مقتل «إل مينتشو» لن يحل مشكلة عصابات المخدرات في المكسيك — ولا أي شيء آخر مخدرات

يوم الأحد قضت قوات الأمن المكسيكية على نيميسيو روبيين أوسيغيرا سيرفانتس المعروف بلقب «إل مينشو»، زعيم كارتل جاليسكو للجيل الجديد (CJNG) الذي ينشط في ولاية خاليسكو بغرب المكسيك.

أقرت وزارة الدفاع المكسيكية بأن العملية القاتلة جرت اعتماداً على «معلومات تكميلية» من الولايت المتحدة، التي ظل رئيسها «صانع السلام» دونالد ترامب يلوح مراراً بشنّ هجمات على المكسيك بذريعة محاربة عصابات المخدرات.

علماً أن هذه التنظيمات مدينـــة بوجودها في المقام الأول لسياسات واشنطن ولسياق الاستهلاك الكبير للمخدرات هناك.

رحّب نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو بخبر مقتل إل مينشو على نحو مبالغ فيه، مُعلناً على منصة X: «هذا تطور عظيم للمكسيك، والولايات المتحدة، وأمريكا اللاتينية، وللعالم». ومع ذلك، لا تبدو الأمور «عظيمة» حتى الآن.

كما كان متوقعاً —من قبل أي متابع طفيف للشؤون الدولية— اندلعت أعمال عنف في ولايات مكسيكية عدة عقب القضاء على زعيم كارتل، وهو نمط مألوف عندما يُستأصل رأس عصابة. أشعل مسلحون مركبات وقطعوا طرقاً سريعة في أماكن متفرقة، فيما تناولت وسائل إعلام أميركية الحكاية بصورة مثيرة للقلق عن «سياح أميركيين محتجزين» في مدن منتجعية مكسيكية نتيجة الاضطرابات.

بعد منشوره الحماسي الأول عاد لانداو إلى X وأضاف «ملاحظة: أتابع مشاهد العنف في المكسيك بحزن وقلق شديدين»، ثم لخص الأمر قائلاً: «يجب ألا نفقد أعصابنا»، وأنهى تعليقَه بكلمات تشجيعية بالإسبانية: ¡Ánimo México!

لكن لا مجال للتفاؤل المبالغ فيه؛ لا يوجد في تاريخ العالم مثال واحد تقريباً يُثبت أن قتل زعيم كارتل واحداً أنهى ظاهرة الاتجار بالمخدرات أو أعاد الاستقرار. تذكّروا باِختصار قضية بابلو إسكوبار وزعيم كارتل ميديلين، الذي قُتل عام 1993 بجهود كبيرة من جانب إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA). رغم غيابه استمر الاتجار الدولي بالمخدرات بلا هوادة، وفجّر العقدان التاليان مستويات مروعة من العنف في كولومبيا —وكثير منها ارتكبته قوى أمنية الدولة المدعومة بقوة من واشنطن.

يقرأ  ريال مدريد يتخطى يوفنتوس بصعوبة في دوري أبطال أوروبا؛ ليفربول وأوسيمين يقدمان أداءً ناريًا

في حلقة لا تُنسى، ذُكِر أنّ عناصر من الجيش الكولومبي ذبحوا ما يُقدّر بعشرة آلاف مدني وتم تمرير الجثث على أنها «إرهابيون يساريون». وحتى اليوم تظل كولومبيا أكبر منتج عالمي للكوكايين.

يعني ذلك أن اعتبار وفاة إل مينشو «تطوراً عظيماً» للمكسيك أو لأي طرف آخر ضربٌ من الوَهْم المبالغ فيه.

اتصلت يوم الأحد بصديق مكسيكي من أهالي ولاية أوكساكا، مُناصِر للرئيسة كلوديا شينباوم، فدار بيننا الجدال المنتظر حول الحدث: في نظره كانت الحكومة تفعل «واجبها» في «حرب المخدرات» بالقضاء على إل مينشو، وأن الولايات المتحدة لم تكن ذات دور جوهري. لكن، مثل سلفتها ومرشدتها أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، أتقنت شينباوم فن تنفيذ أعمال القوى الأجنبية بينما تصور نفسها فاعلة بصيغة «سيادية» بل ومُتحدية للأسياد الإمبرياليين في الشمال.

طبعاً ليس لديها هامش واسع للمناورة، لا سيما بعد ما يُزعم من قيام واشنطن مؤخراً بعملية اختطاف للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ومع معرفة الجميع بأن ترامب لا يخضع لقواعد قانونية سواء كانت داخلية أو دولية. وربما رأت شينباوم أنه لا خيار أمامها سوى إرضاء الأميركيين مؤقتاً وتغذية حاجتهم للقصاص، لكن الثمن ستدفعه أوساط المكسيك بشدة.

مراجعة سريعة للتاريخ المكسيكي المعاصر تكشف ذلك بوضوح: منذ أن أطلق الرئيس فيليبي كالديرون حملته المكثفة ضد المخدرات عام 2006 بتوجيه أميركي، شهدت البلاد ارتفاعاً هائلاً في معدلات القتل والاختفاء القسري. لقد قُتل واختفى أكثر من نصف مليون شخص منذ ذلك الحين، كثيرون منهم ضحايا لعملاء دولة عسكريين يتعاونون في أغلب الأحيان مع الجريمة المنظمة.

لم تُحدث تلك السياسات أي ثغرة تُذكر في تيار المخدرات المتجه شمالاً، بينما يستمر تدفّق الأسلحة المصنعة في الولايات المتحدة إلى الجنوب بلا انقطاع. ولاية خاليسكو تسجل أعلى عدد من حالات الاختفاء القسري في المكسيك؛ وكانت من عناوين الأخبار العام الماضي بعد اكتشاف محرقة سرية في مزرعة قرب غوادالاخارا، إحدى مدن استضافة كأس العالم المرتقبة. تقول التقارير إن المزرعة استُخدمت كمركز تجنيد وتدريب وموقع إبادة من قبل CJNG.

يقرأ  اليوم الذي أقدم فيه مستوطنون إسرائيليون على قتل شابين بوحشية في الضفة الغربية تقرير تفاعلي

إقصاء إل مينشو لن يغيّر كثيراً في المشهد، تماماً كما أن تسليم زعماء سينالوا إلى الولايات المتحدة —خواكين «إل تشابو» غوزمان وإسماعيل «إل مايو» زامبادا— لم يؤدِّ إلى تهدئة، بل أشعل صراعاً عنيفاً مستمراً على السلطة.

على عكس الشعارات البراقة التي يطلقها مسؤولو واشنطن، الإمبراطورية ليست مهتمة فعلاً بالقضاء على الاتجار بالمخدرات أو على العنف جنوب الحدود؛ فهذان الظاهرتان يوفّران دائماً ذريعة دائمة للتدخل الأميركي في المكسيك وما بعدها.

لو كانت النية جدية فعلاً، لفعلت أميركا شيئاً بسيطاً وفعّالاً: تقنين المخدرات سيقلّص ربحية السوق ويضرب الأعمال من جذورها، وفرض حظر على صناعة السلاح الأميركي أو تشديده سيقلل تدفّق الأسلحة إلى الجنوب. لكن لا شيء من شاكلة هذه الحلول يبدو في الأفق؛ ولو كان كذلك لكانت تلك حقاً «تطوّراً عظيماً».

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن قناعات كاتبه الشخصية ولا تمثّل بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق