تهديدات وغرامات وحق النقض شكّلت على مدى سنوات العلاقة بين فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر الذي انتهت ولايته الآن، والاتحاد الأوروبي. لكن ذلك قد يتغير قريباً.
الأحد الماضي فاز بيتر ماجيار، عن حزب تيسا، بالانتخابات البرلمانية بأغلبية ساحقة، وحصل بذلك على تفويض لاستعادة علاقة المجر بالمجموعة الأوروبية والوصول إلى الأموال الأوروبية وإنعاش الاقتصاد الوطني.
طوال أكثر من ست عشرة سنة حكم، خاض أوربان صراع استنزاف دائم مع بروكسل: من دعم صارم لروسيا وعرقلة العقوبات عليها، إلى معارضة تقديم تمويل لأوكرانيا. وترجمت هذه السياسات إلى عقوبات، وحرمان من الأموال الأوروبية، وعزلة دبلوماسية.
الآن، يقول خبراء إن الدول الأوروبية ستجد شريكاً تفاوضياً جديداً.
«هو لا يريد أن تكون المجر دولة منبوذة؛ يرى مستقبل المجر داخل الاتحاد لا خارجه؛ ويرغب أن تشارك المجر في عملية اتخاذ القرار الهامة في بروكسل»، قالت أورسوليا راتشوفا، محللة في مجموعة يوراسيا.
انتقد الناخبون الاقتصاد وغلاء المعيشة باعتبارهما أهم همومهم، وهذا ما استغله ماجيار في حملته، بوعده بإعطاء دفعة للاقتصاد، كما أشارت راتشوفا، موضحة أن «إطلاق الأموال الأوروبية يمثل أولوية» في هذه العملية.
المجر تعاني ثلاث سنوات من نمو اقتصادي شبه معدوم. وسجلت أعلى معدل تضخّم في الاتحاد الأوروبي عام 2023، وظلت ضمن الأعلى في السنوات التالية.
أوكرانيا وروسيا
خصص الاتحاد الأوروبي أكثر من 16 مليار يورو للمجر بعد جائحة كوفيد-19، لكن البلاد لم تستوفِ بعد المعايير المطلوبة لصرف هذه الأموال.
لتحقيق ذلك، سيضطر رئيس الوزراء القادم إلى إقرار تشريعات قبل موعد نهائي في أغسطس تعالج عدداً من مخاوف الاتحاد، من بينها استقلال المحكمه المستقلة والقانون وسيادة القانون والفساد.
الضرورة الملحّة للحصول على هذه الأموال قد تدفع ماجيار إلى تبنّي نهج تشاركي بشأن أوكرانيا. الزعيم الجديد محافظ وكان حليفاً لأوربان قبل أن ينفصل عنه عام 2024، ويعارض انضمام أوكرانيا المعجل إلى الاتحاد، وأعلن أنه سيستمر في معارضة الدعم العسكري لكييف.
مع ذلك، من المرجح أن يلعب دوراً أقل تصادمية مقارنة بسلفه، ومن المتوقع أن يرفع حق النقض عن قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا كان أوربان قد عرّقه في فبراير على خلفية اتهامات بتأخير كييف إصلاح أنبوب يزوّد المجر وسلوفاكيا بالوقود الروسي.
«سيكون هناك مقايضة: أموال لأوكرانيا مقابل أموال للمجر»، قال بافل زيركا، الباحث الأول في السياسات بمجلس العلاقات الخارجية الأوروبي.
تعهد ماجيار بإعادة بودابست إلى الحلبة الغربية في ما يتعلق بروسيا، لكنه أصر أيضاً على أن تظل الواردات الروسية خياراً قائماً: «هذا لا يعني أنه بانتهاء الاعتماد على طرف ما تتوقف عن الشراء منه»، قال في مقابلة.
المجر تعتمد اعتماداً كبيراً على الوقود الروسي ولا تملك بدائل كثيرة، خصوصاً في ظل نقص عالمي في الوقود والغاز نتيجة الحرب في إيران، كما قال زيركا. «سيواصل شراء الوقود الروسي لضمان أمن الطاقة الوطني مع تباعده عن موسكو كشريك سياسي»، وأضاف أن مثل هذا الموقف يتوافق مع رغبة غالبية ناخبيه.
مع ذلك، أضاف زيركا أن خروج «العقبة الأساسية أمام سیاسات الاتحاد الأوروبي» — في إشارة إلى أوربان — لن يضمن إجماعاً أوروبياً بشأن أوكرانيا وروسيا. بعض أعضاء الاتحاد الذين كانوا متحفظين بشأن انضمام أوكرانيا أو استمرار العقوبات على روسيا وجدوا في معارضة أوربان حجّة لعدم الظهور بموقفهم الحقيقي؛ «سيفرض عليهم الآن الخروج من الظلال».
المهاجرون
في مسألة الهجرة، من المتوقع أن يخفف حزب تيسا من خطاب أوربان السام تجاه حقوق اللاجئين وقد يكون مستعداً للتسوية بشأن قضايا معيّنة لإزالة غرامة قدرها 200 مليون يورو تفرضها المجر بسبب رفضها احترام حقوق طالبي اللجوء، بما يخالف قانون الاتحاد الأوروبي.
لكن الحزب أشار إلى أنه سيبقي موقفاً صارماً على حماية الحدود، بما في ذلك الحفاظ على السياج الحدودي المثير للجدل ومعارضة حصص التوزيع.
«لن نرى حملة أوربان عالية الصوت ضد الهجرة وخطابه الحضاري، ولكن لن نرى أيضاً هرعاً إليه لإزالة السياج الذي بناه كأول فعل له»، قال غابور شايرينغ، عضو سابق في الجمعية الوطنية الهنغارية وأستاذ مساعد في السياسة المقارنة بجامعة جورجتاون ـ قطر.
«حظي بدعم أنواع مختلفة من الناخبين والساسة، فبرغم أنه أقرب إلى اليمين، سيضطر إلى مراعاة احتياجات متباينة. سيخفف من القضايا الرمزية المتعلقة بالثقافة والهجرة لكنه من غير المرجح أن يتجه إلى إجراءات ليبرالية كبرى»، قال شايرينغ.
«كثيرون صوتوا ضد أوربان لكن ليس بالضرورة لصالح ماجيار»، قال زيركا، «لذلك لا ينبغي تفسير هذه النتيجة على أنها ثقة مطلقة به أو تصويت لصالح مرشح أكثر ليبرالية».