بين حقول القصب التي تشقّت كستارٍ لتكشف عن راقصين بأقنعة البافا التقليدية، خرجت نجمة بورتو ريكو العالمية باد باني في عرض منتصف الشوط لـ Super Bowl LX — عرضٌ كاسر للحدود، سياسيٌ بقدر ما كان بديعًا ومُبهِرًا.
العرض الصاخب ليلة الأحد في نهائي دوري كرة القدم الأمريكية في كاليفورنيا قُدّم غالبًا باللغة الإسبانية، ونال استحسانًا هادرًا من مجتمعات لاتينية في الولايات المتحدة ومشاهدين عبر أميركا اللاتينية. وسط أجواء حفل منزلٍ عملاق على منتصف الملعب، ظهرت وجوه معروفة كـ بيدرو باسكال، كاردي بي، وجيسيكا ألبا، وحتى حفل زفاف مباشر أثناء أداء أغنية تيتي مي برغونتو، التي تتناول علاقات متعددة والزواج في آنٍ معًا.
لكن الفرح المصاحب لم يكن بلا توتر؛ كثيرون رأوا في العرض فعل تحدٍ في ظلّ حملات مداهمات قاتلة تنفذها مصلحة الهجرة والجمارك الأمريكية (آيس) ضد مجتمعات المهاجرين في أنحاء البلاد. وساهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تحويل الحدث إلى ساحة سياسية حين وصف أداء باد باني بأنه «أسوأ عرض على الإطلاق» و«صفعة في وجه بلدنا»، متغيبًا عن المتابعة الحية للعرض ومشاهدًا المباراة من فعاليةٍ في فلوريدا.
في منشور على “ترث سوشل” شنّ هجومًا: «لا أحد يفهم كلمة يقولها هذا الرجل، والرقص مُقزز، خصوصًا للأطفال الصغار الذين يشاهدون من كافة أنحاء الولايات المتحدة والعالم». أنصاره من حركة “اجعلوا أمريكا عظيمة مجددًا” تبنّوا ذات الموقف، متسائلين عن سبب تقديم العرض بلغة «أجنبية» وواصفينه بأنه «معادي لأمريكا». بعض المحافظين اختاروا بدلاً من ذلك مشاهدة ما عُرض باسم «عرض منتصف الشوط أميركي بالكامل» الذي نظّمته منظمة يمينية غير ربحية كبديل.
في مشهدٍ احتفالي ذي دلالات عميقة، سار باد باني وهو يرقص ويستعرض أشهر أغانيه من تيتي مي برغونتو إلى بايلي إنولفيدابل، ولامس بفخر جذور الجمهور اللاتيني في زمنٍ سياسي منقسم. تقول كلوديا رويز، كوبية-أميركية تسكن مودستو بكاليفورنيا: «باد باني رمزٌ للأمل للمجتمع اللاتيني في زمنٍ يتعرض فيه كثيرون لتقليص هويتهم إلى صور نمطية مؤذية. إنه يُجسّد الوحدة بطريقة غنية وثقافية وعائلية ومفرحة تستعيد الكبرياء».
«لسنا متوحشين… لسنا حيوانات… لسنا أجانب. نحن بشر ونحن امريكيون» — كلمات قالها الفنان بينيتو أنطونيو مارتينيز أوكاسيو (باد باني) خلال خطاب قبوله جائزة أفضل ألبوم في حفل الغرامي، بعد أن صار ألبومه ديبي تيرار ماس فوتوس أول ألبوم باللغة الإسبانية يفوز بهذا التكريم. تلك العبارة صدى لها العرض في السوبر بول، وأكدت رسالة الاندماج والكرامة.
منظر ذروة العرض كان عندما نطق باد باني عبارة «الله يبارك أمريكا!» ثم أعقَب ذلك باستدعاءٍ لأسماء دول أوروبا الغربية؟ لا — بل استعرض أسماء دول قارة أمريكا الشمالية والجنوبية والوسطى من كوبا إلى كندا، مع عرض أعلامها في موكب يرمز إلى شمولية المصطلح «أمريكي» لكل من يعيش في القارتين. بالنسبة لبرناردو غارسيا إسبينوزا، الذي تابع العرض من المكسيك، كانت تلك «أقوى لحظة» في العرض: «أخذ باد باني تعبيرًا أميركيًا معروفًا وقلبه ليقول: نحن كلنا أميركيون لأننا نعيش في الأمريكتين».
الإشارة إلى تحركات إدارة ترامب الإقليمية — ومنها حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وما تبعها من تبرير باستحضار مبدأ مونرو القديم — جعلت الرسالة أكثر حسماً لدى متابعي العرض: حين تُعيد الولايات المتحدة تفسير نهجها القديم في تقسيم النفوذ، يصبح من المعبر أن يقول فنّنا في أكبر حدث أميركي: نحن أكثر من أرض يمكن احتلالها أو الاستفادة منها؛ لدينا قيمة وله صوت.
لم يقتصر الاحتفاء على الرموز الكبيرة؛ مارينا ليمون روجيريو، مكسيكية من مونتيري، رأت في العرض ضرورة سياسية ومصدرًا للدفء: «كان هناك الكثير من اللمحات اليومية المشتركة في ثقافتنا اللاتينية، مثل طفل نائم في كرسي بينما الكبار لا يزالون يحتفلون»، وأضافت أنها لم تكن لتتخيل ظهور سوبر بول بأكمله بالإسبانية، وأن العرض كان استحقاقًا لرؤية المهاجرين اللاتينيين يحتفلون بثقافتهم دون اعتذار.
كما تضمنت فقرة الرقص راقصين متنقلين يجسّدون حرفًا وظيفية ــ ميكانيكيين، بائعي محلات، ومصففي شعر ــ مهن كثيرًا ما يحتلّها المهاجرون اللاتينيون في الولايات المتحدة، ما جعل العرض مرآة للحياة اليومية ومجسّدًا لهوية مجتمع واسعة ومتشابكة. لم تترك تلك المشاهد ناتاليا بوستامانتي، الشيلي-إكوداورية المقيمة في مونتريال، كندا، إلا متأثرة بعمق.
«إخواننا وأخواتنا المهاجرون يمرون بجحيم ليصلوا إلى الولايات المتحدة»، قالت للجزيرة، مضيفة أنها شعرت بالارتياح لأن يُحتفى بهم «لمرة واحدة».
«كان المشهد طاغياً إلى حد أنني في النهاية كنت أبكي».
أبريل بونيتشي بورّاس، مواطنة كوستاريكية-أمريكية من ريتشموند بولاية فرجينيا، أعربت من جانبها عن استيائها لمشاهدة عرض منتصف الشوط البديل الذي نظّمته منظمة Turning Point USA، وشعرت بالإحباط أيضاً لرؤية أشخاص ينشرون صوراً وهم يرتدون سماعات عطلاً عن أداء باد باني خلال الحفل الحي.
«كل ذلك لأنهم لم يريدوا سماع شخص يتحدث بلغة لا يفهمونها»، قالت بورّاس للجزيرة. «العرض كان عن الحب والمجتمع والموسيقى… أنصار ترامب ينسون أننا كلنا الامريكيون.»
في ختام أداء مغنّي بورتوريكو باد باني لعرض منتصف الشوط خلال سوبر بول LX بين باتريوتس وسيهوكس، لوّح الفنانون بأعلام دول ذات سيادة من قارة الأمريكتين في استاد ليفاي بمدينة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا. [أ ف ب]