طهران، إيران — تبرز خلافات حادة بين طهران وواشنطن قبل محادثات متوقعة، فيما نزلت جاليات إيرانية في المهجر إلى الشوارع حول العالم للمطالبة بتحرك عاجل بعد سقوط آلاف القتلى خلال موجة الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد الشهر الماضي.
تباين المواقف قبل جولة تفاوضية محتملة
تردّدت تقارير عن احتمال انعقاد جولة ثانية من المفاوضات المُوسَّطة خلال الأيام المقبلة، وقد أكدت واشنطن رغبتها في فرض قيود مشددة على برنامج الصواريخ الإيراني وإنهاء كل أنشطة التخصيب النووي. من جهتها، رفضت إيران هذين المطلبين باستمرار، وعرضت فكرة تخفيف درجة التخصيب لليورانيوم عالي التخصيب — الذي تقول إنه دُفن تحت الأنقاض بعد قصف أمريكي في يونيو — مقابل رفع العقوبات.
على الصعيد نفسه، أعلن الرئيس الأمريكي سابقاً إرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة، مع تأكيده أن تغيّر النظام في إيران سيكون «أفضل ما يمكن أن يحدث». وفي طهران، شكر الرئيس مسعود بيزشكيان قادة دول مثل أذربيجان وتركيا وقطر وسلطنة عُمان والسعودية على وساطاتهم التي ترمي إلى تجنيب البلاد هجوماً عسكرياً أمريكياً محتملاً، محذّراً من أن أي حرب ستؤثر على كامل منطقة الشرق الأوسط.
تظاهرات الجالية الإيرانية في الغرب
شهدت السبت تظاهرات حاشدة للجاليات الإيرانية المعارضة للنظام الديني الحاكم منذ ثورة 1979، إذ دُعيت الجاليات إلى «يوم عالمي للعمل» من قبل رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، الذي حضّ المغتربين على المطالبة باستعادة إيران من الجمهورية الإسلامية. توافد المتظاهرون إلى ميونيخ ولوس أنجلوس وتورونتو، كما خرجت مسيرات في مدن أسترالية مثل سيدني وملبورن.
التظاهرات كانت من أكبر تجمعات الجالية الإيرانية في الخارج منذ احتجاجات 2022-2023 التي انطلقت بعد وفاة مهسا أميني في حجز الشرطة، وكانت تظاهرة تورونتو الشهر الماضي قد جمعت أكثر من 150 ألف شخص دون حوادث تُذكر، فيما سجّل نحو 100 ألف مشاركة مسجلة مبكراً لتظاهرة ميونيخ. هذه الاحتجاجات جاءت أيضاً بعد أن نظّم النظام تجمعات مؤيدة وأحرق أعلام إسرائيل والولايات المتحددة كجزء من فعاليات الذكرى.
على منصات التواصل، كتب والد مهسا أميني معبّراً عن ألمه وغضبه من ازدواجية المعايير: «قتلوا ابنتي البريئة بسبب خصلات شعر، ولم يُحاسَب أحد، والآن يُعرَض على شاشات التلفزيون نساء بُدون حجاب في مراسيم رسمية ولا أحد يصرخ بأن الإسلام في خطر».
توثيق انتهاكات ونداءات دولية
منذ ليالي 8-9 يناير، انتشرت احتجاجات مماثلة في عشرات المدن حول العالم كهاγη، زيورخ، روما، بودابست وطوكيو، في محاولة لرفع الصوت تجاه ما تقول المنظمات الدولية إنها حملة قمع دامية. وثقّت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية استخداماً واسع النطاق للقوة المميتة ضد متظاهرين سلميين، بينما رفضت الحكومة الإيرانية هذه الاتهامات واصفة المتظاهرين بأنهم «إرهابيون» و«مثيرو شغب» موالون وممولون من الولايات المتحدة وإسرائيل.
أُسر في حداد وقِيَم التضامن
من جنوب محافظة فارس إلى أراك ومشهد، واصل أهل الضحايا نشر لقطات وتسجيلات لإحياء ذكرى أحبائهم. امتلأت مقبرة بهشت زهرا يوم الجمعة بمؤازرة لعائلات تعقد مراسم «الچهلوم» (أربعين يوماً) حداداً على قتلاها. المشاركون رددوا التصفيق الحزين، عزفوا موسيقىً مختصرة وأظهروا إشارة النصر محاولةً لعرض الصمود والكرامة رغم الفقد.
من بين الذين أُحييت ذكراهم آيدا حيدري، 21 عاماً، طالبة طب، وزهرا «رهة» بهلوليبور، طالبة بجامعة طهران، وكلاهما قُتل بطلقات نارية حية في حوادث منفصلة. وقد بثّت وكالة مهر الحكومية تقارير تزعم تورط أجهزة استخباراتية أجنبية في أعمال شغب، فيما أكدت عائلة إحدى الضحايا أن ابنتهم ليست «منافقاً»، وهو وصف تُطلقه السلطات على المعارضين.
مؤسسات أكاديمية وشخصيات رسمية أدانت القتل أيضاً؛ فقد قال محمد حسين أوميد، رئيس جامعة طهران، إن «غالبية» المشاركين في الاحتجاجات هم متظاهرون لا إرهابيون.
القلق على سلامة المعتقلين
أعلنت السلطة القضائية أن عدداً من السياسيين الإصلاحيين البارزين الذين اعتُقلوا مؤخراً أُفرج عنهم بكفالات بينما يبقى آخرون رهن التوقيف لملاحقات سابقة. وأشار نائب وزير العلوم، وحيد شلچي، إلى أن «عددًا كبيرًا» من الطلاب المعتقلين سيُفرج عنهم قريباً لكنه لم يحدد أرقاماً.
تقديرات تقول إن عشرات الآلاف اعتُقلوا خلال الموجة، وحذرت منظمات حقوقية من أن بعضهم عرضة للإعدام، وهو ما تنفيه السلطات. ذكرت منظمة العفو الدولي أن بطل مصارعة يبلغ 18 عاماً، صالح محمدي، حُكم عليه بالإعدام العلني في قُم بعد اعترافات انتُزعت قسراً، بينما أشارت المقررة الخاصة للأمم المتحدة لشؤون إيران، ماي ساتو، إلى أن أكثر من 20 ألف مدنياً قد يكونون قُتلوا خلال الاحتجاجات، وأن حالات إعدام فردية تتكرر الآن على نطاق جماعي.
أرقام الضحايا لا تزال غير مؤكدة بسبب القيود الشديدة على الإنترنت والحجب الموسع الذي قُيّدَت به المعلومات، ما يصعّب الوصول إلى إحصاءات مستقلة وموثوقة.