انتهت الجولة الأولى من المحادثات بين مسؤولين رفيعي المستوى من إيران والولايات المتحدة في سويسرا، بحسب ما أفاد الوسطاء، بعد أن اتفق الطرفان على خارطة طريق تؤدي إلى اتفاق نهائي يضع حداً لحربهما التي تجاوزت مئة يوم.
اتفقت طهران وواشنطن على إقامة خطوط اتصال للحفاظ على نبض مضيق هرمز مفتوحاً، والعمل على انهاء القتال في لبنان، بحسب الوسطاء الذين أكدوا أن المباحثات الطويلة اختتمت يوم الاثنين. قاد الفرق الأميركية نائب الرئيس جي دي فانْس، بينما ترأس الوفد الإيراني رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، وانطلقت المفاوضات يوم الأحد ضمن فترة تفاوضية مدتها شهران نص عليها مسوّدة الاتفاق الأولية الموقعة الأسبوع الماضي.
أفاد وسيطا التفاوض — باكستان وقطر — بأن المفاوضين توصلوا إلى “خارطة طريق للوصول إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوماً”، مع استمرار المشاورات الفنية طوال الاسبوع في منتجع بورغنشتوك السويسري. وأشار الوسطاء إلى إحراز “تقدّم مشجِع” تضمن إنشاء آلية لمحادثات فنية لاحقة، وإقامة قناة اتصال تهدف إلى تجنّب الحوادث وسوء الفهم بشأن مضيق هرمز.
كما تم الاتفاق على تشكيل “خلية فصل اشتباكات” بين الأطراف والسلطات اللبنانية لمنع تجدد المواجهات في لبنان. وأشاد الوسطاء بطبيعة التفاعل البناء، وأوضحوا أن مجموعات العمل التي شكّلها المفاوضون ستبدأ عملها فوراً، رغم أن تفاصيل تشكيل هذه المجموعات وصيغ عملها واجتماعاتها المستقبلية لا تزال غير محددة.
سبق أن أغلقّت طهران عملياً مضيق هرمز رداً على الهجمات المشتركة للإسرائيليين والأميركيين في 28 فبراير التي أشعلت الحرب، قبل أن تفتح إدّعاءات لاحقة ثم توعّد بإغلاقه مرة أخرى؛ عبر هذا الممر كانت تمر نحو خُمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية قبل اندلاع الصراع.
دخل لبنان ساحة القتال بعد هجمات شنّتها جماعة حزب الله الموالية لإيران على إسرائيل ردّاً على الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ما دفع إسرائيل لشن حملة قصف واسعة وتوغّل بري في جنوبي لبنان. وبعد محاولات فاشلة متكررة، وقّعت واشنطن وطهران الأسبوع الماضي مذكرة تفاهم تهدف إلى انهاء الحرب، وشملت بنداً لوقف القتال بين إسرائيل وحزب الله في لبنان.
مع ذلك، تكررت الاشتباكات والهجمات الإسرائيلية في لبنان منذ ذلك الحين، ما دفع إيران إلى الإعلان، بعد أيام من إعادة فتح المضيق، أنها قد تغلق الممر مجدداً. وكتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على منصة التواصل الاجتماعي أن “الوساطة الباكستانية والقطرية المجهدة حققت تقدماً كبيراً لإنهاء حرب لبنان”، مُضيفاً أن صادرات النفط والبتروكيماويات رُفعت عنها قيود، وُرفعت الحصار، وأُفرج عن بعض الأصول المجمدة، وأُطلق برنامج كبير لإعادة الإعمار والتنمية في إيران، مع أن “الاختبار الحقيقي الأول: خلية فصل الاشتباكات في لبنان”.
من طهران، قال مراسل الجزيرة إن إيران حققت معظم ما كانت تصبو إليه في جولات سويسرا لأن لديها شروطاً لبدء المحادثات الفنية؛ إذ طالبت ببدء تنفيذ مواد محددة من مذكرة التفاهم — خصوصاً المواد 1 و10 و11 — والتي تتعلق بانهاء القتال على كل الجبهات بما فيها لبنان، وإعفاء صادرات الطاقة الإيرانية من العقوبات الأميركية، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة. ومع موافقة الأطراف على استكمال المباحثات الفنية طوال الاسبوع، بدا أن ثمة انطلاقة عملية للمفاوضات التقنية.
تخلّل بدء المفاوضات إشكال بعدما انسحب وفد إيران احتجاجاً على تهديدات وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأحد بأنها ستتضمن ضربات على إيران بسبب دعمها لحزب الله. وكتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي مخاطباً ما اعتبره “وكلاء مدفوعي الأجر” في لبنان: “إذا لم يتوقفوا، سنضرب إيران بشدة مرة أخرى، كما فعلنا الأسبوع الماضي، لكن أقوى!!!” وردّ الوفد الإيراني بتحذير من جهته؛ فقد قال قاليباف إن “من الأفضل أن يكونوا حذرين في تصريحاتهم؛ قواتنا المسلحة جاهزة للرد بطريقة مختلفة. مهما قالوا، نحن من نتصرف.”
في غضون ذلك، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن القوات الإسرائيلية ستبقى في جنوب لبنان “ما دامت الحاجة”، ووعد بألا يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وبحلول مساء الأحد لم ترد تقارير عن هجمات إسرائيلية أو تجدد القتال، وعاد بعض سكان جنوب لبنان بحذر إلى منازلهم.
لطالما شكلت المواجهات بين إسرائيل وحزب الله خطراً على جهود السلام؛ فقد أُجلت محادثات مقررة يوم الجمعة بعد هجمات إسرائيلية في لبنان أسفرت عن سقوط قتلى بين جنودها. وزار القائد العسكري الإسرائيلي قواته يوم الأحد في الجنوب وقال إن حزب الله في “موقف صعب جداً”، مضيفاً أن الحركة تكبّدت ضربة شديدة وأن جيشه سيبقى مستعداً لمنع إعادة بنائه.
تجاوز عدد الضحايا في لبنان 4100 منذ تصاعد القتال في 2 مارس، وفق وزارة الصحة العامة.
وصف فانْس اجتماع سويسرا بأنه “تاريخي”، وقال إن الرئيس الأميركي طلب “فتح صفحة جديدة وتحويل العلاقة مع شعب إيران”. وبصحبته المفاوضان جارد كوشنر وستيف ويتكوف، تساءل فانْس عما يمكن أن تحققه الأطراف معاً: هل نفتح صفحة جديدة؟ هل نُحدث تغييراً دائماً في العلاقات بالمنطقة؟ أم نعود إلى السلوك القديم، وهو أمر ممكن لكنه ليس مفضلنا؟
بعيداً عن لبنان، لا توجد دلائل على أن دعم إيران للفصائل المسلحة في المنطقة، وهو ما أثار غضب الولايات المتحدة وإسرائيل لسنوات، سيتناول بشكل مباشر في هذه الجولة من المفاوضات. وفي حديثه يوم الأحد، شدّد الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان على أن طهران لن تتخلى عن حقها في تخصيب اليورانيوم، مع تكراره الإنكار بأنها تسعى إلى أسلحة نووية: “يمكننا أيضاً أن نكتب صراحة أننا لا ننوي بناء قنبلة”، على حد قوله.