عدن — بين بهجة رمضان وصرخة الرصاص
أبو أمجد خرج الأسبوع الماضي مع طفليه أخيرًا لشراء ملابس العيد، تقليد رمضاني ثمين في اليمن. الرجل في الخامسة والثلاثين من عمره ومعلمٌ، وكان قد تسلّم للتو الرااتب الشهرية، دفعة اعتبرها سكان عدن علامة على تحسّن الأوضاع المحلية. الرواتب تمولها المملكة العربية السعودية كدعم للحكومة اليمنية التي عادت إلى المدينة بعدما انهارت قوات الانفصال.
لم تدم بهجة العائلة طويلًا. بينما كان عمجد (10 أعوام) ومونة (7 أعوام) يجربان الملابس، تلاه صوت رصاص مفاجئ فأصابت الصدمة المتسوقين. تمسّك الأطفال بأبيهم طالبين الرحيل. على بعد نحو ثلاثة كيلومترات، فتحت قوات الأمن النار على متظاهرين حاولوا اقتحام بوابات قصر المعاشيق، مقرّ الحكومة اليمنية الذي عاد إليه بعض الوزراء بعد قدومهم من الرياض قبل أيام. صوت الرصاص قطع الفرح وذكّر الجميع بأن الهدوء هشّ.
«تتبدد فرحتك حين ترى إنسانًا ينزف، وتُسرق منك الطمأنينة عندما يسمع المرء رصاصًا متواصلًا»، قال أبو أمجد للصحفيين، معبّرًا عن القلق الذي ينخرط مع أي مؤشرات عن تصعيد. بعد سنوات من العمل من خارج البلاد، تقضي الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا مدعومةً من السعودية رمضان هذه المرة في عدن، وإلى جانب ذلك ظهرت تحسينات ملموسة في الخدمات الأساسية، لكن تلك المكاسب طغت عليها المواجهة الدامية التي أفضت إلى سقوط قتيل على الأقل.
انتصاب الحكومة
قال رئيس الوزراء الجديد شايع الزنداني إن استتباب الأمن في عدن والمناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة يعدّ من أولوياتها الرئيسية. الحكومة اليمنية الآن في أقوى مراحلها منذ سنوات؛ لقد كان تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي في الجزء الشرقي من البلاد نهاية العام الماضي خطوة اعتبرتها الإمارات والجهات المدعومة منها مبالغًا فيها، إلى حد أن الرياض اعتبرت التحرك تجاوزًا لخطوط حمراء فدعمت الحكومة عسكريًا ما مكّنها من استعادة أراضٍ كانت بعيدة عن سيطرتها لسنوات.
تركّز السعودية والحكومة الآن على تحسين الأحوال في المحافظات الجنوبية والشرقية من أجل كسب مزيد من التأييد الشعبي، وهو ما قد يضعف شعبية كلّ من المجلس الانتقالي والحوثيين الذين يسيطرون على شمال غرب البلاد بما في ذلك صنعاء منذ اندلاع الحرب في 2014.
مدينة أضاءت وأسواق اكتظّت
عبدالرحمن منصور سائق باص ومقيم في خور مكسر يقول إن رمضان هذا العام مختلف: «عندما أرى الأنوار والأسواق المزدحمة في ليالي رمضان بعدن، أشعر وكأن المدينة تبدو بوجهٍ آخر. التحسّن واضح». أبرز اختلافًا عمليًا هذا الموسم هو انتظام التيار الكهربائي: «هذا يعيدني إلى زمن ما قبل الحرب، كنا نعتبر تلك الخدمة أمرا مفروغا منه». وأضاف أن الحركة الليلية تنعش المدينة وتساعد التجار الصغار على الاستمرار خلال رمضان.
قال وزير الكهرباء عدنان الكاف إن الجهود لتحسين الخدمة في عدن والمحافظات الأخرى مستمرة، مشيرًا إلى أن الدعم السعودي ساهم في تحسن الخدمة خلال الشهرين الماضيين. واعتبر الباحث الاقتصادي وافيق صالح أن تحسّن مستويات المعيشة في عدن وجنوب اليمن عمومًا أصبح واضحًا، لا سيما بعد دفع الرواتب وتوفير خدمات أساسية كالماء والكهرباء. لكن صالح حذّر من أن هذا التحسّن لا يعود إلى إصلاحات اقتصادية داخلية بل لتمويل خارجي، ولذلك قد لا يكون مستدامًا. «لا بدّ من رؤية شاملة لتطوير تحصيل الإيرادات حتى تتمكن الحكومة من تنفيذ إصلاحات اقتصادية دائمة»، قال صالح.
بحث يومي عن غاز الطبخ
مع تحسن الكهرباء، بقيت خدمات أساسية أخرى مضغوطة، وخصوصًا غاز الطهي. البحث عن أسطوانة غاز أصبح عبئًا يوميًّا على الأسر، وتزايدت حدة الأزمة مع حلول رمضان. طوابير السيارات تنتظر لساعات عند محطات التوزيع، والسكان يحملون أسطوانات فارغة أملاً في الحصول على بضعة لترات.
«التنقّل من محطة إلى أخرى بحثًا عن غاز أثناء الصيام مرهق للغاية»، يقول فواز أحمد من خور مكسر. يصف فواز نقص الغاز بأنه سبب للجوع لدى بعض العائلات: في قريته يمكن الاعتماد على الحطب، لكن في المدينة هذا غير ممكن، وإن وُجد الحطب في الأسواق فأسعاره باهظة. موزعو الغاز يؤكدون أن الكميات المورّدة إليهم غير كافية، وأن الإمدادات تصل من محافظة مأرب شمالًا.
توتر مستمر وخريطة غير مستقرة
نقص غاز الطهي يظهر أن الطريق أمام الحكومة في عدن لن يكون سهلاً، وأن المعارضين قد يستغلون أي إخفاقات لتأجيج الاحتقان الشعبي. ماجد الداري، رئيس تحرير موقع مرقِبون برس، وصف الوضع في عدن بأنه «مقلق للغاية». «ما حدث للمتظاهرين في بداية رمضان يبرز هشاشة الوضع السياسي والأمني. التوترات مرشحة للاستمرار»، قال الداري، متوقعًا أن يواصل المجلس الانتقالي تعبئة أنصاره ضد الحكومة. انّ المأزق أمام السلطة الجديدة يظل معقّدًا، وتستدعي الفترة المقبلة حلولًا سياسية واقتصادية سريعة لاحتواء الاحتقان وإسكات أصوات الرصاص. أضاف الداري أن هذه آخر ورقة ستُستخدم لاستعادة مصالحها السياسية المفقودة.
قال المجلس الانتقالي في بيان الأسبوع الماضي إن المداهمات والاعتقالات التعسفية استهدفت أشخاصاً شاركوا في الاحتجاجات الأخيرة، وأوضح البيان أن هذه الاعتداءات لن تؤدي إلا إلى تعزيز إصرار الانفصاليين الجنؤبيين.
أما أبو أمجد، فيرى أن التظاهرات في عدن تفسح المجال للفوضى، وهو يَستنكر ذلك.
“على الأقل، ليُمرّ رمضآن من دون احتجاجات. على الفاعلين السياسيين أن يعفونا هذا الشهر كي نتمكن من الصيام ومشاركة بعض الفرح مع أطفالنا”، هكذا قال.