ما الذي يختبئ حقًّا وراء حنين الغرب إلى الاستعمار؟ — آراء

لطالما قُدِّمَ ما يُسمى «النظام العالمي القائم على قواعد» كمنظومة حميدة للحكم العالمي صاغها الغرب، مع أن جذورها تمتد إلى عهد الاستعمار وأن كثيراً من آلياته عكست عدم مساواة عنصريّة. مع ذلك، رُوج له كمنبّه للرخاء والنظام العالميين، وبدا كما لو أن الغرب قد تحوّل بسحرٍ ما من شرٍّ استعماري إلى مخلّصٍ وإنقاذ.

لكن بالنسبة لغالبية دول الجنوب العالمي، بدا العصر مختلفاً تماماً: إبادة جماعية، نهب، تهجير. في أفريقيا وآسيا والكاريبي عطّلت الإدارات الاستعماريّة وكممت المشروعات المحلية، وفرضت اقتصادات محاصيل نقدية معرضة لصدمات الأسعار العالمية، وأعادت رسم السلطات السياسية لصالح السيطرة الإمبراطورية.

مع الوقت تصاعدت المطالب بحساب أدق للكارثة التي ألحقها الغرب ببقية العالم، وبالاعتراف بجرائمه التاريخية من إبادة إلى استعباد، وبالتعويض. وجاء ذلك متزامناً مع إعادة ترتيب للقوة العالمية تركت الغرب في حالة تردد وانهيارٍ نسبِي لصورته كمخلصٍ مطلق—لم يعد هو الخير الذي طالما ادّعى كونه.

ظهرت اعترافات مترددة بهذا التاريخ. في حالة كينيا، كشف وجود معسكرات تعذيب بريطانية أثناء كفاح الاستقلال في الخمسينيات عن تعابير ندمٍ حكومية دون اعتذار رسمي وتعويضات بَخِيلة. وألمانيا، رغم اعترافها بارتكاب إبادة جماعية ضد شعبي الأوفاهريرو والناما في ناميبيا خلال العقد الأول من القرن العشرين، ما زالت ترفض دفع تعويضات مباشرة، مقترحة بدلاً من ذلك مبلغ 1.3 مليار دولار يُصرف عبر برامج مساعدات على مدى ثلاثين عاماً بوصفه «بادرة مصالحة».

كانت هذه الفتات تافهة القيمة لكنها مثّلت نقطة تحوّل مهمّة. حركات عالمية من نوع Black Lives Matter في الولايات المتحدة إلى Rhodes Must Fall في جنوب أفريقيا دفعت لإعادة بناء السرديات التاريخية حول تفوّق البيض وهيمنة الغرب. وانتقل الفكر المضاد للاستعمار من أروقة الجامعات إلى الثقافة الشعبية.

يقرأ  مهرجان الطماطم الإسباني الجامححيث تُقذف الطماطم بأطنانٍ من الشاحنات

ولم تتأخر ردود الفعل المضادة. في بعض الأوساط وُجّه رفض قاطع لما سُمّي «ذنب البياض»، فانتهز الساسة ذلك وأدرجوه في حملاتهم الانتخابية. أصبح التراجع عن التاريخ الاستعماري رواية شعبية قابلة للفوز بالانتخابات، ووصل هذا التيار سريعاً إلى المنتديات الدولية.

كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الأخيرة في مؤتمر ميونيخ للأمن مثال بارز. استحضر فيها النظام الإمبراطوري قبل 1945 بنبرة مدح، وصوّره كعصر توسعٍ غزير: مبشرون وجنود ومستكشفون يخرجون من شواطئ الغرب لعبور المحيطات واستيطان القارات وبناء إمبراطوريات مترامية. روبيو عرض هيمنة الغرب كعصر ازدهار وقيادة أخلاقية، قائلاً إنه لا ينبغي للخارج أن يخجل من ماضيه. لم يكن الاستعمار—بحسب هذه الرواية—هرمياً عنصرياً واستغلالاً بقدر ما كان وصاية ونظاماً وحضارة. وتراجعه، ضمنياً، أمر يستحق الندم.

ما يدعو إليه روبيو ومن في حكمه هو رفض الشعور بالذنب والتقاط صورة معاكسه: إعادة تأهيل الامبراطورية وأن تُترَكَ دون وصمة عار تاريخية. لا يطلبون بالطبع أن يعلن المنتصرون عن شرّهم علناً—فالشر لا يرفع لافتاته بنفسه—بل يطالبون بإعادة تفسير وقائع الماضي عملياً، عبر إزالة الذنب والعار التاريخي وتحويل محاسبة التاريخ إلى ضعف أو كراهية للذات. وبدلاً من التعامل مع أخطاء الماضي، يقترحون استخدام السلطة لقمع الذاكرة.

إنها محاولة واضحة للخلاص من خلال احتلال الذاكرة. ليست مجرد مناظرة تاريخية؛ إنها محاولة لصياغة المفردات الأخلاقية للحاضر. وهي أيضاً خطوة للانتقال من «النظام القائم على القواعد» إلى واقعٍ حيث يسود مبدأ القوة هي الحق.

إذا صُوِّرَت الامبراطورية على أنها رحيمة، فسيُعاد تأطير التراتبيات المعاصرة كقيادة مسؤولة. تصبح أنظمة التجارة غير المتكافئة «استقراراً»، والضغط العسكري «وصاية»، والتدخلات «رعاية». وحتى الاستعمار، كما رأينا في مثال ما أُطلق عليه «مجلس السلام» لدى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، يُعاد تسميته ليس كهيمنة بل كنظام ضروري يمهّد للرخاء. ويُصوَّر التعدد القطبي ليس كإعادة ترتيب بنيوي بل كانهيار مسبب لعدم الاستقرار.

يقرأ  قمة كوب ٣٠ في البرازيل — كل ما يجب معرفته عن مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ

هذا الخطاب مفيد سياسياً في لحظة تتعرض فيها الهيمنة الغربية لتحديات قوى صاعدة وتحالفات متغيرة. الحنين إلى السيادة غير المناقشة يمنح وضوحاً ويستبدل الشعور بالعار بفخرٍ متجدد. يحوّل المطالب بالعدالة إلى اتهامات بإنكار الجميل. ونمطه يكرّر الرواية المألوفة: الإمبراطورية تؤذي لكنها في نهايتها تنقذ؛ تخطئ لكنها تتكفّل بالتكفير عن نفسها؛ ومركزيتها تبقى دون مساءلة.

لا حاجة إذن إلى مساءلة بنيوية أو تعويضات جوهرية؛ يتحول التركيز من آثار الحكم الاستعماري المادية إلى عبء العاطفة الغربية بالعار. تصبح القصة عن استعادة الثقة أكثر من مواجهتها لعدم المساواة.

كان خطاب روبيو موجهاً للجمهور الغربي، لكن بالنسبة لنا يجب أن يرنّ كجُراس إنذار. قد يكون من المغري وصف هذا الكلام بأنه فشل أخلاقي لقلّة من الرجال السيّئين—يمكن تسخيفهم وتجاهلهم بسهولة—لكن ذلك خطأ جسيم.

علينا أن نقرّ بأنهم يعيدون تشكيل هندسة الاستعمار: منظومة قانونية واقتصادية وإبستيمية تهدف إلى تفضيل المصالح الغربية، تُشرع ظلمها في القوانين، وتفرض أوامرها بالقوة، وتوزّع فوائدها وفق امتيازات عنصرية.

إعادة تأهيل الامبراطورية ليست نوستالجيا عاطفية بل استعداد منهجي. إنها بناء إطار أخلاقي يجعل التراتبيات الحالية لا تحتاج إلى مبرر لأن تراكمات الماضي قد بُرّئت. والماضي، وإن تعذّر تغييره، فبالإمكان أن يُستعاد بصورة مغلوطة.

نعيش منذ زمن طويل تبعات هذا المخرج في اقتصادنا وحدودنا وأجسادنا، وحين نبدأ ببطء في نزع الأقنعة عن أعيننا، تظهر محاولة جديدة لتعميتنا. لا يجب أن نستسلم للتنقيح التاريخي، بل علينا مقاومته بنشاط: أن نُصرّ على روايتنا، وأن نُعلِنها بلا اعتذار وبإصرار حتى لا تُخمد.

الذاكرة ليست سلبية؛ إنها اختيار يُتخذ كل يوم، والاختيار يخصّنا بقدر ما يخص أي جهة أخرى.

وجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة موقف التحرير في قناة الجزيرة.

يقرأ  قراصنة يستولون على تسجيلات كاميرات جناح الولادة في الهند في إطار شبكة جريمة إلكترونية

أضف تعليق