وسط تعمق التوتر الإيراني‑الأمريكي، وساطة باكستان تصطدم بقيود أخبار: المواجهة الأمريكية‑الإسرائيلية مع إيران تتصاعد

إسلام آباد — تسارع باكستان لفتح قنوات دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران وسط تصعيد خطابي من الطرفين وإشارات متزايدة من واشنطن بأنها قد تستأنف ضربات توقفت منذ وقف إطلاق النار في 8 أبريل في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي وصل إلى طهران لزيارة استغرقت يومين، واجتمع بالرئيس مسعود بيزِشكيان ووزير الداخلية إسكندر مومني ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بينما كانت إسلام آباد تسعى جاهدة لمنع انهيار محادثات وقف إطلاق النار. قاليباف لعب دور المفاوض الرئيسي عن طهران في محادثات السلام مع واشنطن منذ اندلاع النزاع في 28 فبراير.

رغم ذلك، ومع استمرار مباحثات نقوي مع مسؤولين إيرانيين، أصدر الرئيس الأمريكي تحذيراً حاداً عبر منصته قائلاً إن «الوقت يداهم إيران» وأن عليها التحرك سريعاً وإلا «فلن يبقى شيء منها». وفي نهاية الأسبوع التقى ترامب فريق الأمن القومي الأعلى بما فيهم نائب الرئيس ووزير الخارجية ومدير الاستخبارات ووزير الدفاع والمبعوث الخاص.

لكن الرواية الإيرانية اختلفت علناً. المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قال في مؤتمر صحفي أسبوعي إن واشنطن أرسلت «مجموعة نقاط وملاحظات معدلة» عبر الوسطاء الباكستانيين، وإيران راجعتها وردت عبر القناة نفسها. وأفادت وكالة تسنيم الحكومية أن اقتراح طهران المقدم لباكستان لإيصاله إلى واشنطن اشتمل على 14 بنداً.

التوترات استمرت في التصاعد: استهدفت طائرات مسيّرة مولداً كهربائياً قرب منشأة براكة للطاقة النووية في الإمارات، كما أعلنت السعودية اعتراض ثلاث طائرات مسيّرة أُطلقت من الأجواء العراقية. وزارة الخارجية الباكستانية ندّدت بضربة براكة ووصفتها «انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي» وحثت كل الأطراف على «أقصى درجات ضبط النفس».

هذه التطورات بيّنت مدى تدهور القنوات الدبلوماسية منذ دخول وقف النار حيز التنفيذ قبل 40 يوماً. الطرفان تبادلا مقترحات ورفض كل منهما مطالب الطرف الآخر، وتحول الخطاب تدريجياً إلى لغة التصعيد العسكري مع احتمال عودة الأعمال العدائية واقعاً يلاحظه محللون.

تفاصيل المقترحات
بعد وقف إطلاق النار في 8 أبريل وتعطل المحادثات في إسلام آباد في 11–12 أبريل، واصل الطرفان تبادل المقترحات عبر وسطاء باكستانيين. في 28 أبريل قدمت إيران مقترحاً مضاداً من 14 بنداً يطالب بإنهاء دائم للأعمال القتالية خلال 30 يوماً، وانسحاب القوات الأمريكية من المناطق القريبة من حدود إيران، ورفع الحصار البحري الأمريكي، وإطلاق الأموال المجمدة، ودفع تعويضات حرب، وإنشاء آلية جديدة لتنظيم مضيق هرمز. القضايا النووية استُبعدت صراحةً من المقترح الإيراني.

يقرأ  الولايات المتحدة تفرض رسوماً بنسبة 50٪ على واردات النفط الهندية إثر مشتريات من روسيا — أخبار دونالد ترامب

واشنطن ردت أوائل مايو بمقترحها الذي تضمن مطالب مركزية: وقف تخصيب اليورانيوم لمدة 20 سنة، ونقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى بلد ثالث — الذي يقدر بأكثر من 400 كيلوغرام مخصب بنسبة نحو 60% — وتفكيك منشآت نووية في نطنز وأصفهان وفوردو. إيران أكدت أن مقترحها يركز على إنهاء الحرب فقط ولا يتطرق للتفاصيل النووية. طهران أخذت عشرة أيام للرد كتابياً بقبول نقل جزء من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة مع تأجيل المفاوضات النووية إلى ما بعد وقف دائم لإطلاق النار، لكن ترامب وصف الرد بأنه «غير مقبول بالمرة».

