اتفاق كندا مع الصين دليل على جديتها في التحول بعيدًا عن الولايات المتحدة

نادين يوسف — كبيرة مراسلي كندا

شاهد: علاقة التجارة بين كندا والصين «أكثر قابلية للتوقّع» من علاقتها مع الولايات المتحدة، بحسب كارني

نهج رئيس الوزراء مارك كارني الجديد في السياسة الخارجية الكندية يمكن اختصاره في جملة واحدة: «نأخذ العالم كما هو، لا كما نحب أن يكون». هكذا ردّ عندما سُئل عن الاتفاق الذي أبرم يوم الجمعة مع الصين، رغم المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان وبعد ما يقرب من عامٍ على وصفه للصين بأنها «أكبر تهديد أمني» تواجهه كندا.

يتضمن الاتفاق تراجعا كبيرا في الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية التي طبقتها كندا بالتنسيق مع الولايات المتحدة في 2024؛ مقابل ذلك ستخفض الصين الرسوم الانتقامية المفروضة على منتجات زراعية كندية رئيسية، لا سيما بذور الكانولا والوجبات المتعلقة بها، إضافة إلى روبيان وسرطانات وبازلاء، مع التعهد بإلغاء بعض الرسوم «لفترة لا تقل عن نهاية العام» حسب بيان كارني. كما التزمت بكين بتخفيف قيود التأشيرات على الزوار الكنديين.

خبراء اعتبروا التحرك تحوّلا لافتا في سياسة كندا تجاه بكين، ناتجا عن حالة عدم اليقين المستمرة مع واشنطن، الشريك التجاري الأكبر لكندا. قال إريك ميلر، مستشار تجاري مقيم في واشنطن ورئيس مجموعة رايدو بوتوماك للاستراتيجية، إن الرسالة الأساسية للرئيس الوزراء هي أن لكندا «وكالة» وأنها لن تكتفي بالجلوس وانتظار ما تقرره الولايات المتحدة.

أوضح كارني للصحفيين يوم الجمعة أن «العالم تغيّر» في السنوات الأخيرة، وأن التقدّم الحاصل مع الصين يضع كندا «في موقع جيد في النظام العالمي الجديد». وفي منشور لاحق على منصات التواصل الاجتماعي وصف حكومته بأنها «تُعيد معايرة» علاقتها مع الصين بطريقة استراتيجية وبراغماتية وحاسمة.

التفاصيل التقنية للاتفاق تشير إلى أن كندا ستخفض رسوما كانت تصل إلى 100% على السيارات الكهربائية الصينية لتصبح 6.1% لأول 49 ألف سيارة واردة سنوياً، مع إمكانية رفع الحصة إلى 70 ألفا خلال خمس سنوات تقريباً. هذا التراجع يأتي بعد أن فرضت كندا والولايات المتحدة رسوما في 2024 بدعوى أن الإنتاج الصيني الضخم يُضعف قدرة المنافسين على السوق العالمية؛ علمًا بأن الصين تنتج نحو 70% من إجمالي السيارات الكهربائية في العالم.

يقرأ  دانييل ميدفيديف يودّع بطولة أمريكا المفتوحة بعد حادثة مع مصوّر عند نقطة الحسمأخبار التنس

توقّع فيفيك أستفانش، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة مكغيل بمونتريال، أن الحصة السوقية للسيارات الصينية في كندا قد تقارب 10% بعد تخفيف الرسوم، ما قد يزيد الضغوط على الشركات الأمريكية العاملة في قطاع السيارات الكهربائية مثل تسلا التي تسعى لتوسيع حضورها في السوق الكندية. وقال إن الرسالة إلى إدارة ترامب تبدو وكأن كارني «يميل إلى تقارب أكبر مع الصين».

ردود الفعل المحلية كانت سريعة ومتناقضة. رحب سكوت مو، رئيس وزراء ساسكاتشوان، بالاتفاق واعتبره «نبأً جيداً جداً» لأن مزارعي مقاطعة ساسكاتشوان تضرروا بشدة من الرسوم الانتقامية على الكانولا. أما دوغ فورد، رئيس وزراء أونتاريو التي تضم قطاع السيارات الكندي، فانتقد القرار بشدّة، محذراً من أنه «سيضر باقتصادنا ويؤدي إلى فقدان وظائف». وفي منشور على منصة X اتهم فورد حكومة كارني بأنها «تفتح أبوابا لغزارة مركبات رخيصة الصنع من الصين دون ضمانات حقيقية للاستثمار المتكافئ أو الفوري في اقتصاد كندا».

البعض من الخبراء حذر من أن أحكام الاتفاق قد تُسهِم في دخول المصنعين الصينيين إلى سوق السيارات الكندية بقوة ما قد يؤثر على الصناعة المحلية إذا لم تصحبها سياسات داعمة من حكومة كارني. من جهة أخرى، قد تُترجم وفرة السيارات الصينية إلى أسعار أقل للمستهلكين الكنديين، كما قال غال راز، أستاذ مشارك في إدارة العمليات والاستدامة بجامعة ويسترن والمتخصص في سلاسل توريد السيارات الكهربائية.

رد الفعل الأمريكي تباين أيضاً. وصف ممثل التجارة الأمريكي، جاميسون غرير، الاتفاق بأنه «إشكالي» وذكر أن كندا قد تندم عليه. لكن الرئيس دونالد ترامب مدحه واعتبر الحصول على صفقة مع الصين «أمراً جيداً»، قائلاً أمام الصحفيين إن «من استطاع إبرام صفقة مع الصين فعليه فعل ذلك». ومن شأن مواقف ترامب المتقلبة — بين فرض رسوم على قطاعات كندية مثل المعادن والسيارات، والحديث عن إعادة النظر في اتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (USMCA) — أن يعزز دوافع أو استعدادات كندا لبحث سبل بديلة لضمان استقرار تجارتها.

يقرأ  ماذا تعلّمت اليوم في المدرسة؟٤٤ صيغةً بديلةً للسؤال

قال ميلر إن هناك «احتمالاً معقولاً» أن تؤول الأمور في 2026 إلى غياب صفقة تجارية عملية وذات مغزى مع الولايات المتحدة، وبناءً عليه «كندا بحاجة لأن تكون مستعدة».

بالنسبة لكارني، قد يكون هذا الاتفاق مجرد خطوة أولى في عملية إعادة معايرة للعلاقات التجارية. وأضاف أن بكين لم تؤكد فورياً كل تفاصيل الاتفاق في بيانها، مكتفية بالقول إن الطرفين توصلا إلى «اتفاق مبدئي مشترك لمعالجة القضايا الاقتصادية والتجارية الثنائية».

في ظل هذه التحولات، تبقى الأسئلة حول كيفية حماية الصناعة الكندية المحلية، خصوصاً قطاع السيارات، وكيفية ضمان استثمارات صينية فعلية ومتوازنة داخل كندا. القرار يعكس موازنة دقيقة بين اعتبارات القيم والحقوق من جهة، والبراغماتية الاقتصادية وضرورة التنويع عن الاعتماد المفرط على سوق واحد من جهة أخرى — سياسة إعادة ضبط أوسع تسعى الحكومة لتبريرها، رغم أنها ستواجه مقاومات داخلية وخارجية. ممتاازة؟

أضف تعليق