مُصاب لكن غير مُنهزم — في الحرب مع إسرائيل يُبرهن حزب الله أنه لا يزال قادراً وقوياً │ هجمات إسرائيل على لبنان

بيروت، لبنان — عندما إتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في نوفمبر 2024، سادت لدى الرأي العام قناعة بأن الجماعة اللبنانية الموالية لإيران قد أُنهكت وفقدت قدراتها على الصعيد العسكري والسياسي.

في ذلك الحين كانت حملة إسرائيلية معززة على لبنان قد أزالت جزءاً كبيراً من قيادات الحزب، كما اجتاح الجيش الإسرائيلي جنوب البلاد، ما أثار نقاشات على المستوى الحكومي حول نزع سلاح الحزب بالكامل، وانتقادات وجدل داخليين حول مصير حزب الله بوصفه قوة عسكرية وسياسية.

ومع ذلك، عاد حزب الله إلى ميادين القتال في جنوب لبنان، وبدت قوته القتالية أقوى مما توقع كثيرون. قال محللون لقناة الجزيرة إن ميزان الحظ بدا أنه انقلب لصالح الحزب، لكن مستقبله يظل غامضاً ويرتبط بالمفاوضات بين واشنطن وطهران، خصوصاً تلك التي تركز على إنهاء مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران والتوتر في مضيق هرمز.

حزب الله لا يزال قوياً

بعد “وقف النار” في نوفمبر 2024 واصلت إسرائيل توجيه ضربات متقطعة إلى لبنان على مدى خمسة عشر شهراً لاحقين، قتلت خلالها مئات المدنيين. تحفظ حزب الله عن الرد حتى الثاني من مارس، بعد تنفيذ ضربات أميركية-إسرائيلية اغتالت، بحسب النص الأصلي، قيادات إيرانية كبيرة يُكنّ لها الحزب احتراماً بالغاً. في اليوم نفسه أعلنت الحكومة اللبنانية حظراً على الأنشطة العسكرية لحزب الله، ومع ذلك كثفت إسرائيل هجماتها، بما في ذلك على العاصمة بيروت، ووسعت غزوها واحتلالها لأراضٍ لبنانية، مما اضطر أكثر من 1.2 مليون نازح إلى الفرار. أعلن الرئيس دونالد ترامب عن وقف إطلاق نار مؤقت لمدة عشرة أيام في 16 أبريل ثم مُدد إلى ثلاثة أسابيع، غير أن المعارك العنيفة ما زالت تركزت في جنوب لبنان.

يقرأ  مسيّرة روسية تقتل أبًا وثلاثة أطفال في أوكرانيا وتُصيب أمًا حامِلًا

أعلن حزب الله أنه هذه المرة لن يقبل بوقف أحادي الجانب يستمر فيه الإسرائيليون بضرب عناصره وبنيته التحتية من دون رد. وعلى صعيد التكتيك، قال قيادي عسكري في الحزب للجزيرة يوم الاثنين إنهم سيعيدون استخدام عمليات انتحارية ضد أهداف إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، منهجين أساليب سبق أن استخدمت في الثمانينيات لكنها تراجعت عنها في حروب لاحقة.

وقلة من المحللين اعتبروا أن نهاية الحزب قد أُعلن عنها مبالغة. كاسمٍ مقرب من الحزب، قال كاسم قسّير للجزيرة إن الحزب “لا يزال قوياً وتمكّن من إعادة ترتيب صفوفه”. وذكر نيكولاس بلانفورد، زميل غير مقيم في مجلس الأطلسي ومؤلف كتاب عن حزب الله، أن عودته ليست مفاجئة لأنه “احتفظ بقدرات معتبرة، ولديه مقاتلون كُثُر، ومنحهم الزمن لإعادة التنظيم، ولا يزال يحتفظ بمخزون كبير من السلاح”.

المفاوضات ستحسم مصير الحزب

بينما تستعر الحرب، تجرى مفاوضات على مسارين ذوي أهمية حاسمة لمستقبل لبنان وحزب الله. المسار الأول هو المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، عُقدت أولى جولتيها في واشنطن في أبريل بوساطةٍ أميركية، وتهدف الدولة اللبنانية إلى انسحاب إسرائيلي من الجنوب والتوصل إلى سلام دائم على نحوٍ يشبه، كما يقول الرئيس جوزيف عون، “إتفاق الهدنة” الموقع بين البلدين عام 1949. وأضاف عون أنه لن يقبل باتفاق مُذِل.

رفض حزب الله نتائج هذه المحادثات رفضاً قاطعاً، وعبّر عن معارضته الشديدة لها. قال نعيّم قاسم، نائب أمين عام الحزب، في بيان يوم الاثنين إنهم “يرفضون التفاوض المباشر رفضاً قاطعاً، وعلى من في السلطة أن يعلموا أن نهجهم هذا لا يخدم لبنان ولا أنفسهم”.

