نفاق محسوب: لماذا تتقرب القوى الغربية من بكين بينما تبقى معتمدة على واشنطن

تتوالى زيارات زعماء غربيين إلى بكين — من إيمانويل ماكرون في ديسمبر، إلى رئيس وزراء كندا مارك كارني وزعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر، مع خطط لزيارة المستشار الألماني فريدريش ميرز لاحقاً هذا الشهر — فتبدو للوهلة الأولى مؤشراً على إعادة ترتيب جيوسياسية كبرى. لكن قراءة هذه الزيارات على أنها انحراف استراتيجي عن الولايات المتحدة لبس تكتيكي يُقدَّم كتحول جوهري. ما نشهده هو اتباع منطق براغماتي اقتصادي ضمن إطار تحالفات أمنية راسخة؛ توازن دقيق لم تستطع حملة السحر الصينية تقويضه جذرياً.

شهدت المرحلة الأولى من ولاية دونالد ترمب الثانية تماهي الحلفاء في لعبة موازنة حساسة: حافظوا على روابط اقتصادية مع الصين مع البقاء استراتيجياً في صف واشنطن إزاء ما اعتُبر تهديداً من بكين وموسكو. لكن حروب التجارة الممتدة للرئيس وطرقه القاسية مع الشركاء الأوروبيين والأمريكيين الشماليين، إلى جانب التهديدات القسرية، هزت أوهام الجبهة الغربية الموحدة، فأفضى ذلك إلى ارتباك تجلّى في خطاب كارني في دافوس.

أعلن هناك نهاية النظام الدولي القائم على القواعد بقيادة الولايات المتحدة ووصَف المشهد بالتمزق، حيث «القوي يفعل ما يريد والضعيف يتحمّل ما يطيق». هذه العبارة بلورت خيبة أمل واسعة، وفتحت شروخاً سياسية ودبلوماسية سارعت بكين لاستكشافها وربما استغلالها.

في هذا السياق يتضح وجه التحول الدبلوماسي نحو بكين: القادة الغربيون لا يتبنّون بكين كحليف بل يسعون، كما قال كارني، إلى «مسار ثالث» لبلدان القوى الوسطى — أي تحقيق «الاستقلال الاستراتيجي» في مجالات الطاقة والمعادن الحيوية وسلاسل الإمداد لتفادي أن يصبحوا رهينة في لعبة القوى العظمى. تركّز الزيارات على تنويع الاقتصاد وتخفيف المخاطر، لا على استبدال راعٍ بآخر. وتؤكد بيانات الختام المشتركة طابع التعاون العملي والتبادلي، مع تجنّب أي تحوّل استراتيجي جذري.

يقرأ  ما الذي يثير استياء جنوب أفريقيا من انضمام إيران إلى مناورات بحرية لمجموعة بريكس؟

وتبرز حقيقة أساسية: البراغماتية الاقتصادية تصطدم بأولوية ثابتة لا تقبل المساومة — الأمن الأساس. تجلّى ذلك بوضوح حين استرجعت أستراليا ميناء داروين من مستأجر صيني رغم ربحية الميناء وتوصيات رسمية لم تجد تهديداً أمنياً فوريّاً. هذا التقييم الرسمي عدمه لم يمنع اتخاذ القرار؛ ففي أوقات الغموض الاستراتيجي تغلب التصورات وارتباطات الحلفاء على التقييمات التقنية، ما يكشف أين تكمن الولاءات النهائية.

في سياسات التحالفات، الإشارة غالباً ما تعادل التقييم. حتى مع عمق التجارة بين الاتحاد الأوروبي والصين، تحافظ الدول الأوروبية على تقاسم الاستخبارات والالتزامات الدفاعية مع الولايات المتحدة. وعلى رغم التوترات الخطابية مع واشنطن، رفعت دول أوروبا من إنفاقها الدفاعي باتجاه هدف حلف الأطلسي بنسبة 2% وعزّزت التنسيق العسكري بشأن أوكرانيا، مما يرسخ القاعدة المؤسسية للأمن العابر للأطلسي. سخطهم يولّد مطالب بالاعتدال لا دعم مواجهة تقودها الصين، مشيراً إلى أن الشقاق أعمق من مجرد خلافات تجارية.

تحت السياسة التبادلية تنبثق شروخ حضارية؛ انقسام لا تستطيع اللياقات الدبلوماسية أو البراغماتية الاقتصادية تجبيره. لدى أوروبا وكندا وأستراليا ذاكرة هوية غربية مشتركة تغلغلت في وعي النخب، مصحوبة بمخاوف عميقة أن نموذج الصين الرأسمالي الذي تقوده الدولة يهدد النظام الليبرالي الديمقراطي. هذه الهوية ليست ثقافية فحسب بل مؤسسية أيضاً، متجذرة في قابلية التشغيل المشترك داخل الناتو، وتكامل معلوماتي عبر شبكة العيون الخمس، وعقود من التخطيط العملياتي المشترك. هذا القلق يتجاوز حماية الأسواق ليصبح صراعاً وجودياً للحفاظ على الهيمنة المؤسسية والإيديولوجية. ويظهر ازدواج المعيار: سلوك الولايات المتحدة الجشع يُقدّم كشذوذ مؤسف، بينما تُعرض ممارسات الصين التجارية كتهديد نظامي متأصل؛ ولهذا تتضاءل خلافات التجارة مع واشنطن أمام هذا التباين الأعمق.

