غرينلاند ليست شأنًا إقليميًا فحسب؛ إنها لحظة محاسبة آراء

تهديدات الولايات المتحدة بالاستحواذ على غرينلاند دفعَت الدنمارك إلى حالة ذعر؛ إذ زُيِّدت قوة الجنود الدنماركيين المتمركزين في الجزيرة، وأرسلت حلفاء أوروبيون قطعات صغيرة كعرض رمزي للدعم.

فجأة صار الحديث عن السيادة وحق تقرير المصير ومبادئ القانون الدولي أمراً ملحّاً. يتحدث السياسيون الدنماركيون عن المبادئ والحدود ومخاطر صراع القوى الكبرى، وما يدهش ليس ذعر الدنمارك بحد ذاته بل مظهر الدهشة الذي تبدو عليه.

غرينلاند ليست أرضاً عادية؛ كانت دائماً ذا قيمة استراتيجية. موقعها ومواردها وأهميتها العسكرية يجعلونها مطمعاً في نظام عالمي يتسع للتنافس. الاهتمام الأميركي المتجدد بالجزيرة ليس شاذّاً ولا مجرد زوبعة كلامية عابرة؛ إنه تجلٍّ منطقي لرؤية إمبريالية تُقدّم السلطة والوصول والتحكم على حساب مراعاة المعايير الدولية.

الأمر المزعج للدنمارك ليس مجرد التهديد، بل المرآة التي تعكسها. فلعقود طالعت الدنمارك العالم بقناعاتٍ متوافقة مع تلك الرؤية: تقاربت مع الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً، وشاركت في حروب أعادت تشكيل مناطق بأسرها تحت شعارات الأمن والقيم والولاء للحلف. والآن، حين تُطبّق ذات المنطق الإمبريالي على أرض دنماركية، تتحول تجريدات الجغرافيا السياسية إلى واقع ملموس.

هنا تكمن المأساة: المبادئ التي تصرخ بها الدنمارك اليوم ليست غريبة عليها؛ السيادة مهمة، والأراضي ليست سلعاً، ولا يجوز تطبيق القانون الدولي انتقائياً. لكن هذه المبادئ غابت أو ضعفت عند مشاركتها في غزو العراق دون تفويض قانوني موثوق، وعند تبرير عملياتٍ قامت على معلومات هزيلة انهارت لاحقاً. وتلاشت تلك الحمولات أيضاً في أفغانستان، حيث لم تؤدِ حربٌ امتدت عقدين إلى استقرار بل إلى استنزاف وعودة إلى نقطة البداية. وكادت أن تختفي في ليبيا، حيث لعبت طائرات دنماركية دوراً حاسماً في إسقاط القائد، ما ترك دولة منهارة تسيطر عليها الميليشيات والفوضى والاتجار بالبشر.

يقرأ  ترامب يلوّح بفرض رسوم جمركية على غرينلاند ويصفها بأنها «حيوية للأمن القومي»

وفي سوريا شكّلت مشاركة الدنمارك جزءاً من تدخل غربي أوسع؛ تحوّل انتفاض شعبي إلى حرب بالوكالة طال أمدها وكانت لها عواقب كارثية على المدنيين واستقرار المنطقة.

كل تدخل قُدِّم على أنه ضروري ومبرر أخلاقياً وضمن نظام دولي قائم على قواعد؛ لكن التطبيق العملي لتلك التدابير ساهم في تآكل القواعد نفسها التي تستند إليها الدنمارك الآن عندما يتعلق الأمر بغرينلاند.

تأتي قضية فلسطين لتجعل التناقض فاضحاً. إسرائيل حليف دنماركي قريب، ومع تدمير غزة واحتلالها للحدود الإنسانية، ظلّ الارتجاف السياسي للدنمارك مدهشاً في تأنّيه. بينما حذر خبراء القانون الدولي ومنظمات إنسانية وهيئات الأمم المتحدة من مخاطر إبادة جماعية، ظلّت استجابة القيادة الدنماركية حذرة إلى حد الصمت؛ الدعوات للمساءلة كانت باهتة، والوضوح الأخلاقي مُؤجّل.

في المقابل، تبقى صناعات دنمارك متداخلة في ماكينة الحرب؛ شركة دفاع دنماركية ما تزال تزوّد بأجزاء غيار لطائرات إف-35، تلك الطائرات التي لعبت دوراً مركزياً في قصف غزة. وعندما طُرحت أسئلة عما إذا كانت التزامات الاعتقال الدولي ستُطبَّق على رئيس حكومة إسرائيل إذا دخل التراب الدنماركي، امتنعت رئيسة الوزراء ميتّيه فريدركسن عن إعطاء إجابة واضحة.

القانون هنا يبدو مشروطاً، والمبادئ مرنة. ساهمت الدنمارك طويلاً في تطبيع عالم يقرر فيه القوة متى يُطبَّق القانون.

لسنوات، كانت العنف الإمبريالي شيئاً يحدث في أماكن أخرى؛ لأناس آخرين في مناطق أخرى. صدّرت العواقب؛ دول مزعزعة، نزوح جماعي، تغلغل التطرف، وتآكل تدريجي للمؤسسات الدولية. أوروبا تحمّلت جزءاً من التداعيات لكن رفضت إلى حدّ كبير ربطها بخياراتها السياسية. والدنمارك لم تكن استثناء.

غرينلاند تُقَصِّر المسافة؛ غزة تكشف البنية الأخلاقية التي كانت تختبئ تحت هذا الصدع. ما تواجهه الدنمارك اليوم ليس ظلماً جديداً بقدر ما هو فضح—انكشاف لمواقفها السابقة.

يقرأ  البابا والملك تشارلز يصليان معًا في لحظة ذات دلالة رمزية بالغة

نفس الحجج التي استُخدمت لتبرير التدخل في الشرق الأوسط تُستخدم الآن أقرب إلى الديار: الضرورة الاستراتيجية، مخاوف الأمن، المنافسة العالمية. ليست مفاهيم جديدة، لكنها تُوجَّه الآن بطريقة لم تكن الدنمارك تتوقعها.

هذه اللحظة تكشف عن حدود الانتقائية الأخلاقية: لا يمكن الدفاع عن القانون الدولي حينما يكون ذلك مريحاً فقط. لا يمكن أن تكون السيادة مقدّسة في القطب الشمالي وقابلة للتصرف في أماكن أخرى. لا تستطيع الدول الصغيرة أن تعتمد على مبادئ ساهمت في تقويضها وتتوقع أن تصمد حين تتبدل موازين القوة.

لأوروبا تداعيات عميقة: التوافق مع الإمبراطورية لا يضمن الحماية منها؛ الولاء لا يصنع استقلالاً. قارة تتسامح مع تآكل القانون خارج حدودها ستواجه غيابَه يوماً ما داخلها.

غرينلاند ليست مجرد قضيّة إقليمية؛ إنها حساب تاريخي. السخرية كاملة، والسؤال الآن هل ستختار الدنمارك وأوروبا أخيراً أن يتعلما من هذا الدرس؟

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف المءسسة.

أضف تعليق