يوليسيس جنكينز، رسَّام جداري ومؤدٍّ وفنان رائد في مجالات الفيديو، توفي عن عمرٍ يناهز الثمانين. وأكد متحف هامر في لوس أنجللوس — مسقط رأسه وشريكه الأول في رحلة مستمرة من البحث في الإمكانيات الموصِّلة والمدمِّرة لوسائل الإعلام الجماهيرية — خبر وفاته.
نظّم المتحف معرضًا استعاديًا لأعماله عام 2022 بعنوان «بدون تفسيركم»، ونشر في تأبينه على منصات التواصل الاجتماعي وصفًا له بأنه «جريوت فيديو حقيقي لمست اعماله وروحه الكثيرين». وأوضح البيان أن أعضاء من مجتمع لوس أنجلوس يشرعون في تنظيم مراسم تأبينية، وسيُعلن عن تفاصيلها لاحقًا.
مقالات ذات صلة
ولد جنكينز في لوس أنجلوس عام 1946، ونشأ في حقبة تكنولوجية متسارعة: حين كان فتىً أصبح التلفزيون سلعة منزلية — «هوسي بالفيديو قد بدأ»، كما روى ذات مرة — وبعد أعوام ركب مترو لوس أنجلوس الجديد. في حديثه مع متحف هامر بمناسبة المعرض الاستعادي وصف افتتانه المبكّر بالتلفزيون بكونه مدفوعًا بمعجزة رؤية السود على الشاشة: «كان ذلك حدثًا كبيرًا».
لكن التلفزيون لم يغبْ دائمًا عن كونه عدوًا. عبر هذا النفاذ الجديد إلى وسائل الإعلام الجماهيرية أدرك كيف تُغلف بيئته وتُبث للعالم كمختبر قابِل للاشتعال من الفوارق الطبقية والعنصرية والنمطية الجنسانية، مفصولة باسم الأمن. وفي عام 1961 نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز عنوانًا مشينًا هو «الغزاة من الداخل يترصدون ضواحي لوس أنجلوس» — صياغة عبرت عنها الصحيفة بالاعتذار بعد عقود.
شاهد أيضًا ترويج مصطلح «الغيتو» لوصف أحياء لوس أنجلوس التي تقطنها أغلبية سوداء. حتى أصبح المصطلح جزءًا من الثقافة الأميركية إلى درجة أن مشاهدة لقطات أرشيفية لجيران جنكينز وهم يتلقون ذلك التوصيف بصدمةٍ مؤلمة تبدو صادمة جدًا.
في حديثه عام 2022 تذكر أنه حمل كاميرا فيديو إلى مهرجان واتس عام 1972، أحد أقدم وأطول الاحتفالات العامة بالثقافة والوحدة السوداء في البلاد، بهدفٍ رئيسي هو «تقديم وجهة نظر مضادة» لصورة المكان السائدة على أنه موقع «تتعرض فيه الناس لمضايقات العصابات». المهرجان يُحيي ما يُعرف أحيانًا بأحداث ثورة أو اضطرابات واتس لعام 1965، انفجار العنف في حي واتس نتيجةً لوحشية الشرطة والعنصرية النظامية. وكانت التغطية الإعلامية قد حذّرت الزائرين من احتمال وقوع اضطرابات.
على العكس، وثّق جنكينز احتفالًا سلميًا. في لقطةٍ واحدة يصرح ساكن من حي لاتيني بنسبة كبيرة: «لدينا هنا ناس من جميع الأعراق. يمكن أن تكون هذه أمريكا إذا تمسّكنا ببعضنا.» من خلال عدسته تحول الجيران السود والبُنِيُّون — الذين طالما كانوا أهدافًا لمراقبة الحكومة — إلى مراقبين ومُقيّمين، يتصوّرون مستقبلاً من إنتاجهم الخاص.
قادت رحلاته إلى هاواي وسان فرانسيسكو، لكن لوس أنجلوس ظلّت مركز مداره. بعد تخرجه من مدرسة هاملتون الثانوية عام 1961 التحق بجامعة ساوثرن في باتون روج متخصّصًا في الرسم والتصوير. عاد إلى لوس أنجلوس عام 1969 وبدأ بعرض اعماله في كنيسة سانت بول الكاثوليكية. من 1970 إلى 1972 عمل في إدارة المراقبة المقاطعية بلوس أنجلوس، حيث قاد برامج العلاج بالفن لشبابٍ نفسييّين غير منحرفين.
يوليسيس جنكينز: بدون تفسيركم — عرض تركيبي. متحف هامر، لوس أنجلوس، 6 فبراير–15 مايو 2022. تصوير: جيف ماكلين.
انتقل جنكينز في 1972 إلى شاطئ فينيس حيث شرع في أحد أعظم مشروعاته الحياتية: الجداريات. متأثرًا بفريق الفنون الجميلة في لوس أنجلوس، رسم جداريته الأولى على الكورنيش عند زاوية شارع روز وممشى أوشن فرونت. ثم أنجز أعمالًا منها «فخ الجرذان» و«النقل جلب الفن إلى الناس».
