيتك الثقافية أو عقيدتك»، يضيف منصور. «هكذا يجب أن تكون المواطنة أو الحياة في السويد.»