هل يشكل «مجلس السلام» لترامب محاولة لكبح القوى المتوسطة في أوروبا؟ أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

أغلقت معظم الدول الأوروبية الباب أمام المشاركة في «مجلس السلام» الذي دعا إليه رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب للإشراف على إعادة إعمار غزة، أو اكتفت بالإجابة بشكل دبلوماسي أنها «تفكر» في الدعوة مبررة ذلك بمخاوف جوهرية.

على صعيد الاتحاد الأوروبي، أفيد بأن المجر وبلغاريا هما البلدان الوحيدان اللذان قبلتا رسمياً الانضمام. أما على مستوى الدول الأوروبية الأوسع، فقد أعلنت دول مثل إسبانيا وبريطانيا وبولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا موافقتها.

رفضت فرنسا الدعوة بشدة، معتبرة أن مبادرة ترامب «تتجاوز إطار غزة وتثير تساؤلات خطيرة، خصوصاً فيما يتعلق بمبادئ وبنية الأمم المتحدة التي لا يجوز المساس بها». ولم يُوجّه إلى الدنمارك، الحليفة المقربة للولايات المتحدة، أي دعوة بعد الخلاف الدبلوماسي الناتج عن تهديد ترامب بمصادرة غرينلاند بالقوة.

وقع الرئيس الأمريكي ميثاق مجلس السلام في 22 يناير خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، واصفاً إياه بأنه «أحد أكثر الهيئات تأثيراً التي أُنشئت على الإطلاق». بيد أن كثيرين من المدعوين اعتبروا أن المجلس قد يكون مؤثراً بشكل مفرط، وأن هدفه الفعلي يسعى إلى إحلال نفسه مكان الأمم المتحدة، رغم أن ترامب أدلى بتصريحات تفيد بأنه يؤمن بضرورة استمرار وجود المنظمة الدولية. ومع ذلك، توحي تهديداته الأخيرة بأنه قد لا يحترم ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنع انتهاك الحدود. وتعزز هذا الانطباع دعوة روسيا للمجلس في وقت تخوض فيه حرباً شاملة في أوكرانيا.

«ترامب يفكر في الداخل الأمريكي؛ الأمور لا تسير على ما يرام، وهو بحاجة إلى نصر كبير قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر»، هكذا لخص أنجيلوس سيريغوس، أستاذ القانون الدولي في جامعة بانتيون بأثينا، دوافع الرئيس. وأضاف سيريغوس أن ترامب أمضى عامه الأول يبحث عن انتصارات في السياسة الخارجية يمكنه تسويقها داخلياً، مشيراً إلى محاولات مثل خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، واستهدافات في إيران، ومحاولاته إنهاء الحرب في أوكرانيا.

يقرأ  حماس: الرهائن الإسرائيليون منتشرون في «مقبرة» وسط مدينة غزة

دعا ترامب أعضاء المجلس للمساهمة بمبلغ مليار دولار لكل عضو مقابل «عضوية مدى الحياة»، لكنه لم يحدد كيفية إنفاق تلك الأموال. ويشغل صهره جارد كوشنر مقعداً في مجلس الإدارة التنفيذي. وتساءل سيريغوس: كيف سيعمل هذا الكيان؟ هل سيديره ترامب وصهره فعلياً؟

ترى العالمة السياسية كاثرين فيشي أن للمبادرة هدفاً جيوسياسياً أوسع: «يشبه الأمر أن ترامب يجمع، بشكل مدروس، قوى وسطية كي يقلل من قدرتها على العمل بصورة مستقلة وإبرام صفقات». وبمشابهة «تحالف الراغبين» في 2003 بزعامة بوش ضد العراق، جمع مشروع ترامب تشكيلة من دول يصعب تفسير صفاتها المشتركة، من فيتنام ومنغوليا إلى تركيا وبيلاروس.

