حين أعلن الثريديوس روباك هذا الأسبوع عن بدء تمثيله للفنانة فلورنتينا هولزينجر، بدا الأمر أكثر من مجرد تعديل روتيني في قائمة المعروضين. على مدى عقد كامل بناّت هولزينجر سمعة كواحدة من أبرز فنّاني الأداء في أوروبا، منفتحَة على التجاوز والاصطدام: درّاجات نارية ومروحيات وآلات ثقيلة، مفاهيم عن العري وقدرات التحمل التي تختبر حتى حدود الجسد. ما كان ينقصها حتى الآن هو تمثيل صالوني أو تعاقد مع جناح تجاري في عالم الفن.
هذا التحول يأتي بالتزامن مع تجهيزها لتمثيل النمسا في الدورة الـ61 من بينيالي البندقية، ما يمنح الخطوة أبعاداً زمنية واستراتيجية واضحة.
بالنسبة لهولزينجر، المخرجة والمدرَّبة في التعريفات الحركية والتي انتقلت سريعاً إلى إنتاجات مسرحية ضخمة، الانتقال إلى سياق صالون فني يفتح فصلاً جديداً في مسارها. وبالنسبة لروباك، الذي احتوى برنامجه لسنوات على رسامين ونحاتين ذوي ثقل مؤسّسي، يعكس ذلك تحوّل الحدود بين فن الأداء والفن البصري إلى خطوط نافذة ومرنة.
تُقدّم هولزينجر ممارسة فنية ذات طابع بصري صارخ ومتفرد؛ تتحدى التقاليد بطقوس تجمع بين سرديات متداخلة وتقنيات جذرية لمعالجة مواضيع عاجلة، فتعمل على إعادة تشكيل الجسم بوصفه موضوعاً ووسيطاً وفاعلاً في الوقت ذاته. أعمالها حازت جوائز مثل Nestroy وFaust، وجرى اختيار إنتاجاتها أربع سنوات متتالية لمهرجان Theatertreffen في برلين. منذ 2021 هي فنانة منتسبة إلى مسرح Volksbühne في برلين، وطورت سلسلة أعمال موقّعة بعنوان Études مع مؤسسات منها Schinkel Pavillon وBergen Kunsthall وWiener Festwochen.
مشروعها في البندقية، المعنون Seaworld Venice، يبدأ من الجناح النمساوي ويمتد عبر المدينة من خلال عروض على الماء والهواء واليابسة. ينبع العمل من هاجس طويل بالماء كمادة واستعارة؛ يتحول الجناح، كما تصفه القيمَة نورا-سوانتجي ألمِس، إلى كائن مركّب: جزء مدينة ألعاب تحت الماء، جزء محطة صرف، وجزء موقع مقدّس. يتحرّك العمل بين المسرَحية والطقس، مسلّطاً الضوء على ارتفاع مستويات البحار، على النفايات، وعلى الجسد البشري كفاعل وضحية في منظومة بيئية تالفة.
ألمِس، المشرفة على برنامج العروض الحيّة في جروبيوس باو والتي تُشرف أيضاً على جناح النمسا، تصف صور هولزينجر بأنها لم تُشاهد من قبل، مستذكرة باليه مع درّاجات نارية ومؤدين معلقين من خطاطيف. في البندقية تصوغ Seaworld Venice كسيناريو أبوكاليبتّي حاضر بالفعل، يواجه المتفرّج بـ«حيوات تُعاش في نفايات الآخرين».
لطالما انشغلت هولزينجر بكيف يعيد السياق تشكيل المعنى. تقول إن عملها يزدهر عند التنقّل أو التمايل بين الأنواع، باحثاً عن سياقات مختلفة للوجود، وطارحاً سؤال من يحقّ له التواجد في أي فضاء، ومن له موضع على أي خشبة أو داخل أي صالة عرض. وتشير إلى الفرق بين المشاهدة الثابتة في المسرح والمشاهدة المتحرّكة في الصالون، حيث يحدد المشاهد مدّة بقائه؛ ولذا دخول فضاء الفنون البصرية يفرض مجموعة جديدة من العادات والتوقّعات.
فنّانو الأداء غالباً ما يعملون خارج آليات السوق، مع تمويل مرتبط بمؤسسات عامة أو مهرجانات. التمثيل الصالوني يوفر بنية مغايرة: وسيلة لوضع الأجسام والأثر والوثائق داخل مجموعات، ودعم للإنتاج على نطاق أوسع. العرض الأول لأعمال هولزينجر داخل صالات روپاc مقرّر عام 2027، بعد مشاركتها في البندقية.
توقيت الإعلان يبدو مدروساً. تمثيل النمسا في البندقية يضمن بلوغ الانتباه العالمي، وSeaworld Venice يعد بصور ستنتشر خارج جدران الجناح. أعمال هولزينجر مصمّمة للعناوين والنقاش، ومجهزة أيضاً للانخراط مع المئسسات، بلغة بصرية قادرة على الانتقال من الخشبة إلى فضاء العرض.
لروباك، الذي توسّعت صالاته في سالزبورغ وباريس ولندن وميلانو وسيول لتحتضن فنّانين يتخطّون التخصصات، يرمز هذا الانضمام إلى ثقة متزايدة بقدرة فن الأداء على أن يكون قوة محورية في الفن المعاصر. وللهولزينجر، يفتح ذلك حلبة جديدة تتبدّى فيها الأسئلة التي طرحَتها طويلاً على المسارح داخل الصناديق البيضاء والأسواق الفنية.
البندقية، مدينة الماء والبهجة البصرية، ستكون ميدان اختبار لها؛ وعالم الصالات يستعدّ في توقيت مناسب.