المسار الثاني يدور في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران، وقد كانت طهران الداعم الرئيسي لحزب الله منذ نشأته خلال الحرب الأهلية اللبنانية. دخل وقف إطلاق نار بين واشنطن وطهران حيز التنفيذ في الثامن من أبريل، وأعلنت طهران وباكستان في البداية أن الهدنة شاملة لجنوب لبنان، لكن إسرائيل والولايات المتحدة نفيا ذلك. في يوم الهدنة قتل الاحتلال أكثر من 350 شخصاً في لبنان، بينهم ما لا يقل عن 150 مدنياً، وفق بيانات مرصد النزاعات ACLED.

يقرأ  «لا أدنى دليل»: بولسونارو يسعى إلى تبرئته في البرازيل

قال كاسم قسّير إن “مستقبل حزب الله لا يمكن أن يتحدد إلا بعد حسم المفاوضات، سواء على مستوى إيران وأميريكا أو على المستوى اللبناني. الحزب يزداد شعبية وقوة وقادراً على مواجهة التحديات، لكن دوره المستقبلية مرتبط بنتيجة تلك المفاوضات”.

ومن اللافت أيضاً أن لقاءات دبلوماسية إقليمية انطلقت، تلعب فيها السعودية دوراً بارزاً في محاولة إيجاد توافق داخلي لبناني. فقد التقى الأمير يزيد بن فرحان مبعوث السعودية مع رئيس البرلمان اللبناني نبيه برّي في 23 أبريل، الذي شكر لاحقاً الجهود السعودية “لمساعدة لبنان على مختلف المستويات، خاصة تلك المتعلقة بوقف العدوان الإسرائيلي على أمن وسيادة واستقرار البلاد”.

الراعي الإيراني

مع أن حزب الله ليس بالضعيف كما بدا في وقت سابق، فإنه لا يزال يواجه عقبات كثيرة. يستمد الحزب معظم دعمه من المجتمع الشيعي اللبناني، وهو غير محبوب إلى حد كبير بين طوائف أخرى. عندما عاد للحرب في الثاني من مارس واجه اعتراضات داخل الطائفة الشيعية نفسها، لكن كثيراً من تلك الانتقادات خفتت مع استمرار المواجهات ضد الجيش الإسرائيلي في الجنوب.

يبقى الحزب معتمداً إلى حد بعيد على الدعم المالي والعسكري من إيران. وعلى الرغم من أن قيادات إيرانية تعرضت لاغتيالات خلال الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن طهران تبدو غير مرشحة للاستسلام عسكرياً أو تفاوضياً. وترى إيران في حزب الله عنصراً لا غنى عنه لمصالحها واستمراريتها في المنطقة، كما يؤكد باحثون. يقول جوزيف ضاهر، مؤلف كتاب عن الاقتصاد السياسي لحزب الله، إن “الحديث عن مستقبل الحزب هو في جوهره حديث عن مستقبل إيران. طهران لن تتخلى عنه”.

وترددت تقارير أخيراً تفيد بأن الولايات المتحدة طالبت إيران بوقف تمويل حلفائها الإقليميين، بمن فيهم حزب الله وحماس. قال داهر إن إيران تتبوأ الدورَ الأسبق والأقوى في علاقاتها مع حزب الله، غير أنّ وصف التنظيم بأنه وكيل بحت غير دقيق. ومع ذلك، فالجانبان يشتركان في مصالح كثيرة ويعملان على تنسيق متبادل.

يقرأ  انتخابات بنغلاديش ٢٠٢٦ما الذي على المحك بالنسبة إلى الهند والصين وباكستان؟

ويرى محللون أن عدم ثقة إيران بالولايات المتحدة وإسرائيل يجعل من غير المرجح أن تتخلى عن حليفلها اللبنانية.

على الصعيد الاقتصادي، شكّل سقوط نظام الأسد في سوريا ضربةً كبيرة للحزب، إذ أن الحكومة السورية الجديدة شدّدت الخناق على شبكات التهريب إلى لبنان، ما قلّص موارد مهمة. ومع ذلك، لم يكن هذا التحوّل في موازين القوى كافياً لإحداث انهيار حاسم.

«المشكلة الأساسية للدولة اللبنانية أنها لا تستطيع أن تكسب الشرعية بمجرد استعادة السيادة على السلاح»، قال داهر، مضيفاً أنّ الدولة بحاجة إلى عرض سياسي بديل حقيقي ليُضعف الحزب ويقلّص قاعدته الشعبية الراسخة.

ورغم النكسات، يبقى التمويل الأساسي لحزب الله في العموم من إيران، بحسب خبراء. وإذا ظلّ الإيرانيون صامدين، فمن المتوقع أن يجد الحزب طريقةً للبقاء أيضاً، لكن الشكل السياسي والعسكري لذلك سيعتمد بدرجة كبيرة على مسار المفاوضات المختلفة.

«كل الاحتمالات لا تزال مطروحة»، قال كاسير.

أضف تعليق