أثينا، اليونان — حذرت إيران القادة الأوروبيين من الانضمام إلى حرب الولايات المتحده وإسرائيل التي زعزعت الاستقرار في الشرق الأوسط وأثّرت سلباً على اقتصادات العالم.
رغم توافق بعض الدول الأوروبية في إدانة الضربات الانتقامية الإيرانية التي استهدفت غير المقاتلين في الخليج، بدت مواقفها متباينة وغير متسقة تجاه العمل الأميركي-الإسرائيلي الذي أثار تلك الردود.
اللافت أن قرب إيران من روسيا — التي تندد وتتصدى لها معظم دول الاتحاد الأوروبي بسبب حربها في أوكرانيا — وظهور تقارير أفادت بأن هوائيّاً روسياً استُخدم في طائرة مسيّرة ضربت قبرص العضو في الاتحاد الأوروبي لم يخفّضا من تماسك الموقف الأوروبي تجاه روسيا بما يكفي ليُطبّقا على إيران بنفس الدرجة.
ثمة قطبيْن متقابلين في المواقف. إسبانيا طردت طائرات عسكرية أميركية من قواعدها، ما أثار استنكاراً حادّاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي هدّد يوم الثلاثاء بـ«قطع كل التجارة» مع مدريد. من جهتها قررت ألمانيا تأييد الأهداف الأميركية.
بين هذين القطبين، سمحت المملكة المتحدة باستخدام قاعدتها في أكروتيري بقبرص من قبل طائرات أميركية لأغراض دفاعية محضة.
«نظام الملالي نظام إرهابي مسؤول عن عقود من القمع للشعب الإيراني»، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس يوم الأحد، قبل يومين من لقائه مع ترامب في البيت الأبيض. «نحن نتشارك مع الولايات المتحدة وإسرائيل الرغبة في إنهاء إرهاب هذا النظام وبرامجه النووية والصاروخية الخطيرة».
موقف ألمانيا الآن يخرق التحالف التقليدي مع الشريكين الأوروبيين الآخرين، المملكة المتحدة وفرنسا، اللذين دعما سابقاً المفاوضات مع طهران حتى بعد انسحاب ترامب الأحادي من الاتفاق النووي عام 2015، الإنجاز الدبلوماسي البارز للرئيس الأسبق باراك أوباما، والذي رفع عقوبات عن إيران مقابل رقابة على برنامجها النووي.
وصف خوسيه-إغناسيو تورّيبْلانكا، زميل بارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، موقف إسبانيا بأنه موقف مبدئي.
قال تورّيبْلانكا للجزيرة إن «الحكومة الإسبانية كانت تطالب باستمرار باحترام القانون الدولي في أوكرانيا وقطاع غزة، والآن بشأن إيران»، في إشارة إلى حرب روسيا في أوكرانيا، وتجاهل إسرائيل للقانون الإنساني في غزة، والضربات على إيران التي لم تُخوّلها قرارات مجلس الأمن.
وأشار تورّيبْلانكا إلى أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز «صرّح بوضوح أن هذه العملية العسكرية لا تغطيها القوانين الدولية»، وفي المقابل لم يُصرّح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البداية بالسماح باستخدام قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي لكنه أصبح لاحقاً داعماً للضربات، «بينما تُبقي إسبانيا على تناسق موقفها».
دييغو غارسيا، موطِن قاعدة عسكرية مشتركة بريطانية-أميركية، هي إحدى جزر أرخبيل تشاغوس. واعترف ستارمر الشهر الماضي بأن جزر تشاغوس يجب أن تكون إقليماً موريشيوسياً ذا سيادة بموجب القانون الدولي.
وقال ستارمر إن استخدام قاعدة أكروتيري كان دفاعياً بحتاً.
«الطريقة الوحيدة لوقف التهديد هي تدمير الصواريخ عند مصدرها، في مخازنها أو في منصات الإطلاق المستخدمة لإطلاقها. الولايات المتحدة طلبت إذناً لاستخدام قواعد بريطانية لهذا الغرض الدفاعي المحدّد»، قال ستارمر. «اتخذنا قرار قبول هذا الطلب لمنع إيران من إطلاق صواريخ عبر المنطقة… وهذا يتوافق مع القانون الدولي… نحن لا ننضم إلى هذه الغارات، لكننا سنستمر في إجراءاتنا الدفاعية في المنطقة».
