موجة حرّ شديدة تجتاح أوروبا وتُسجّل أرقامًا قياسية في يونيو
الحدث العام
أوروبا تواجه موجة حرّ غير مسبوقة مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قريبة من أعلى القيَم المسجّلة لشهر يونيو. أصدرت السلطات تنبيهات واسعة النطاق تحذّر من مخاطر صحية جسيمة وضغوط على شبكات النقل والخدمات العامة مع تصاعد درجات الحرارة.
لماذا يُشكّل هذا الخطر؟
القارة الأوروبية تعدّ الأسرع ارتفاعًا في درجات الحرارة على مستوى العالم، بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي. بنيتها التحتية ومساكنها وشبكات النقل صُمِّمَت غالبًا لظروف أبرد، لذا فإن فترات الحرارة الشديدة المتطاولة تسبّب اضطرابات كبيرة. هذه الموجة هي الحادثة الكبرى الثانية من نوعها خلال شهرين فقط، ما يزيد القلق بشأن آثار أزمة المناخ.
خسائر بشرية ومراكز الوباء
فرنسا برزت كبؤرة للأزمة بعد تسجيلها أعلى درجة حرارة وطنية مُؤقّتة، مع متوسط وطني بلغ نحو 29.8°م وتجاوزت بعض البلدات 44°م. ترافقت الموجة مع حالات وفاة وإصابات: تقارير تشير إلى غرق نحو 40 شخصًا منذ يوم الخميس، ووفاة مسنين قرب بوردو، وحالة مأساوية لطفلين وُجِدَا متوفين داخل سيارة ساخنة في جنوب البلاد. في إسبانيا أيضًا سُجّلت وفيات مرتبطة بضربة الشمس قرب بلباو ومدينة ألمرية، كما نُقِلَ المئات للمستشفيات عبر القارة.
الضغوط على الخدمات العامة
السلطات قلِقة من الضغط على البُنى التحتية والخدمات. المملكة المتحدة تواجه تحذيرات حمراء نادرة لدرجات حرارة قد تتجاوز 38°م، وأُغلِقَت مئات المدارس أو اختصرت جداولها، ونُصِحَ الناس بتجنّب السفر بالقطارات غير الضروري خشية اضطرابات النقل والضغط على شبكات الطاقة والمياه. إسبانيا شهدت ارتفاعات استثنائية تتجاوز 45°م في الجنوب، وشمل التنبيه الحراري معظم البلاد تقريبًا. كما أن أقل من 20% من منازل أوروبا مزوَّدة بتكييف، وفي دول الشمال بُنيت المباني تاريخيًا للاحتفاظ بالحرارة لا لتبديدها، ما يزيد من هشاشة السكان.
ما الذي يسبّب الموجة؟
المتنبّئون يحدّدون سبب هذه الحرارة الشديدة في وجود قبة حرارية (heat dome) — كتلة ضغط جوي مرتفعة واسعة ثابتة فوق غرب أوروبا — مدعومة بنمط جوي يُعرَف بـ«قِفل أوميغا» (omega block). في هذا النمط يتشوّه تيّار الهواء النفاث فتُحاصَر كتلة هواء ساخن مستقرة بين منطقتي ضغط منخفض، ما يؤدي إلى بقاء هواءٍ حارٍ وراكِد فوق منطقةٍ واحدة لأيام أو أسابيع.
لماذا يقلق الخبراء؟
الحرارة الشديدة باتت من أخطر المخاطر البيئية على مستوى العالم. خبراء يؤكدون أن التأثيرات ليست متكافئة: الأشخاص فوق 65 عامًا يتحملون نصيبًا كبيرًا (نحو 90% من الوفيات المرتبطة بالإجهاد الحراري)، والفئات ذات الدخل الأدنى معرضة أكثر بسبب ضعف عزل مساكنها واشتغالها في وظائف خارجية بدنية. الإجهاد الحراري هو مثال صارخ على هشاشة مجتمعاتٍ تواجه عواقب المناخ في عالم معولم.
دور تغير المناخ
العلماء يربطون هذه الموجات بتغير المناخ الذي يجعلها أكثر احتمالًا وشدّة. متوسط درجات الحرارة العالمية أعلى الآن بنحو 1.25°م عن مستويات ما قبل الصناعة، بينما بلغ الارتفاع في 2024 نحو 1.55°م — أرقامٌ تُغيّر فرصة حدوث موجات الحر الاستثنائية. يقول الخبراء إن موجات كهذه أصبحت أحتمال حدوثها أكبر بحوالي 30 مرة مقارنة بالعصر السابق للاحترار المناخي؛ وما كان يُعتبر حدثًا نادرًا قد صار يحدث بمعدّل أعلى بكثير من مرة كل عقد.
تحذيرات دولية ودعوات للعمل
منظمة الصحة العالمية حذّرت من المخاطر الصحية المتزايدة، فيما دعا مديرها العام إلى إعطاء الأولوية للاستثمار في أنظمة صحية مقاومة للمناخ وتسريع العمل المناخي للحد من العوامل المسببة للأزمة. الأحداث تتزامن مع أسبوع لندن للعمل المناخي، حيث جدد الأمين العام للأمم المتحدة دعوته إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتسريع التحول نحو حلول أنظف.
خلاصة
الأزمة الراهنة تضع ضغوطًا فورية على الصحة العامة والبُنى التحتية وتكشف هشاشة أنظمة لم تُصمَّم لتحمّل فترات حرّ طويلة. التوصية الواضحة من العلماء والمسؤولين: تعزيز أنظمة الحماية الصحية والبَنيوية، وتكثيف إجراءات التكيف والتخفيف من الانبعاثات لتجنّب تفاقم هذه الظواهر مستقبلاً.
ملاحظة بسيطة: الحراره الشديدة تتطلّب استعدادًا فورياً من المجتمعات والسلطات. «هم يطالبون بالإجابة نفسها: انتقال سريع وعادل إلى طاقة نظيفة وتكثيف جهود التاقلم، وتعزيز الصمود والعدالة المناخية لأولئك الذين يتعرضون بالفعل لأضرار ناجمة عن تغير المناخ.»
هل تلاشى اهتمام الجمهور بازمة المناخ؟
مع أن مخاوف الناس تتزايد عادة في فترات الطقس القاسي، يرى الخبراء أن الاهتمام العام أصبح مستقطبًا.
«لقد تحوّل موضوع التغير المناخي إلى قضية سياسية بالغة الحساسية، مع حملة مضادة من بعض وسائل الإعلام ضد أهداف السياسات المناخية مثل "صافي الصفر»،» كما أوضح بارسونز. «وليس هذا أمرًا عشوائيًا أو نتيجة نفور طبيعي من الموضوع، بل قادته مجموعات إعلامية مثل News Corp وGB News وغيرهما، التي تبنت منذ خمس سنوات خطوطًا تحريرية مناهضة لسياسات صافي الصفر.»
وأضاف أن القضية ارتبطت بالهوية السياسية في عدد من الدول، لا سيما الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الأحداث الجوية الكبرى تعيد إشعال القلق العام.
«هناك اتجاه طويل الأمد ومستمر يبيّن أن الأحداث المناخية المتطرفة تثير موجات إضافية من الاهتمام العام،» قال. «وتندرج موجات الحر الحالية تحديدًا ضمن هذه الظاهرة. وبالنظر إلى ذلك، فاليوم هو وقت مناسب للدفع نحو سياسات مناخية أكثر صرامة.»