مع اقتراب الشتاء، رفعت روسيا حظرها على صادرات الديزل، وتستعد لبيع مئات الآلاف من الأطنان إلى الولايات المتحدة ودول أخرى. هذه الخطوة جزء من اتفاق بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أسفر عن منح وزارة الخزانة الأمريكية إعفاء من العقوبات على الوقود الروسي.
أُبرم الاتفاق وسط أزمة عالمية متصاعدة في إمدادات الطاقة وأسعارها. والأهم بالنسبة لترامب أنه أعلنه قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي، التي يخاطر فيها الحزب الجمهوري بفقدان أغلبيته في مجلسي الكونغرس.
الأهمية الأساسية للاتفاق سياسية. فترامب يحتاج بشدة إلى أن يراه الناخبون الأمريكيون مهتمًا بهم. وكون ترامب لجأ إلى بوتين، وكان الأخير قادرًا على تلبية طلبه، يعكس الدور المحوري لروسيا في سوق الطاقة العالمية. لكنه كشف أيضًا استعداد البيت الأبيض للتخلي عن عميل في لحظة ضعف، وأوكرانيا في هذه الحالة، لخدمة مصالح داخلية.
ليس واضحًا بعد ما إذا كان الاتفاق يشكل نقطة تحول في المقاربة الأمريكية للحرب في أوكرانيا. ومصير تفاهم أنكوريج العام الماضي يدفع إلى التعامل مع الأمر بحذر. وذكر ترامب المفاجئ بعد الاتفاق لـ«وقف نار في مجال الطاقة»، وهو أمر غير مقبول لروسيا، يبدو كأن الرئيس الأمريكي يوازن بين خطوة نحو موسكو وأخرى تطمئن كييف والأوروبيين.
على أي حال، الموقف الأمريكي المتردد لا يساعد أوكرانيا وحلفاءها الأوروبيين وهم يصارعون أزمة طاقة وخسائر مستمرة.
الصراع، منذ بدايته، لم يكن يتعلق فقط بما يحدث في ساحة المعركة. عندما أعلن الغرب بقيادة الولايات المتحدة في ربيع 2022 أن «الهزيمة الاستراتيجية لروسيا» هدفه الأول، كان يأمل أن تحول العقوبات الغربية «الروبل إلى حطام»، كما قال الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن، وأن تترك الاقتصاد الروسي ممزقًا، ما يؤدي إلى انهيار روسيا العسكري. وهذا، كما نعلم، لم ينجح.
الآن، تواجه أوكرانيا وحلفاؤها الأوروبيون شتاءً صعبًا آخر سيمتحن قدرتهم على مواصلة حرب استنزاف.
استراتيجيتهم، أي التصعيد عبر حملة جوية كثيفة ضد أهداف عميقة في الأراضي الروسية، لم تنجح هي الأخرى. كان التوقع أن المواطنين الروس العاديين، حين يتأثرون مباشرة بالحرب، سيثورون ويجبرون الكرملين على الموافقة على وقف إطلاق نار يمنح أوكرانيا مهلة تشتد الحاجة إليها. لكن النتيجة كانت العكس تمامًا: دعم أكبر لسياسات الكرملين، لا أقل.
ردًا على تلك الحملة، التي أقر بوتين بأنها كلفت 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الروسي، أطلقت روسيا حملتها الخاصة. وقد تخلت عن بعض ضبط النفس الذي فرضته على نفسها، وبدأت تستهدف أهدافًا كانت تتجنبها حتى الآن، مثل السفن التي تنقل البضائع من وإلى أوكرانيا، والجسور فوق نهر الدنيبر، ومراكز البيانات.
تساءل بعض المراقبين ما إذا كان هذا، بالنسبة لروسيا، وسيلة «للتصعيد من أجل خفض التصعيد»، أي ستة إلى تسعة أشهر من حرب جوية مكثفة، مع تقدم على الأرض، قد تفضي إلى إنهاء الصراع.
بالفعل، يعاني الاقتصاد الأوكراني أضرارًا شديدة. فلم تعد موانئه على البحر الأسود قادرة على تصدير القمح؛ وتوقف إنتاج صناعة الصلب؛ وتتعطل اللوجستيات بالسكك الحديدية بسبب نقص القاطرات الصالحة.
