لماذا يبقى السلام حلماً بعيداً في بلوشستان الباكستانية المضطربة؟

اسلام آباد، باكستان — تمتدّ بلوشستان الغنية بالمعادن على طول الحدود الجنوبية الغربية لباكستان، وهي أكبر أقاليم البلاد من حيث المساحة وأكثرها فقرًا، كما تشكّل مسرحًا لأطول صراع دونيّ داخل الدولة.

علاقة بلوشستان بالدولة الباكستانية كانت متوترة تقريبًا منذ نشأة باكستان في أغسطس 1947، عقب تقسيم شبه القارة بعد نهاية الحكم الاستعماري. منذ أن أصبحت المحافظة جزءًا رسميًا من باكستان في 1948، شهد الإقليم موجات من العنف المتقطِّع التي تصاعدت في السنوات الأخيرة إلى مستوى وصفه المحلّلون بأنه مرحلة شبه غير مسبوقة.

آخر تصعيد كبير وقع في 31 يناير، عندما نفّذت مجموعات انفصالية هجمات منسقة في ما يقرب من عشر مدن داخل الإقليم، مطالبَة بالاستقلال. قاد هجمات تلك الجماعات ما يُعرف بجيش تحرير بلوشستان (BLA)، وأسفرت الأعمال عن مقتل أكثر من ثلاثين مدنياً وما لا يقل عن 18 من عناصر إنفاذ القانون. وردت القوات الأمنية بعمليات استمرت لساعات، وقالت إنها قتلت أكثر من 150 مسلحًا.

في اليوم التالي، صرّح سارافراز بوجتي، رئيس وزراء الإقليم، في مقابلة تلفزيونية أن الحلّ يكمن مع الجيش وليس في الحوار السياسي. لكن المحللين يشددون على أن جذور الصراع وبعض العوامل المستمرة في تغذيته تمتدّ إلى سنوات الحكم البريطاني الأخيرة في جنوب آسيا والجغرافيا السياسية غير المستقرة التي سبقت استقلال باكستان.

الانضمام إلى باكستان والسخط
قبل انسداد بوابة التقسيم، لم تكن بلوشستان وحدة سياسية موحّدة؛ فقد كانت أجزاء منها تُدار مباشرةً بواسطة السلطات البريطانية تحت اسم “بلوشستان المفوض”، فيما كانت بقية المناطق تتألف من دول إقطاعية مثل خالط ومواردها: قلات، مكران، لاس بيلا وكهْران، التي رُبطت بالتاج البريطاني عبر معاهدات لا عبر حكم استعماري مباشر.

في 1947، كان خان قلات يتمتع بوضعية تقنية من الاستقلال، وهو وضع أقرّه في البداية مؤسس باكستان ومحافظها العام الأول محمد علي جناح. لكن التحوّل في موقف القيادة جاء مع إدراك القيمة الاستراتيجية لسواحل بلوشستان كبوابة إلى مضيق هرمز؛ فوافق مير أحمد يار خان، خان قلات، على الانضمام إلى باكستان في 27 مارس 1948. رفض شقيقه عبد الكريم الاتفاق وقيادة مجموعة صغيرة إلى أفغانستان معلنًا أولى ثورات البلوش، التي انتهت خلال أشهر بتسليمه نفسه. رآها القوميون البلوش بأنها “ضمّ قسري” ومهّدت لمقاومة لاحقة.

يقرأ  كيف ستتعامل باكستان مع الاضطرابات في إقليم بلوشستان؟— أنواع البرنامج

نمط متكرر نشأ سريعًا: إقصاء سياسي يقابله مقاومة مسلحة، فترد الدولة بعنف، ثم تهدأ الأمور مؤقتًا قبل أن يعود العنف متجدّدًا.

دورات التمرد
الانتفاضة الكبرى الثانية اندلعت عام 1958، بعد تنفيذ سياسة “الوحدة الواحدة” التي دمجت هويات المقاطعات الغربية في كيان إداري واحد. اعتبر زعماء بلوشستان الخطوة تقويضًا لاستقلالهم ومطالبين بالإفراج عن مير أحمد يار خان الذي كان معتقلاً. قاد نُواب نُوروز خان، زعيم قبلي قديم خاض معارك ضد الحكم البريطاني، مقاومة مسلحة انتهت باعتقاله وإجراء محاكمة عسكرية أُعدم على إثرها بعض رفاقه، وحُكم على نفسه بالسجن المؤبد.

