طهران — أكثرية سكان إيران البالغ عددهم نحو 90 مليوناً ما زالوا معزولين عن العالم منذ أكثر من أسبوع، إثر انقطاع اتصال غير مسبوق فرضه الدولة في خضم موجة احتجاجات وطنية اندلعت في ديسمبر وسرعان ما تحولت إلى مواجهات دموية.
في ليلة الثامن من يناير قطعت الحكومة فجأة كل أشكال الوصول إلى الإنترنت على امتداد المحافظات الثلاثين والواحدة من البلاد، بعد أن تحولت احتجاجات محدودة—أشعلها إغلاق أصحاب المتاجر محالهم في وسط طهران احتجاجاً على ارتفاع الأسعار—إلى تظاهرات حاشدة ضد القيادة الدينية. كما تم تعطيل الاتصالات عبر الهواتف المتحركة، حتى أن الناس عجزوا عن الاتصال بخدمات الطوارئ في الليلة الأولى.
بعد بدء القطع، استغرق الأمر عدداً من الأيام لإعادة شبكة داخلية تسمح بالوصول إلى مواقع وخدمات محلية محدودة، في حين لا تزال إمكانية الاتصال بالعالم الخارجي غير مضمونة أو محددة الزمن. أعيد تفعيل خدمات الهاتف المحلية جزئياً، لكن رسائل الـSMS بقيت محجوبة، ومنذ الثلاثاء أعيد فقط تفعيل المكالمات الدولية الصادرة. تعمد الدولة أيضاً إلى إرسال رسائل نصية أحادية الاتجاه يومياً تدعو المواطنين إلى الحذر من مكائد “الأعداء” والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه.
الجهات الحقوقية ــ وعلى رأسها وكالة أنباء المدافعين عن حقوق الإنسان الأميركية المعروفة اختصاراً بـHRANA ــ أوردت حصيلة وفيات بلغت 2615 قتيلاً حتى الأربعاء، فيما تصف الحكومة هذه الأرقام بالمبالغ فيها وتنفيها. في مقابلة مع قناة فوكس نيوز نفى وزير الخارجية عباس عرقجي أن تكون هناك نية لتنفيذ أحكام إعدام بحق متظاهرين، ووصف الأرقام المتداولة بأنها حملة تضليل تهدف إلى إيجاد ذريعة لعدوان جديد على إيران واستدراج دور الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الأزمة.
السلطات الإيرانية قلّدت تقرّ بأنها سجّلت حالات وفاة بين المتظاهرين، بينهم أطفال ونساء ومدنيون غير مسلحين، لكنها تكرر في الوقت نفسه رواية متناقضة تزعم أن “إرهابيين” و”عناصر” دربتهم وأسلمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما هم من يقفون وراء عمليات القتل الجماعي والاضطرابات التي شملت هجمات على مبان حكومية وإحراق ممتلكات عامة. كما قالت إن أفراداً من قوات الأمن قُتلوا بطرق وحشية، بينها الحرق والقطع، دون أن تقدم سلطات مستقلة تحققاً موثوقاً؛ وبسبب انقطاع الاتصالات تعذّر التحقق من أرقام الضحايا بصورة مستقلة.
في اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي وعلى قنوات اتصال مع الأمم المتحدة والفاعلين الدوليين، حمّلت طهران مسؤولية القتلى على الولايات المتحدة وإسرائيل، قائلة إن الطرفين “اختطفا” احتجاجات بدأت سلمية كرد فعل لتدهور الوضع الاقتصادي. بدورها شددت الأمم المتحدة على ضرورة عدم استخدام العنف ضد المتظاهرين، وفي الوقت نفسه عبّرت عن قلقها من احتمال تصعيد عسكري خارجي في ظل تهديدات متكررة من إدارة ترامب.
بعد موجة العنف، بدت شوارع طهران ومدن أخرى هادئة نسبياً، لكن الهدوء مصحوب بحضور أمني كثيف وانتشار نقاط تفتيش ودوريات مسلحة. نظمت السلطات مظاهرات مضادة واسعة ونظمت جنازات رسمية لقتلى أجهزة الأمن في مدن عدة، وأشاد التلفزيون الرسمي بالمشاركين باعتبارهم “الشعب الحقيقي لإيران”. واعتبر المرشد علي خامنئي أن المشاركات في المسيرات الحكومية أجهضت مؤامرة أجنبية كانت تنفذ عبر مرتزقة محليين.
أعلنت السلطة القضائية إنشاء محاكم استثنائية وتعهدت إيلاء قضايا الاحتجاج أولوية، فيما صرح رئيس السلطة القضائية غلامحسين محسني إجئي بأن “لا رحمة” ستُظهر تجاه ما وصفهم بالمثيرين للشغب. في حين نقلت تقارير عن إجراءات تأديبية ومحاكمات سريعة، تداولت وسائل إعلام رسمية أخباراً عن أحكام قاسية محتملة ضد متهمين في أعمال عنف؛ وفي المقابل نفت السلطات الرسمية تقارير عن صدور أحكام إعدام فورية بحق متظاهرين، رغم استمرار المخاوف بعدم توافر ضمانات المحاكمة العادلة.
أدت الأحداث إلى تصريحات دولية متباينة؛ فرَفضت وسائل إعلام حكومية إيرانية أنباء عن صدور حكم إعدام محتمل لشاب بتهمة المشاركة في الاضطرابات، بينما قال ترامب إنه حصل على تأكيدات بعدم تنفيذ إعدامات جماعية. وفي أول ظهور تلفزيوني له بعد الاحتجاجات، ركز الرئيس مسعود بيزشكيان خطابه على وصف “الإرهابيين” وضرورة إصلاحات اقتصادية، وتجنّب التطرق بصورة مباشرة لاستمرار انقطاع الشبكات الرقمية على مستوى البلد.
على الصعيد الاقتصادي أطلقت الحكومة مخصصات إلكترونية شهرية رمزية لا تتجاوز قيمتها سبعة دولارات للشخص الواحد لمدة أربعة أشهر لشراء المواد الأساسية المدعومة، في محاولة لتخفيف الضغط على الأسر المتضررة من التضخم المتصاعد وانهيار القدرة الشرائية. لكن الاحتجاجات ليست جديدة: متظاهرون يرددون شعارات ضد الفساد وسوء الإدارة والضائقة الاقتصادية وتدهور قيمة العملة والقيود على الحريات الاجتماعية، وهي نفسها مطمح احتجاجات سابقة.
تُذكر قضية مهسا أميني التي توفيت في سبتمبر 2022 بعد توقيفها في طهران بتهمة “ارتداء الحجاب بطريقة غير لائقة” كنقطة تحوّل؛ فقد أثارت وفاتها موجة غضب واحتجاجات استمرت أسابيع وهتفت فيها شعارات مثل “زن، زندگی، آزادی” (امرأة، زندگی، آزادی) بالمزج بين العربية والفارسية، وأفاد HRANA في أكتوبر 2022 بوقوع مئتي قتيل خلال تلك الاحتجاجات. الخوف من تكرار سيناريوهات مماثلة قائم، في ظل انقسام داخلي حاد وتصعيد إعلامي وسياسي إقليمي ودولي. لم أستلم أي نصٍ لترجمته أو إعادة صياغته. من فضلك أرسل النص الذي تودُّ ترجمته إلى العربية وسأعيد صياغته بمستوى C2.