جفاف يضرب الشرق وفيضانات تجتاح الجنوب: أفريقيا تحت وطأة أزمة المناخ

مقاطعة تشوكوي، موزمبيق — طوال هذا الشهر تقريبًا قضيت معظم وقتي في تغطية حوادث متعلّقة بتغيّر المناخ. لم أكن قد خططت لذلك؛ إلّا أن الأمر سار على هذا النحو. مهمة روتينية إلى كينيا قادتني إلى بلدة مانديرا على الحدود الكينية‑الصومالية لتغطية قصة جفاف.

في ذلك الوقت كانت التغطية الدولية للجفاف في القرن الأفريقي شبه معدومة. لم أتوقع رؤية شيئٍ دراماتيكي. تبين أنني كنت مخطئًا: الجفاف مريع.

ما إن دخلنا إلى أجزاء نائية بالفعل من مقاطعة مانديرا حتى بدأت أرى دلائل على أن ثمة خطبًا ما. عبرنا عدة مجارى أنهار جفت، والجمَال هزيلة الجسد. ثم مررنا بالمقابر الجماعية حيث تُلقى الجِمال النافقة وتُحرق.

تحدّثت مع زعيم محلي في مانديرا اسمه عدن مولو كيكه؛ كان رجلاً مسالمًا ومتواضعًا، بذل جهدًا ليشرح لي مدى الفتك الذي سببه الجفاف. قال لي: «حيواناتنا بدأت تموت في يوليو من العام الماضي، وما تزال تموت». ثم سألني عن بلدي الذي أتيت منه، فأجبته: زيمبابوي.

سألني: «هل رأيت جفافًا بهذا السوء في بلدك؟» لم يكن لدى الفريق تفسير جاهز؛ كنا نعمل مع لجنة الصليب الأحمر الكينية التي أرادت أن توضح لي حجم تأثير الجفاف على المجتمعات المحلية.

المياه كانت التحدي الأكبر. مع جفاف العديد من الأنهار، صارت المنظمات الإغاثية تنقل الماء أسبوعيًّا. بعض القرى تحصل على الماء مرة في الأسبوع، وأماكن أخرى تصلها صهاريج الماء مرتين أسبوعيًا. هناك جدول محدّد: إن فاتك التزويد فليس هناك ماء حتى التسليم التالي. والماء — بلون بني — يُقاسمونه مع المواشى.

ألتقي برعيلٍ من الرعاة يدعى محمد حسين وهو يسحب حاويتين من الماء جمعهما من شاحنة توزيع المياه. يبدو متعبًا ولا يهوى المجاملات، لكنه استجاب لنا. قال: «كان لديّ مئة رأس من الماشية، ولم يبقَ لديّ الآن إلا عشرون… ومحاصيلي في الحقل قد ماتت»؛ كان يقصد المحاصيل. أخبرني أن ثلاثة من معزّه ماتت الليلة الماضية، وأن السبب الجفاف.

يقرأ  أستراليا تستثمر 1.1 مليار دولار في مركبات هجومية دون طيار تحت الماء «شبح القرش»

أصرّ حسين على أن يوريني الحيوانات في فناء منزله الخلفي. جرّ واحدة منها وألقى بالجَدي الميت في الأدغال. تذكرت حينها أن في مثل هذه الصحاري كمانديرا البقاء للأقوى. ومع ذلك لا يتسنى للناس أن ينوحوا طويلًا على ماشيتهم النافقة؛ عليه أن يحافظ على القليل المتبقي وإلا ستعاني أسرته الجوع.

من الجفاف القارس إلى فيضانات هائلة

كمحلِّل ومراسل أحيانًا ندخل بلدًا، نعد تقاريرنا ثم نغادر. لكن ثمة تجارب تبقى معك. هذه القصة عن الجفاف بقيت معي. عدت من كينيا معتقدًا أن دوري في تغطية قصص تغيّر المناخ قد انتهى لبضعة أشهر. كنت مخطئًا.

وصلت إلى الدار واكتشفت أن الأمطار غزيرة هناك؛ حتى في بعض أحياء هراري، زيمبابوي، شهدوا فيضانات مفاجئة. لم أعرّ الأمر بالاهتمام أكثر من أنه تغيير ملحوظ من مناخ حار إلى آخر رطب. لكن في اليوم التالي بدأت أنباء عن فيضانات وأمطار غزيرة في جنوب إفريقيا وموزمبيق تنتشر.

لا ينطفئ اهتمامنا كمراسلين، فبقيت أتابع تطورات الفيضانات في جنوب القارة، ولم أتوقع أن أُرسل إلى أزمة مناخية أخرى بهذه السرعة. بعد يوم أو يومين تدهورت الأوضاع، وسافرت إلى موزمبيق.

في ذلك الوقت كانت التغطية الدولية عن فيضانات موزمبيق محدودة، وكانت جنوب إفريقيا تحظى باهتمام أكبر، فلم أكن أعرف حجم الكارثة. هبطت إلى موزمبيق وزرت حيًّا في العاصمة مابوتو تأثر بالفيضانات. ارتديت حذاء المطاط وغصت في مياه فيضان متسخة ذات رائحة كريهة بين منازل غارقة. صدمت، لكن لا شيء مهيأ لما رأيته لاحقًا في أنحاء أخرى من البلد.

في ماراكوين رأيت بوابة دفع رسوم عملاقة مغمورة وكراسات الإرشاد المرورية بارزة فوق سطح الماء على طول طريق سريع رئيسي، والطريق مغطّى بالمياه على عمق أمتار. ثم وصلنا إلى شاى شاى، عاصمة محافظة غازا في الجنوب: مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية تحت الماء، وأجزاء من المدينة غارقة، والمطاعم والمتاجر والشركات في وسط المدينة تقبع في مياه.

يقرأ  أسعار الكاكاو تعود للانخفاض بعد الارتفاع الأخير إثر الطقس الجاف في غرب أفريقيا

قال لي ريتشارد سيكيرّا، قائد القارب الذي أرشدني لرؤية الدمار: «علينا أن ننتظر هبوط الماء أولًا، ثم نبدأ عملية التنظيف… هناك ثعابين وحيوانات حولنا. ربما سنبقى خارج بيوتنا أربعة وخمسون يومًا أو شهرين نعيش على هذا النحو.» كلامه منطقي؛ قد يستغرق أسابيع قبل أن تتراجع المياه، وقد تعود الأمطار فتزيد الطين بلة.

السلطات في مقاطعة مبومالانغا بجنوب إفريقيا أمرت السكان بالإخلاء الفوري من المناطق المعرضة للفيضانات. السد هناك ممتلئ وقد يبدأ بإطلاق الماء، وموزمبيق تقع أسفل مجرى النهَر؛ هذا يعني أن كل ذلك الماء سيتجه إلى مجتمعاتٍ سبق وغمرت بالمياه. قد تعود فرقنا الإخبارية إلى هناك مرة ثانية.

أضف تعليق