طهران وضعت أيضاً خمسة شروط مسبقة لأي استئناف للمفاوضات: إنهاء الأعمال العدائية على كل الجبهات بما في ذلك لبنان، تخفيف العقوبات، إطلاق الأموال المجمدة، دفع تعويضات الحرب، والاعتراف بسياده إيران على مضيق هرمز.

محللون يرون أن الخلاف حول ترتيب الخطوات جوهري وليس تكتيكياً؛ إيران تريد حسم ملف هرمز أولاً حتى لا تستعمل واشنطن الحصار البحري ورقة ضغط أثناء مفاوضات نووية مستقبلية، بينما تسعى واشنطن إلى فتح ملف النووي منذ البداية للحفاظ على الحصار كأداة ضغط. كما يصف المحللون الفجوة بأنها بنيوية: إيران تطلب ضماناً طويل الأمد بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المشترك عام 2018، في حين تريد واشنطن انتزاع أقصى تنازلات عبر الضغط العسكري والاقتصادي.

محلّل العلاقات الدولية جواد هيران نيا في طهران اعتبر أن الخلاف حول التسلسل يمثل جوهر المشكلة، وأستاذ التاريخ إلهان نياز في جامعة قائد الأعظم بإسلام آباد قال إن كلا الطرفين له أسباب استراتيجية للتصلب: إيران خرجت أقوى مما كانت تتوقع، والولايات المتحدة تريد شروطاً تحافظ على هيبتها كقوة عظمى.

دور باكستان تحت الضغط
نقوي كان رابع مسؤول باكستاني رفيع يزور طهران في الأسابيع الأخيرة بعد زيارة قائد الجيش فريق المشير عاصم منير وزيارات مشتركة سابقة؛ ما يعكس الضغوط المتزايدة على إسلام آباد للعب دور الوسيط. محللون يحذرون من أن باكستان تقترب من عتبة حرجة حيث قد تتحول من قناة لا غنى عنها إلى خيار يتجاهله الطرفان، فإذا استمر تراجع التقدم الدبلوماسي قد تجد نفسها مفصولة عن مسار التفاوض تماما. «عندما تنخرط إيران والولايات المتحدة عبر قنوات أخرى مثل عمان أو قطر، أو تقتنعان بأن باكستانن غير قادرة على فرض إرادتها على أي من الجانبين، فإن دور إسلام آباد سيصبح هامشياً».

يقرأ  ملفات جيفري إبستينماذا نعرف عنها حتى الآن؟

مع ذلك، دفع مهران كامرافا، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جورجتاون في قطر، بهذا التقييم إلى الوراء.

«انهيار وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة أن باكستان ستتجاهل من قبل أي طرف»، قال لكامرافا لقناة الجزيرة. «باكستان تظل مهمة دبلوماسياً بوصفها مصدراً للاتصال والتواصل».

التباعد بين واشنطن وطهران كان واسعاً والعداوات عميقة، لكنه لم يقلل من مكانة إسلام آباد. «تظل قناة رئيسية بغض النظر عن كيفية تطور الموقف العسكري»، أضاف المحلل المقيم في الدوحة.

كما أكد باغائي يوم الإثنين استمرار المشاورات مع سلطنة عمان، بما في ذلك محادثات على مستوى الخبراء في مسقط تركزت على ضمان سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز.

ورأى نياز أن الدبلوماسية الباكستانية حققت مع ذلك شيئاً ملموساً.

«أدت الدبلوماسية الباكستانية إلى تأجيل تنفيذ الحكم وبدء مسار دبلوماسي»، قال نياز.