بالنسبة لحلفاء آسيا الرئيسيين، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، يرتكز تحالف الولايات المتحدة على أساس سيادتهم. تشكّلت هوياتهما ما بعد الحرب تحت مظلة الحماية الأمنية الأمريكية، مع أنظمة دفاعية متكاملة وثقافات سياسية موثوقة. صعود الصين يوقظ مخاوف تاريخية من دخول مناطق نفوذ جديدة. لذا، حتى حين ضغطت عملاقة رقائق كوريا الجنوبية ضد الانفصال عن السوق الصينية، فإنها عززت في الوقت نفسه البحوث المشتركة مع الولايات المتحدة، معتبرة أن ثمن الارتباط بواشنطن زهيد مقارنة بمخاطر الهيمنة الصينية الإقليمية.

يقرأ  بنغلاديش تهزم سريلانكا في مباراة مثيرة ضمن «سوبر فور» بكأس آسيا

ويظهر هذا الولاء بشكل بارز في تبادل الاستخبارات. تمثل شبكة العيون الخمس لدى كندا وأستراليا ونيوزيلندا، من جذور فك تشفير الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، شيفرة استراتيجية مشتركة مع واشنطن. المشاركة الفورية للمعلومة تبني ثقة تتجاوز المكاسب الربحية. أستراليا، رغم علمها بأن الصين قد تعطل صادرات خام الحديد، منعت هواوي من شبكات الجيل الخامس — تعبير عن قرابة حضارية لا يمكن لأي اتفاق تجاري صيني أن يحل محلها، لأن التمرد قد يصل إلى حد الانتحار الاستراتيجي.

تحدّد هذه الولاءات العميقة حدود التنازع التي يحدث فيها التهرّب الاقتصادي. قد يعارض مصنعو السيارات الألمان حظر التكنولوجيا الأمريكية، وقد تستضيف جامعات أستراليا معاهد كونفوشيوس، وقد تمرر اليابان صادرات عبر مصانع صينية؛ وقد تدعم كلماتياً طعون الصين في منظمة التجارة ضد تعريفات أمريكية. ومع ذلك، عندما يُطلب من هذه الدول الوقوف مع بكين ضد واشنطن للحفاظ على النظام القائم على القواعد، تتردّد وتفضّل إدارة التحالفات على الدفاع المنهجي. الحساب واضح: التجارة مع الصين تعزّز الازدهار، لكن التحالف مع الولايات المتحدة يضمن البقاء.

ومن هنا ينبع ما يمكن تسميته «نفاقاً محسوباً»: حلفاء ينتقدون علناً أساليب واشنطن القسرية بينما يقوّون في السر البنية الأمنية التي يعتمدون عليها. ينتقدون سياساتها، لكنهم يظلّون تحت مظلتها، مستندين إلى نظام قواعد يتوقعون من الصين الالتزام به، ويترددون في تطبيقه عندما تتجاوز الولايات المتحدة الحدود. فرغم عدم اليقين الاقتصادي الأمريكي وتفوّق الصين في بعض تقنيات الطاقة النظيفة وسلاسل الذكاء الاصطناعي، يبقى شبكة التحالفات الأمريكية ميزتها الأساسية. عقود من التمرينات العسكرية والتبادل الأكاديمي والقيم المشتركة خلقت مرونة لا يكسرها صرف الصين للمال وحده. فحتى مع ريادتها في تكرير العناصر النادرة ونمو قوتها في سلاسل الذكاء الاصطناعي، تفتقر الصين إلى الثقة اللازمة لتحويل الشركاء إلى حلفاء استراتيجيين.

يقرأ  لماذا وُجّهت لائحة اتهام إلى المدعية العامة لولاية نيويورك ليتيشيا جيمس؟أخبار دونالد ترامب

في النهاية، تشير الزيارات إلى بكين إلى مرض أوسع: فشل سياسات الإكراه الأمريكية في الحفاظ على وحدة الحلفاء. لكن الانخراط مع الصين ليس علاجاً. يظل «المسار الثالث» تجربة محفوفة بالغموض، يقيده واقع صارم: الحلفاء يريدون الاستقلال الاستراتيجي ولكنهم يفتقرون إلى بديل واقعي لحماية الولايات المتحدة. سيُشكّل النظام الناشئ عبر هذا التوازن المتوتّر — موازنة حازمة لا تحوّل قاطعة. قد يبتعدون عن الانفرادية الأمريكية، لكنهم ليسوا داخل مدار بكين. مسارهم الحذر والبراغماتي يكشف الوهم الكبير: هذه قصة صمود، لا إعادة تموضع.

يعتمد نجاح هذه المناورة على حل تناقض جوهري: السعي للاستقلال الاستراتيجي مع الاعتماد على محمية أمنية تقوضه أحياناً. قد تقوّض وسائل الإكراه التماسك، لكن التكامل البنيوي يحفظه. لذلك، يظل «المسار الثالث» أقل ثباتاً وأكثر تشكّلاً كعمل توازني دائم وخطير فوق هاوية التنافس بين القوى العظمى.

آراء الكاتب تعبر عن وجهة نظره الخاصة ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق