أصدرَت المحكمة العليا الأمريكية حكماً اعتبرت فيه أن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها دونالد ترامب غير قانونية، ما أعاد ضخ حالة من عدم اليقين في التجارة العالمية، بينما شرع الرئيس يوم السبت بفرض رسم جمركي جديد بنسبة 15 بالمئة.
بعد أسابيع من حلفه اليمين في يناير 2025، لجأ ترامب إلى فرض رسوم على خصوم وحلفاء على حد سواء استناداً إلى قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA)، فاتحاً بذلك معركة تجارية هزّت أسواق العالم.
قرار المحكمة
في قرارٍ صدر بأغلبية 6-3 يوم الجمعة، قررت المحكمة العليا أن ترامب تجاوز صلاحياته عند تفعيله لقانون 1977 المصمم لتمكين الرئيس من الاستجابة لحالات الطوارئ الوطنية المحددة. ورأت المحكمة أن الرسوم الجمركية تُعدّ شكلاً من أشكال الضرائب، وتندرج صلاحية فرض الضرائب حصراً تحت بند المادة الأولى من الدستور، أي أنّ سلطة التشريع الضريبي حصرية للكونغرس.
لكن الحكم لا يشمل الرسوم على الصلب والألومنيوم والأخشاب وقطاع السيارات، إذ فُرِضت تلك الرسوم بموجب تشريع مختلف — البند 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962.
رد فعل ترامب
غضب ترامب بشدة وأطلق على قضاة المحكمة وصفَين مهينين واعتبرهم «حمقى وكلاباً تابعة» غير وطنيين وغير مخلصين لدستور البلاد. وقع فوراً أمراً تنفيذياً استناداً إلى البند 122 من قانون التجارة الأمريكي لعام 1974 لفرض رسم عام قدره 10 بالمئة على الواردات من جميع الدول التي تتاجر مع الوليات المتحدة، على أن يبدأ العمل به في 24 فبراير؛ ثم رفعه يوم السبت إلى 15 بالمئة، وهو الحد الأقصى الذي يسمح به هذا القانون التجاري.
ما هو القانون التجاري الجديد الذي يستخدمه ترامب؟
بمقتضى البند 122 من قانون التجارة الأمريكي لعام 1974، يخول القانون للرئيس فرض رسوم تصل حتى 15 بالمئة لمعالجة «عجوزات كبيرة وخطيرة في ميزان المدفوعات». ولا يجوز تطبيق هذا الرسم لأكثر من 150 يوماً إلا إذا منح الكونغرس تمديداً صريحاً؛ ويمثّل ترامب أول رئيس يستخدم هذه الصلاحية لفرض رسوم على نطاق واسع.
في بيان للبيت الأبيض يوم الجمعة، استُثنيت فئات محددة من البضائع من الرسم المؤقت، مثل بعض المنتجات الزراعية (كاللحوم والبندورة) والموارد الطبيعية والأسمدة التي لا تُنتَج محلياً، إضافة إلى منتجات الطيران وبعض السلع الأخرى.
يرى شانْتانُو سينغ، محامٍ متخصص في التجارة الدولية، أن هذه الخطوة مرشحة للطعن قضائياً لكونها المرة الأولى التي تُستخدم فيها هذه الصلاحية الرئاسية، مع ذلك قال إن للحكومة هامش تقدير واسع للقول بأن عجز التجارة يدخل ضمن مقاييس عجز ميزان المدفوعات. وقد برّر ترامب الرسوم بأنها وسيلة لمواجهة عجز تجارة الولايات المتحدة الذي يفوق 900 مليار دولار.
ماذا يحدث للاتفاقيات التجارية القائمة؟
كانت دول عديدة قد أبرمت اتفاقيات لتخفيف أثر رسوم ترامب العام الماضي. المملكة المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي ودول جنوب شرق آسيا دخلت في تفاهمات لخفض الرسوم على صادراتها إلى الولايات المتحدة، لكن المشهد الحالي يطرح تساؤلات عن مصير هذه الاتفاقيات: هل تُطبّق عليها نسبة الـ15 بالمئة الجديدة أم المعدلات المتفق عليها في الصفقات؟ هل تُفرض على الهند نسبة 18 بالمئة كما نصّ الاتفاق أم 15 بالمئة كما أعلن ترامب؟
أوضح ترامب لوسائل الإعلام يوم الجمعة أن بعض هذه الاتفاقيات الدولية «ستظل سارية». وقال سينغ إن طابع هذه الاتفاقات الدولي يجعل بقاءها محتملاً، ولكن بعد حكم المحكمة العليا اختفى الحافز الأكبر للدول المضيفة لعقد صفقات مع إدارة ترامب، وهو الحصول على معدل متبادل منخفض قبل المنافسين، ما يقلّص الآن دافع الشركاء التجاريين للوفاء بالتزاماتهم في هذه المرحلة.
نظرة عامة على بعض الاتفاقيات وحالها
المملكة المتحدة
كانت بريطانيا من أوائل الدول التي أبرمت اتفاقية مع الولايات المتحدة بعد أن تضررت صادراتها من الصلب والألومنيوم (خاضعة لرسوم 5 بالمئة) وصادرات السيارات وقطعها (خاضعة لرسوم 25 بالمئة). بموجب الاتفاق، تعهّدت واشنطن بعدم فرض رسوم على واردات الصلب والألومنيوم من المملكة المتحدة، ولتخفيض الرسوم على سلع أخرى إلى 10 بالمئة، كما تم الاتفاق على إزالة الرسوم على الأدوية والمنتجات الطبية.
بعد حكم المحكمة العليا قال ويليام بين، رئيس سياسة التجارة بغرفة التجارة البريطانية، إن القرار «لا يزح اللُجَّة عن أمام الشركات»، وأكد المتحدث باسم الحكومة البريطانية أن لندن «تعمل مع واشنطن» لفهم انعكاسات الحكم على الاتفاق. الحكم القضائي لن يؤثر على اتفاقية الصلب والألومنيوم والأدوية، لكن بين اعتبر أن معدل 15 بالمئة العالمي الجديد، المفروض بموجب البند 122، «سيكون ضاراً بالتجارة وبالمستهلكين الأمريكيين وبالنمو الاقتصادي العالمي».
الصين
فرضت الإدارة رسوماً مرتفعة جداً على الصين، واشتعلت الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين عالميين، حتى تجاوزت الرسوم المتبادلة أحياناً 100 بالمئة على بضائع محددة. لم تُبرم بينهما صفقة شاملة، لكنهما اتفقا على هدنة سنة مع رسم أساسي 10 بالمئة وخفض رسم الفنتانيل إلى 10 بالمئة. حكم المحكمة سيؤدي إلى رفع الرسوم عن المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة الفنتانيل، بينما ستستمر الرسوم على صادرات صينية أخرى مثل السيارات الكهربائية والألومنيوم والصلب.
ودعا متحدث السفارة الصينية في واشنطن، ليو بنغيو، إلى تعاون بين بكين وواشنطن لإضفاء قدر أكبر من اليقين والاستقرار على التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين ولصالح الاقتصاد العالمي. ومن المقرّر أن يزور ترامب الصين بين 31 مارس و2 أبريل للقاء الرئيس شي جين بينغ ومناقشة قضايا التجارة. ويرى سينغ أن الصين التي لم تبرم اتفاقيات مع الولايات المتحدة قد تكون في أفضل وضع تفاوضي الآن، إذ أنها تحصل عملياً على معدل رسوم أقل دون تقديم تنازلات.
جنوب شرق آسيا
وقّعت إندونيسيا وماليزيا وفيتنام وكمبوديا اتفاقيات مع واشنطن لخفض الرسوم. خفّضت ماليزيا رسوماً من 25 إلى 19 بالمئة، وانخفضت رسوم كمبوديا من 49 إلى 19 بالمئة، فيما خفّضت فيتنام وإندونيسيا رسومهما إلى 20 و19 بالمئة على التوالي. قال مندوب التجارة الأمريكي جيميسون غرير لقناة فوكس نيوز إن واردات الولايات المتحدة من دول مثل ماليزيا وكمبوديا ستستمر في الخضوع للمعدلات المتفاوض عليها (19 بالمئة) رغم تثبيت المعدل العام عند 15 بالمئة، وأكد المفاوض الإندونيسي أيرلانغا هارتارتو أن صفقة الرسوم التي حدّدت 19 بالمئة لا تزال سارية.
الهند
تعرّضت الهند لرسوم مرتفعة بلغت 50 بالمئة في بعض الأحيان؛ ففرضت الولايات المتحدة في البداية رسم 25 بالمئة على واردات هندية ثم أضافت 25 بالمئة أخرى بحجة مشتريات الهند من النفط الروسي. وفي وقت سابق هذا الشهر توصلت واشنطن ونيودلهي إلى اتفاقية إطار، وقال ترامب إن رئيس الوزراء ناريندرا مودي وافق على التوقف عن شراء النفط الروسي وأن الرسوم الأمريكية ستنخفض إلى 18 بالمئة على أهم صادرات الهند إلى الولايات المتحدة (الملابس والأدوية والأحجار الكريمة والمنسوجات). من جانبها تعهدت الهند بإلغاء أو خفض رسوم على السلع الصناعية الأمريكية ونطاق من المنتجات الزراعية. تأجلت زيارة وفد تجاري هندي كان مقرراً أن يًسافر إلى واشنطن لاستكمال التفاصيل.
الاتحاد الأوروبي
في يوليو الماضي توصلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى صفقة لتهدئة نزاع تجاري بعد أن فرض ترامب رسماً نسبته 30 بالمئة على واردات التكتل المكوّن من 27 دولة؛ وبموجب التفاهم كان من المقرر أن تُفرض على صادرات الاتحاد إلى الولايات المتحدة رسوماً نسبتها 15 بالمئة. لكن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ لأن المشرعين الأوروبيين أوقفوا تصديق الاتفاق بعد تهديد ترامب بضم جرينلاند الشهر الماضي. كان من المقرر أن يصوّت لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي على الاتفاق في 24 فبراير، لكن حكم المحكمة العليا والرسوم الجديدة جعلا مصير الاتفاقية معلقاً، فيما قال متحدث باسم المفوضية الأوروبية إن التكتل في «اتصال وثيق» مع الإدارة الأمريكية لطلب مزيد من الإيضاح.
المكسيك
كانت المكسيك من أولى الدول المستهدفة السنة الماضية؛ فتعرضت لرسوم 25 بالمئة على بعض الأدوية ولمزيد من الرسوم (رسم «الفنتانيل») بنسبة 25 بالمئة بسبب إشارة ترامب إلى تدفّق المخدرات عبر الحدود. نحو 85 بالمئة من صادرات المكسيك إلى الولايات المتحدة كانت مُعفاة بموجب اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) التي دخلت حيز التنفيذ في يوليو 2020. سيؤدي حكم المحكمة إلى تقليص بعض الرسوم على صادرات المكسيك، لكن مراجعة USMCA المرتقبة هذا العام تثير تساؤلات عما إذا كانت الإعفاءات ستظل قائمة إذا أُعيد التفاوض على بنود الاتفاق. قال وزير الاقتصاد المكسيكي مارسلو إبرارد إنه سيسافر إلى واشنطن في القريب العاجل لمناقشة هذه القضايا.
كندا
تواجه كندا رسوماً تصل إلى 35 بالمئة على بضائع قطاعات معينة مثل الصلب والألومنيوم، وقد تأثرت معظم بضائعها أيضاً برسم 50 بالمئة على المعادن المستوردة و25 بالمئة على السيارات غير المنتجة في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن غالبية الصادرات الكندية معفاة بموجب USMCA. بعد الحكم قال وزير التجارة الكندي مع الولايات المتحدة دومينيك لوبلانك إن ثمّة عملاً كبيراً متبقياً لأن الرسوم المفروضة من قبل واشنطن على الصلب والألومنيوم والأخشاب والسيارات لا تزال سارية، ومع قرب مراجعة USMCA يخشى بعض القادة الكنديين ما قد يتخذه ترامب لاحقاً من إجراءات.
ما الذي سيحدث لاحقاً؟
تنتظر دول عديدة مزيداً من التوضيح حول كيفية تفاعل حكم المحكمة العليا مع قرارات ترامب الأخيرة. يتوقع سينغ أن تستغل الإدارة فترة الـ150 يوماً التي ستكون فيها الرسوم العالمية البند 122 سارية المفعول. وخلال هذه الفترة من المرجح أن يتولى الممثل التجاري للولايات المتحدة بسرعة فتح تحقيقات استناداً إلى سلطة قانونية أخرى — البند 301 — لإصدار قرارات بشأن ممارسات تجارية غير عادلة لشركائها التجاريين والسعي لإعادة تثبيت نسب الرسوم المتبادلة التي أبطلتها المحكمة. في هذه الحالة، قد تُعاد صياغة الاتفاقيات التجارية لتنعكس معطيات الواقع القانوني والسياسي الجديد.