في عام 1977 انضم إلى جودي باكا ومع عشرات من الباحثين والفنانين وأفراد المجتمع ليشارك في رسم السور العظيم للوس أنجلوس. يمتد نحو نصف ميل على طول مجرى تويخونغا — من شارع بيربانك إلى شارع أوكسنارد — وهو أطول جدارية في الولايات المتحدة وتسعى إلى سرد تاريخٍ مغاير لآلاف السنين من سكان الأرض التي تُعرف اليوم بجنوب كاليفورنيا.
وفي ذات حي فينيس اكتشف أيضًا أداة أخرى — التي أصبحت أقوى أدواته: كاميرا فيديو محمولة. «كنت مهتمًا بالفعل بالفيديو،» تذكر، في وقت ازدهر فيه الفيلم المستقل من حوله. أسس قريبًا تجمع الإعلام Video Venice News وشرع في إنتاج أفلام وثائقية في أنحاء جنوب كاليفورنيا.
كان تحوّله نحو فن الأداء قرارًا مدروسًا: «كنت بحاجة إلى أن أفعل شيئًا أكثر أداءً ليعلموا أنني أستطيع التحرك في هذا الاتجاه.» في 1977 التحق بمعهد أوتيس للفنون لدراسة الفيديو ونال درجة الماجستير في الفنون عام 1979. استذكر ورشة كانت لافتة: عرض فيها شريطًا يظهر فيه هو وحده بلا كلام، مجرد وجود، فانفجر زملاؤه بالضحك.
«وكنت أفكر، لم أفعل شيئًا مضحكًا،» قال. «حينئذٍ أدركت أن هناك شيئًا متأصلًا في فكرة رؤية الأميركيين الأفارقة على الفيديو يرتبط بالكوميديا.» حقق في هذه الفكرة في اعماله بشكل متقطّع ليجعل الناس يتساءلون: «لماذا تضحكون؟»
في أول عمل فيديو مكتمل له، العمل المحوري «كتلة من الصور» (1977)، فَتَح جنكينز السؤال على مصراعيه فكشَف عِظامَه الفاسدة. يسمع المشاهد أنفاسه المجهدة قبل أن يراه ينهض من خلف ثلاث تلفزيونات ميتة، ووشاحٌ بنقشة العلم الأميركي مُحكَمٌ حول عنقه. تتلاطم على الشاشة، بصورة متسارعة، صور الكلان والشنق ومشاهد الـ«بلاك فيس»، فتعود إليه وهي تتزامن مع زفرة تصدر مع وقع مطرقة هائلة.
يتسلّل بين شاشات التلفاز وهو يرتّل: «سنون وسنون من البرامج… أنت مجرّد كتلة من الصور التي ألفتها». مخاطباً المتلقّي والمؤدّي معاً، يقول: «الشيء المؤلم… الألم الخفي… كُتب وعضَّ في عروقك…» ثم يعلو صوته يأسًا: «لا أريد ولا أستطيع أن أتبنّى ذلك… لكن بالنسبة الى بعض الناس… أظنّ أنّ الأوان قد فات».
واعٍ بإمكانات العمل المدمّرة، سعى جنكنز إلى تحرير مجتمعه من تشوّهات التأويل. فيلمه المصحوب بمقطوعة موسيقية، Vulnerable، يتتبع شاباً أسود يركب مترو لوس أنجلوس الذي افتُتح حديثاً؛ يومض مسدّس على الشاشة ويتشوّه تصويره، بينما يبدو البطل الأسود وراكب آخر—رجل أبيض ببدلة—كأنهما يذوبان في بعضهما، يتبادلان انطباعات مشحونة بالتهديد.
أُهدي الفيديو لاحقًا إلى تريفون مارتن، المراهق الأسود الذي قُتل برصاصة على يد رجل أبيض؛ وقد عالجته وسائل الإعلام على نطاق واسع كمحاكمة أخلاقية انتهت، بحسب الرواية السائدة، بخسارته. وصف جنكنز العمل بأنه «دراما نفسية عن كيف ينظر الناس إلى بعضهم بعضاً ويحملون الشكوك نحو بعضهم».
نال ثلاث زمالات فردية من المؤسسة الوطنية للفنون، وفاز بالمركز الأوّل في فئة الفيديو التجريبي في جوائز قاعة مشاهير صُنّاع الأفلام السود عامَي 1990 و1992. وبصفته المخرج الفني لـOthervisions Studio، وهي مجموعة إنتاج متعددة التخصصات في مجال الإعلام والفنون، حصل على منحة من مجلس فنون كاليفورنيا لدعم المشاريع متعددة الثقافات. كما شغل منصب أستاذ مشارك في فنون الاستوديو بجامعة كاليفورنيا في إيرفين.
سيُحدَّث المقال قريبًا ليشمل تأبّنات وذكريات من رفاقه ومعارفه.