هل يمكن لأوروبا تفعيل المادة 5 في حلف الناتو للدفاع الجماعي؟
أوكرانيا، التي دُعيت في ديسمبر 2024 لتصبح عضواً مستقبلياً في الاتحاد الأوروبي، ذهبت أبعد من ذلك وأثنت على القضاء على مورد روسيا للطائرات المسيّرة من طراز شاهد، التي أسقطت منها نحو 44,700 خلال العام الماضي فوق مدنها، وتخطط أيضاً للمساهمة في جهود إسقاطها.
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حاولت مجدداً إرساء إجماع أوروبي على أساس التفاوض. دعت إلى الاحتواء، وخفض التصعيد، «انتقالاً معقولاً لإيران، ووقفاً نهائياً للبرامج النووية والصاروخية، ووضع حدّاً للأنشطة المزعزعة للاستقرار في المنطقة».
الأوروبيون بدأوا يتجهون تدريجياً نحو فكرة العمل الدفاعي.
أرسلت الحكومة اليونانية يوم الاثنين أربع طائرات مقاتلة من طراز إف-16 فايبر وفرقاطتين للمساعدة في حماية قبرص من احتمال وقوع هجمات مسيّرة إضافية.
الخطوة جريئة. إحدى الفرقاطات، «كيمون»، هي الأولى من سلسلة بيلارا الأربع الجديدة لليونان، وتسلمت من أحواض بناء السفن الفرنسية في ديسمبر الماضي فقط. لم تُنجز بعد تدريبات طواقمها، وهي عملية يُقدَّر أنها تستغرق عامين، ولم تُدشّن رسمياً في البحرية الهلنّية.
ومع ذلك تُرسل إلى المسرح بوجود طاقم لم يتكامل بعد لأنها تحمل رادار وسيستم الاستهداف الحديث «سي فاير» القادر على مسح وتحديد الأهداف المعادية عبر مساحة تزيد على 25,000 كيلومتر مربع، وتمرير إحداثيات الضرب إلى طائرات الفايبر.
أعلنت فرنسا يوم الثلاثاء أنها ستنضم إلى الجهود بإرسال أنظمة مضادة للصواريخ والمسيّرات إلى قبرص، تلتها بريطانيا بإعلانها إرسال فرقاطة للدفاع عن قاعدتها هناك.
أهمية هذه العمليات تتصاعد مع انسحاب الولايات المتحدة تدريجياً من أوروبا، ومع سعي القارة للوفاء بمسؤوليتها في الدفاع عن ذاتها. قال خبراء إن الاستعدادات الأوروبية يجب أن تشمل ليس فقط إعادة التسليح، بل كذلك الخيارات القانونية للدفاع المتبادل خارج مظلة الناتو.
«قبرص عضو في الاتحاد الأوروبي لكنها ليست عضواً في الناتو، لذا لا يمكنها تفعيل المادة 5 من معاهدة الناتو للدفاع الجماعي»، قالت إلينا لازارو، المديرة العامة للمؤسسة الهلّينية للسياسة الأوروبية والخارجية.
«ما يمكنهم تفعيله هو المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، والتي لم يفعلوها بعد»، أضافت لازارو للجزيرة. عاد هذا البند إلى دائرة الضوء مجدداً بعد دعوة فونديرلاين أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى دعم التقدّم نحو اتحاد دفاعي أوروبي.
«ما نراه الآن في أوروبا هو وجود عدد كبير من التحالفات الدفاعية الثنائية ومتعددة الأطراف، لكن المادة 42.7 ينبغي أن تُحدَّد بدقة أكبر من حيث التهديدات التي تتناولها ومستوى التزام الدول الأعضاء بتقديم المساعدة إذا ما تم تفعيلها»، قالت.
«أعتقد أن الوقت قد حان لإحياء بند الدفاع المتبادل في أوروبا»، قالت فونديرلاين في مؤتمر ميونيخ للأمن الشهر الماضي. «الدفاع المتبادل ليس خيارا بالنسبة للاتحاد الأوروبي؛ إنه التزام منصوص عليه في معاهدتنا.»