المرحلة الثالثة في ستينيات القرن الماضي تأثرت بمعارضة الحكم العسكري العام وعبرت عن مطالب سياسية متزايدة متأثرة بالأفكار اليسارية، وعززت قناعة أن علاقة الإقليم بالدولة تُدار بالقوة. أكثر موجات العنف حدةً كانت في السبعينيات، بعد إقالة الحكومة المنتخبة لمحافظة بلوشستان عام 1973 التي كانت يقودها حزب الشعب الوطني، وامتدّ التمرد لتشمل مساحات واسعة. اتُهم قادة الحزب من قبل حكومة ذاالفكار علي بوتو بالتآمر من لندن لتفتيت الدولة — اتهامات ظلّت غير مثبتة — لكن قادة الحزب، بمن فيهم ساردار عطاء الله منغل، اعتُقلوا، واندلعت مواجهات بين آلاف المقاتلين والجيش الباكستاني، وأسفرت عن آلاف القتلى. انتهى القتال مع انقلاب الجنرال ضياء الحق عام 1977 ومنح العفو لعدد من المقاتلين، لكن المظالم الأساسية بقيت دون حل.

نقطة التحوّل
تلا ذلك فترة نسبية من الهدوء، لكن السخط ظلّ متجذرًا؛ اتهم منتقدون الدولة بنَهْب موارد بلوشستان الطبيعية، لا سيما احتياطيات الغاز، بينما بقيت المجتمعات المحلية مهمّشة. حوادث عدّة اعتبرتها مجموعات بلوش دلائل على سياسات قاسية من الدولة، ما أدّى إلى اندلاع التمرد الخامس والحالي في أوائل الألفية.

من بين نقاط التحوّل حادثة اغتصاب الطبيبة شازيا خالد، الموظفة في شركة غاز حكومية عام 2005، والتي نسبت إلى ضابط في الجيش في ظل حكم الجنرال برويز مشرف. أثارت القضية احتجاجات محلية واسعة قوبلت بقمع، ثم انفجرت التوترات بصورة أوسع بعد مقتل نَواب أكبر بُغتي، الوزير محافظه سابق وقائد قبلي بارز، في عملية عسكرية أغسطس 2006. أصبح بُغتي رمزًا للمقاومة البلوشية وأشعل مقتله موجة غضب جديدة ودعوات متزايدة للاستقلال.

يقرأ  «لم نعد في سلام»، يؤكد فريدريش ميرتس

في السنوات الأخيرة تصدّر الشباب من الطبقة الوسطى الاحتجاجات، ولعبت النساء دورًا متناميًا في الحركات الشعبية. ردّ الدولة شمل انتشارًا أمنيًا مكثفًا وتكتيكات واجهت انتقادات من منظمات حقوقية، إذ يتهم ناشطون الحكومة بالقتل والاختفاء القسري لآلاف البلوش المشتبه في مؤازرتهم للتمرد؛ وكثير من المفقودين عُثر عليهم لاحقًا قتلى وبآثار تعذيب. تنفي الحكومة مسؤوليتها وتقترح أن كثيرين من المفقودين انضموا إلى الجماعات المسلحة، سواء في الجبال أو عبر الحدود إلى إيران أو أفغانستان.

التمرد المعاصر
تصادف التمرد الراهن مع تحولات كبيرة في الاقتصاد السياسي لباكستان: استغلال واسع للغاز، مخططات لموانئ بحرية عميقة في جوادر، تنقيب عن المعادن، وإطلاق مشروع الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان بقيمة 62 مليار دولار، ما حول بلوشستان إلى نقطة استراتيجية. ترى مجموعات بلوش أن هذه المشاريع تمثل استنزافًا دون منافع للسكان المحليين، وأنها استمرار لاستغلال شبيه بالاستعمار. جماعات مسلحة مثل جيش تحرير بلوشستان والجبهة التحريرية البلوشية تؤطّر نضالها كمقاومة لاستغلال اقتصادي وكسعي من أجل “تحرير وطني”.