المشهد العسكري

تقرير تقييمات عسكرية أميركية نشرته صحيفة نيويورك تايمز أشار إلى أن إيران استعادت الوصول التشغيلي إلى 30 من أصل 33 موقع صواريخ على طول مضيق هرمز، مع مخزونٍ من الصواريخ يقدّر بنحو 70% من مستوياته قبل الحرب.

وفي الوقت نفسه، أفادت سي إن إن بأن البنتاغون أعد قوائم أهداف شملت منشآت طاقة وبنى تحتية إيرانية.

وحذّر العميد أبوالفضل شكرشي، المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، في 17 مايو، من أن أي تكرار للعمل العسكري الأميركي «لتعويض إذلال أمريكا» سيقود إلى «ضربات أكثر سحقاً وشدة».

وقال حيران-نيا إن الأزمة الحالية أخطر من دورات المواجهة السابقة. وأن تصادماً بحرياً مباشراً قد يطلق تصعيداً سريعاً «ضمن 48 إلى 72 ساعة المقبلة». وأشارت هجمات الطائرات المسيرة خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى مدى الاستعداد الإيراني للتصعيد.

«هذا يبيّن مدى احتمال تجاوز خطوط حمراء في حرب جديدة»، قال.

يقرأ  باكستان تعرض خطة هدنة من مرحلتين لإنهاء الحرب الأميركية–الإسرائيلية — تقرير

وأضاف كامرافا أن خطر التصعيد العرضي حقيقي بقدر الخطر المتعمد.

«هناك قدر هائل من المعدات العسكرية في المنطقة وكثير من عدم الثقة بين جميع الأطراف»، سرد كامرافا للجزيرة.

وحذر من اعتبار الوضع مواجهة ثنائية بحتة بين الولايات المتحدة وإيران: «هناك نقاط تفجر متعددة قد تنفجر في أي لحظة».

بعد بكين

سافر ترامب إلى بكين الأسبوع الماضي بعد أسابيع من الإشارات من إدارته أن واشنطن تأمل أن يضغط الرئيس الصيني شي جين بينغ على طهران لفتح مضيق هرمز.

لكن مفاوضاتهما لم تسفر عن اختراق بشأن إيران. واتفق الطرفان على ضرورة إبقاء المضيق مفتوحاً للتجارة، غير أن الصين حمّلت الولايات المتحدة مسؤولية اندلاع الحرب.

كما وجهت بكين شركاتها المحلية في الأسبوع السابق بتحدّي العقوبات الأميركية الموجهة إلى المكررّين الذين يشترون الخام الإيراني.

وفي اجتماع لكتلة البريكس في نيودلهي في 15 مايو، أقر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتلقي رسائل من واشنطن بشأن جولات جديدة من المحادثات، لكنه قال إن «انعدام الثقة» ما زال قائماً. وأضاف أن القضايا النووية «ستم تأجيلها» إلى مراحل لاحقة، نهج للتسلسل ترفضه واشنطن.

في مؤتمر صحفي يوم الإثنين قال باغائي إن «أميركا لم تعد ذات مصداقية دولية» وحث الدول الإقليمية، بما في ذلك الإمارات، على استخلاص الدروس من الأشهر الأخيرة.

شبّه نياز حالة الجمود الحالية بصراع آخر استغرق سنوات لتتغير سياساته.

«الوضع قابل للمقارنة بالحرب الأميركية في فيتنام بعد هجوم تيت الذي حطّم ادعاء واشنطن بأنها تفوز في الصراع. ذلك الهجوم أثبت أن الولايات المتحدة لا يمكنها الانتصار وشرع عملية تعديل السياسة الأميركية لتتماشى مع الواقع. لكن هذا التعديل استغرق سنوات»، قال نياز، في إشارة إلى هجوم الشمال الفيتنامي المفاجئ على أكثر من مئة مدينة جنوب فيتنام في يناير 1968.

ووصف نياز ما ينتظر المنطقة بأنه «جمود مطوّل تتخلله انهيارات محدودة في وقف إطلاق النار».

أضف تعليق