معاناة عائلة يومية تكشف عمق النقص الغذائي المقلق في اليمن

صنعاء، اليمن — حتى قبل بضع سنوات، كان مهدي غالب نصر يكسب رزقه بدفع عربة مثلجات في شوارع العاصمه صنعاء، يتنقل بين الأحياء ليعيل أسرته. تحوّل مصدر رزقه إلى مستحيل بعدما تدهور نظره بسرعة. «بيع المثلجات كان مصدر دخلي الرئيسي»، قال نصر للصحفيين. «كنت أدفع عربتي وأبيع للأطفال في أنحاء العاصمة. بدأت العمى في إحدى عينيّ يؤثر عليّ بشكل كبير».

مع تدهور بصره، ضلّ الطريق كثيراً ولم يعد يجد سبيله ليلاً. «لم أكن أرى. أحياناً كان عليّ أن أنام في العراء حتى تشرق الشمس حتى أتمكن من رؤية طريقي إلى المنزل».

نصر، البالغ من العمر 52 عاماً، يعيش الآن مع زوجته وخمس بنات في صنعاء. وبدون عمل دائم وخيارات محدودة في ظل الأزمة الإنسانية الكارثية التي تعصف بإحدى أفقر دول العالم وأكثرها نزاعاً، لم يعد أمامه سوى البحث عن سبل أخرى لتأمين لقمة العيش.

مأساة نصر ليست فريدة؛ كثيرون في اليمن يعيشون معاناة أشد. البلد يدخل مرحلة جديدة خطيرة من نقص الغذاء، وسط توقعات أن يواجه أكثر من نصف السكان — نحو 18 مليون شخص — اشتداد الجوع في أوائل 2026، حسب بيانات اللجنة الدولية للإنقاذ. تظهر توقعات منظومة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي إضافة مليون شخص آخر مهددين بجوع يهدد حياتهم.

الأزمة الغذائية تتزامن مع تصاعد صراع داخلي حديث تُشارك فيه أطراف إقليمية في جنوب البلاد. سنوات الحرب والتهجير الجماعي دمرت سُبل العيش وقلّصت الوصول إلى خدمات الصحة والتغذية الأساسية. كما فاقم تراجع التمويل الإنساني، وتأخر الرواتب، والتضخم، والعقوبات الدولية من حدة الأزمة.

في الأشهر الأخيرة شهدت العلاقة بين السعودية والإمارات توتراً متصاعداً، حيث سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على مناطق واسعة في اليمن الجنوبي والشرقي في ديسمبر، وتقدم حتى قرب الحدود السعودية ما اعتبرته المملكة تهديداً لأمنها، فأجرت ضربات جوية. ثم استعاد مقاتلون مدعومون من السعودية تلك المناطق إلى حد كبير.

يقرأ  ضمير الإنسانية على المحك: غزة في قلب الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

الذهاب إلى الفراش جوعانًا

اليوم يجمع نصر زجاجات بلاستيكية في الشوارع حيث كان يبيع المثلجات سابقاً، وترافقه زوجته وأولاده حتى لا يضل الطريق. العمل الآن يعدّ ملاذاً أخيراً في سوق غير رسمي يوفر دخلاً ضئيلاً، بالكاد يكفي لوجبة بسيطة لعائلة مكونة من سبعة أفراد. في اليوم الذي تحدث فيه مع مراسلينا، قال إنه حصل على 600 ريال يمني — أي أكثر قليلاً من دولار واحد. «هذا لا يكفي لتغطية ما نحتاجه لعشاء قبل أن نذهب إلى النوم»، أضاف مهدي.

مع ذلك، صار هذا النوع من العمل خياراً لا مفرّ منه لكثير من اليمنيين الذين يكافحون لتأمين غذاء يومي. بالنسبة إلى نصر وعائلته أصبح وضع الطعام على المائدة صراعاً يومياً. «حالياً لا نملك حتى غازاً للطبخ»، قال. «وعندما يتوفر الغاز، ما نقدر نطبخ غير الأرز». وحتى ذلك لا يتوفر دائماً. «في الليلة الماضية، أنا وزوجتي وخمس بناتي ذهبنا إلى الفراش دون عشاء».

يربط نصر حالة أسرته المزرية بالصراع والانهيار الاقتصادي اللذين شكّلا حياة اليمنيين منذ بداية العدوان الخارجي علينا في 2015. الاصبح الاعتماد على العمل غير الرسمي، وتقليص وجبات الطعام، وتحمل ليالٍ بلا طعام واقعاً سيتعين على نصف السكان التكيف معه مستقبلاً.

أسرة نصر واحدة بين ملايين الأسر اليمنية التي تعيش دون مستوى الكفاف وفي فقر مدقع. ما يشغل باله أكثر من أي شيء هو عدم اليقين اليومي بشأن قدرته على تأمين غذاء بناته من يوم إلى آخر.

أضف تعليق