اتهمت الحكومة باكستان جارتها الإقليمية الهند بدعم الانفصاليين وزعزعة الاستقرار، واتسع تداول هذا الاتهام بعد توقيف كولبهوشان جادهاف في بلوشستان عام 2016 واتهامه بأنه عميل للمخابرات الهندية؛ قدمت السلطات اعترافات مصوّرة اعتُبرت دليلاً على تدخل خارجي، ونفت الهند أن يكون جادهاف جاسوسًا.

البحث عن حلول
شهدت عشرية 2010 بروز جماعات بلوشية مسلحة أكثر تنظيماً استهدفت مواطنين ومصالح صينية، شملت هجمات على ميناء جوادر وفندق فخم وقنصلية صينية ومركز ثقافي، من بين حوادث متعددة. مع تصاعد العنف كثّفت الحكومة تركيزها على استخراج الثروات المعدنية؛ فالصين تدير منجمًا نحاسيًا رئيسيًا في ساينداك، ومشروع ريكو زق في غرب بلوشستان مصنّف كأحد أكبر احتياطيات النحاس والذهب غير المطوّرة عالميًا.

يقرأ  تفجير الزوارق الفنزويلية لن يوقف تدفق المخدرات

تشكّل الجغرافيا تحديًا كبيرًا؛ فبلوشستان تمثل 44% من مساحة باكستان وتحدها إيران وأفغانستان، وتشتهر بتضاريس وعرة وجافة وجبال شاسعة ومساحات نائية قليلة السكان، تجعل نشر الجهاز الأمني وإحكام السيطرة أمرًا بالغ الصعوبة. لذا يطرح عبدالباسط، باحث في شؤون الإقليمية، سؤالًا جوهريًا عن مدى قدرة الدولة على نشر قوات لفرض أمن شامل في إقليم بهذا الامتداد والتضاريس الصعبة، خصوصًا إذا ظلت الدولة تتجاهل الانقسامات المحلية.

يؤكّد كثير من المحللين على ضرورة الانتقال من سياسات “العسكر أولًا” إلى مقاربات سياسية. يرى امتياز بلوش، باحث في الصراع الإقليمي، أن التعامل مع التمرد أُدِير بمنطق الكبرياء أكثر منه بسعي حقيقي لتحقيق السلام: بدلاً من معالجة الجذور حُوّلت الجهود إلى صياغة رواية لخارج الإقليم. لا تحتاج بلوشستان إلى شعارات عاطفية أو مظاهر إعلامية، بل إلى مقاربة هادئة وسياسية وواقعية.

ساهر بلوش، باحثة مقرها برلين وخبيرة بالإقليم، تقول إن مشكلة سياسية لا تُحل بالقوة وحدها؛ فالمقاتلون الذين يعرفون التضاريس أفضل من القوات الأمنية يحتاجون فقط للضرب من حين لآخر لكشف هشاشة الدولة. حيث تسود حكمٌ قائمٌ على الخوف أكثر من الثقة، ينضب مصدر المعلومات الاستخباراتية؛ لا يتعاون السكان، وتغيب المعلومات، ومن ثم حتى المناطق عالية الحماية تُخترق بسهولة.

ما يزال مسؤولو الحكومة يعتبرون القوة العسكرية الحلّ، وهو موقف يعارضه رفيع الله كاكار بشدة. كاكار، محلل سياسي متخصص في بلوشستان ومرشح للدكتوراه بجامعة كامبريدج، يقول إن الدولة اعتمدت على سياسات قسرية وعسكرية فشلت في تحقيق الاستقرار. ويضيف أن بداية أي تغيير جوهري يجب أن تكون بإجراءات ثقة ذات مغزى تهيئ بيئة ملائمة للمصالحة والحوار السياسي.

أي محاولة جادة لحل الأزمة، بحسبه، يجب أن تعترف بطبيعتها السياسية وتضمن إجراءات من قبيل معالجة قضايا الاختفاء القسري، وضمان تمثيل انتخابي شرعي، وإنشاء “لجنة حقائق ومصالحة” جديرة بالثقة. وأخيرًا، على الدولة أن تعرض خارطة طريق واضحة لحوار منظم وآليات مؤسسية لمعالجة المظالم السياسية والاقتصادية والإدارية العميقة لبلوشستان.

أضف تعليق