خان يونس — على حافة البحر
على سطح البحر الأزرق المتموج قبالة ميناء خان يونس، تجد قاربين صغيرين متداعيين يخرجان بحرا نحو ما يقرب من ٢٠٠ متراً. وعلى الشاطئ، كان داوود سِهْويل، صياد فلسطيني في الثانية والسبعين من عمره، يفحص شباكاً ممزقة وعيناه تتبّع موجات البحر كما لو أنه يقرأ فيها لغة لا يفهمها سواه.
مهجَّرٌ من رفح إلى الجنوب في أيار/مايو ٢٠٢٤ نتيجة الحرب الإسرائيلية التي توصف بالإبادة الجماعية من قبل بعض الجهات، صار سِهْويل يأتي يومياً إلى مصبّ الماء ليس للصيد وحده، بل للهروب، وللتأمل، وللاستذكار.
«الإحساس لا يشيخ»، قالها وهو يلمع في عينيه بريق يتحدّى سنّه. «تأتي لترى أيّ عجائب قد يخفيها البحر لك بعد.»
«كنا دائماً مكبّلين»، أضاف بصوت خافت. «لكن كانت هناك فترات أقل حدة من غيرها.»
حتى قبل تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، حين بدأت الحرب الشاملة على غزة، كان صيادو القطاع يعملون تحت قيودٍ مشدّدة تفرضها إسرائيل. حدّدَت مناطق الصيد مراراً، وحدودٌ بحريةُ متفقاً عليها منذ اتفاقات أوسلو عام ١٩٩٣ نادراً ما تُطبّق عملياً. المسافات المسموح بها للصيادين كانت تتغير دائماً، وغالباً ما تقلّ دون إنذار.
«بعد كل عدوان إسرائيلي، كنا نحن من يتحمل النتائج»، يوضح سِهْويل. «كان من المفترض أن نبحر أبعد، لكن الاحتلال كان يدفعنا للخلف.»
السيطرة على البحر
لو كان قطاع ساحلي؛ لكان البحر مصدراً للثروة والاستقرار والغذاء الطازج. لكنه تحت الحصار الإسرائيلي الذي يتحكم بالأرض والجو والبحر منذ عام ٢٠٠٧، تحوّل إلى وسيلة أخرى للسيطرة والاضطهاد.
كان سِهْويل يملك سابقاً مشروع توزيع حجارة، لكنه أُجبر على إغلاقه بعد تشديد الحصار في ٢٠٠٧، فالتفت إلى الصيد الذي تعلّمه طفلاً وظنّ أنه تركه إلى الأبد.
«مهنتنا كانت قوام يومنا»، قال. «كنت إذا عملت وحظّك جيد، تبيع صيدك وتطعم عائلتك. وإن حظيت بحظّ أكبر تحفظ قليلاً لأبناءه.»
لكن خلال أيام معدودة بعد بدء الحرب، تغيّر كل شيء. دُمّر ميناء غزة بضربات جوية إسرائيلية. كما تعرّضت مرافق الصيد لقصفٍ من الشمال إلى الجنوب. احترقت قوارب أو غرقت؛ وانهار القطاع تقريباً بين ليلة وضحاها.
«صيادو رفح كان لديهم ستة قاطرات صيد كبيرة»، تذكر سِهْويل. «كُلّها تعرّضت للقصف والاحتراق. حاولت أن أحافظ على قاربي الصغير وشباكي لأطول فترة، لكن الاحتلال دمّرها قبل أيام من تهجيرنا في مايو ٢٠٢٤.»
في ميناء خان يونس تبدو الآثار مُشابهة؛ فقد تحوّل المرسى إلى موقع نزوح مزدحم. القوارب المحطّمة أو المحروقة لم تعد سفناً بل أعمدة خيام تُربط بحبال لتثبيت المأوى الهشّ.
هيكل صدئ لقاطرة يتخلّف من الرمال حيث يلعب الأطفال المهجّرون. لكن حتى في الخراب، يبدع الصيادون في التكيّف.
«ما نفعله الآن هو أن نحاول ألا نموت»، قال سِهْويل. «نستلف أدوات. البعض يحوّل قطع ثلاجات إلى ألواح عائمة. لا محركات لدينا، فقط المجذاف. نستخدم ما تبقى.»
ارتباطه بالبحر، كونه من قرية جورة عسقلان الساحلية التي تهجّر سكانها عام ١٩٤٨، يمتد عبر أجيال. «الرابطة قوية»، قال. «منزلي في رفح كان قريباً من الشاطئ. حتى في التشريد البحر يلازمني، لكن أبنائي وعائلاتهم تشتتوا في مخيمات النزوح.»