تعتقد فيشي أن هدف ترامب كان تقييد الفضاء الذي يمكن أن تتبناه القوى الوسطى من أجل منع أشكال أخرى من التعددية، وهو اتجاه دعا إليه رئيس وزراء كندا السابق مارك كارني في خطابه في دافوس، ما أغضب ترامب. قال كارني إنه «في عالم تنافس القوى الكبرى، أمام دول الوسط خيار: أن تتنافس فيما بينها على النفوذ، أو أن تتحد لتخلق مساراً ثالثاً ذو أثر»، وحثها على بناء «ائتلافات مختلفة لقضايا مختلفة» والاعتماد على «قوة الشرعية والنزاهة والقواعد». بعد هذا الخطاب، سرعان ما سحب ترامب دعوة كندا.

ترى فيشي أن فكرة مجلس السلام تقضي بربط هذه القوى الوسطى في منظمة توحّدها في إطار يتحكم فيه ترامب والولايات المتحدة، وبذلك تفرض عليها قيوداً: «إنها ليست تعددية خيرية بقدر ما هي محاولة لوقف قدرة الدول الوسطى على التنويع والحفاظ على هامش من الاستقلال الاستراتيجي». وفي الوقت نفسه، ألمحت إلى أن المجلس قد يمنح هذه الدول «سلطة أكبر مما تمتلكه الآن في الامم المتحدة». وقالت ساخرةً إن «ترامب يعتقد أن الأمر أشبه بنادي غولف، ولذلك سيفرض رسوماً للاشتراك». وأضافت أن فرض رسم كهذا لو كان مخصصاً لإعادة إعمار غزة ربما لم يمانع الناس فيه بالضرورة، لكن شكله يوحي بدوافع أوليغارشية فجة.

يقرأ  ما الذي يمنع نيوزيلندا من الاعتراف بدولة فلسطين؟غزة في قلب النقاش

أُنشئ مجلس السلام وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في نوفمبر الماضي ليشرف على إعادة إعمار غزة، وهو معرّف كمؤسسة إدارية انتقالية تفترض الوجود فقط «إلى حين استكمال السلطة الفلسطينية لبرنامج الإصلاح بنجاح… وقادرة على استعادة السيطرة الفعلية على غزة». لكن ميثاق ترامب لا يذكر غزة ولا يحدد فترة زمنية محدودة للمجلس، بل يوسّع ولايته لتشمل «المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاع» ويمنح رئيس المجلس صلاحية حلّه «عندما يرى ذلك ضرورياً أو مناسباً».

رفضت الصين الدعوة، مؤكدة أن «مهما تغير المشهد الدولي، ستظل ملتزمة بحماية النظام الدولي مع الأمم المتحدة في مركزه». وردت الأمم المتحدة نفسها بانتقاد الخطة؛ فقد كتب الأمين العام أنطونيو غوتيريش على وسائل التواصل الاجتماعي في 26 يناير أن «مجلس الأمن وحده يمتلك، بموجب ميثاقه، السلطة الممنوحة للعمل نيابة عن جميع الدول الأعضاء في مسائل السلام والأمن»، وأن «أي هيئة أخرى أو ائتلاف مؤقت لا يمكنه قانونياً إلزام جميع الدول الأعضاء بالامتثال لقرارات تتعلق بالسلام والأمن».

وختم غوتيريش بنداء لإصلاح يعزّز شرعية مجلس الأمن عبر انعكاس أفضل لتوازن القوى في العالم اليوم، بعد 81 عاماً على تأسيسه. لكن يمكن أيضاً قراءة تصريحه على أنه نقد مُضمر لنسخة ترامب من مجلس السلام.

كما تُثير مسألة الشفافية والحوكمة إشكاليات جلية.

فترامب يعيّن نفسه رئيساً لمجلس الإدارة، ويمنحه ذلك سلطة نقض قرارات جميع الأعضاء؛ وهو من يختار الجهاز التنفيذي للمجلس، ويجعل الشفافية الماليّة أمراً اختيارياً، قائلاً إن المجلس “قد يخول إنشاء حسابات حسب الحاجة”.

أضف تعليق