في الوقت نفسه، تتعرض كييف ليس لهجمات يومية فقط بل شبه متواصلة بالطائرات المسيرة والصواريخ. وتوقعات العاصمة الأوكرانية للشتاء المقبل قاتمة. وقد بدأت السلطات المحلية تدعو السكان إلى المغادرة، لأن استعدادات الشتاء، مثل بدائل التدفئة ومخزونات الغذاء والماء، قد لا تكون كافية لتجاوز الأشهر الباردة.
ومع ذلك، فإن قائد أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي متحدٍ كعادته. بالنسبة إليه، لا رجعة. إذا وافق على سحب القوات الأوكرانية من الجزء المتبقي من دونيتسك، كما طالب بوتين، فسيكون خائفًا على حياته. وإذا جرت انتخابات رئاسية جديدة في أوكرانيا، فمن الواضح أنه سيخسر. وحين يخسر، سيتخلى عنه رعاته، تمامًا كما فعلوا بأمثال ميخائيل ساكاشفيلي، رئيس جورجيا السابق، الذي يقضي الآن عقوبة في سجن في تبليسي.
أصبح السياسيون الأوكرانيون أكثر تململًا في الآونة الأخيرة، لكنهم لا ينشقون عن زيلينسكي في مسألة الحرب والسلام. فالقوميون في الداخل والممولون في الغرب مصممون على أن تستمر المعركة.
بالنسبة لأوروبا خصوصًا، هذه الحرب لا تتعلق بأوكرانيا. إنها تتعلق بروسيا. فالفرصة الحالية لاستخدام ما كانت ثاني أكبر جمهورية في الاتحاد السوفييتي السابق لإضعاف روسيا، خصم أوروبا التاريخي، فرصة ثمينة لا ينبغي تفويتها. ويبدو أن أوروبا، التي تدفع نصف ميزانية كييف، تعتقد أنها قادرة على مواصلة القتال «حتى آخر أوكراني»، آملة في قتل مزيد من الروس وبالتالي إعاقة بلدهم.
ليس المقصود بهذا التقليل من التهديد الروسي المفترض أنه وشيك، فهو ذريعة مضللة. روسيا هي بالتحديد العدو على الباب الذي يحتاجه الاتحاد الأوروبي للحفاظ على وحدته. والكينزية العسكرية وسيلة لإعادة إطلاق الاقتصاد، ووصم المنافسين السياسيين بأنهم «عملاء بوتين» أمر مريح للغاية.
علاوة على ذلك، يسعى عدد من أعضاء الاتحاد الأوروبي والناتو سرًا إلى انتقام تاريخي: ألمانيا لهزيمة هتلر في 1945، وبولندا لتقسيماتها المتعددة، والسويد لأن روسيا أنهت وضعها كقوة عظمى، وبريطانيا لفقدانها إمبراطوريتها، وهكذا.
أخيرًا، بعد أن استثمرت مئات المليارات في كييف، لن تكفّ أوروبا عن خوض هذه الحرب في أوكرانيا حتى تبدأ خسائرها المالية والسياسية في التفوق على فائدة وكيلها الأوكراني. أو حتى تعيدها نسخة من أزمة الصواريخ النووية الكوبية عام 1962 إلى رشدها.
إن صمود روسيا الذي اختُبر في هذه الحرب يتفوق على صمود أوكرانيا ماديًا، وعلى صمود أوروبا في الجوانب غير المادية، وهذا ما سيحدد على الأرجح ما سيحدث في المستقبل.
الأرجح أن أوكرانيا وأوروبا ستنجوان من الشتاء المقبل، رغم كل الخسائر والحرمان والمعاناة. وستعيش أوكرانيا وأوروبا لتحاربا يومًا آخر، أي سنة أو سنتين، أو أقل كما اقترح بوتين مؤخرًا، لكن كييف في النهاية محكوم عليها بالخسارة، وسيكون على أوروبا أن تقبل بهزيمة عميلها على مضض، متظاهرة بأن وجود دولة أوكرانية مبتورة يشكل نوعًا من النصر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن صاحبها ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.