لا أمان
الدمار المادي كان جزءاً من الثمن الذي دفعه صيادو غزة. بحسب نقابة الصيادين في غزة، قُتل ما لا يقل عن ٢٣٨ صياداً على يد إسرائيل منذ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، سواء في البحر أو على الأرض، ضمن أكثر من ٧٢ ألف فلسطيني قتلوا في الحملة.
كان القطاع يضم أكثر من ٥٠٠٠ صياد يؤمّنون لقمة العيش لأكثر من ٥٠٠٠٠ من أفراد العائلات، والإنتهاكات الإسرائيلية استمرت حتى بعد وقف إطلاق النار المعلن في تشرين الأول، مع تقارير عن أكثر من ٢٠ صياداً قُتلوا أو اعتقلوا.
«البحر مغلق عملياً»، قال زكريا باكر، رئيس نقابة الصيادين في غزة، في مقابلة حديثة. وشرح أن بعض الصيادين لا يغامرون بالانطلاق أكثر من ٨٠٠ متراً عن الشاطئ في قوارب صغيرة، لأنه لا تزال هناك حالة من الضبابية حول المسافة المسموح بها.
واقفاً على الشاطئ، أشار سِهْويل نحو زورق بحري إسرائيلي. «هم هناك دائماً»، قال. «لا توجد موافقة رسمية لنا. ندخل على مسؤوليتنا. أبعد مدى نستطيع الوصول إليه نحو ٨٠٠ متر، وحتى ذلك يعتمد على مزاجهم.»
روى ملاحقات فجائية من البحرية الإسرائيلية: قوارب تُطْلق عليها النار أو تُغرق، صيادون يُعتقلون.
«هم يرون بوضوح ما نفعل»، أضاف. «لكن الأمر يتوقف على مزاج الجندي إن كان يسمح لك بالصيد أو يقرر إطلاق النار عليك وقتلك.»
«إسرائيل قتلت الصيد في غزة»، قال سِهْويل متأوهاً. «ما نفعله الآن ليس صيداً حقيقياً. إنه المخاطرة بحياتك على أمل أن تعود بسمكتين أو واحدة إلى خيمتك.»
مصدر حرج للغذاء
قبل الحرب، كان قطاع الصيد يلعب دوراً حيوياً في الأمن الغذائي والتخفيف من الفقر. بحسب الأمم المتحدة، بنهاية ٢٠٢٤ كان القطاع يعمل بأقل من ٧.٣٪ من قدرته الإنتاجية ما قبل تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، وقدّرت الأمم المتحدة أن ٧٢٪ من أسطول الصيد في غزة تضرّر أو دُمّر.
الانهيار أثر بشدة على توفر الغذاء ومصادر الدخل والمرونة المجتمعية. تقليص الوصول للصيد إلى أقل من ميل بحري واحد (١.٨٥ كم) قلّص الكميات وتنوّع الأنواع بشكل دراماتيكي.
«كلما ذهبنا غرباً أكثر كنا نجد أنواعاً أكثر»، شرح سِهْويل. «الآن في المياه الضحلة تجد كميات محدودة ومعظمها من السردين الصغير الذي ينبغي تركه لينمو.» اضطرّ الناس إلى اقتناص كل ما وُجد تحت أيديهم.
أشهر من التجويع الاسرائيلية حوّلت مصادر البروتين الطازج إلى سلعة نادرة؛ لذا صار السمك امتيازًا استثنائيًا.
وحتى الآن، ومع التخفيف النسبي الذي جلبه «وقف إطلاق النار»، تبدو الأسماك في أسواق غزة على هيئة واردات مجمدة في الغالب، وغالبًا ما يبلغ سعرها أكثر مما كانت عليه الأسماك المحلية الطازجة قبل الإبادة الجماعية. والانهيار الاقتصادي الكارثي يعني أن كثيرًا من العائلات لا تستطيع تحمّل تكاليفها.
أكّد بيكر أن إعادة التأهيل والتعافي تتطلب أكثر من بيانات وقف إطلاق النار: «لم يُسمح حتى الآن بدخول المواد أو صرف التعويضات، والتقييدات الإسرائيلية لا تزال تمنع دخول المعدات. يحتاج الصيّادون إلى ظروف مستقرة وآمنة ليعودوا إلى عملهم دون الخوف من رصاص الإسرائيلي.»
وقال سهويل: «الصيادون ناس بسطاء من الفقرا؛ لا نريد سوى أن نعيش بكرامة ونؤمّن قوّة أسرنا. من شمال غزة إلى جنوبها، كلّنا بحاجة إلى دعم ليصطاد الناس أخيرًا كما نستحق.»