فشل تكتيك الصبر الاستراتيجي لإيران والقادم قد يكون أعنف — حرب أميركية‑إسرائيلية على طهران

لسنواتٍ اعتقد قادة إيران أن الزمن يجري لصالحهم.

بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لعام 2015 المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة، تبنّت طهران عملاً نهجاً صار يُوصف لاحقاً بـ«الصبر الاستراتيجي». بدل التصعيد الفوري، اختارت السّلطة الإيرانية تحمّل الضغوط الاقتصادية وانتظار ما إذا كانت الدبلوماسية ستُعاد إلى الحياة.

كانت الفكرة بسيطة: في نهاية المطاف سيُدرك واشنطن أن المواجهة مع إيران لا تخدم مصالحها. اليوم تبدو تلك الفرضية محطّمة.

انهيار المسار الدبلوماسي وانفجار الحرب أجبر قادة طهران على مواجهة حقيقة مرّة: اعتقادهم بأن الولايات المتحدة ستتصرف بعقلانية في النهاية قد يكون كان خطأً جسيمًا.

إذا تجاوزت إيران هذا الصراع، فقد تدفع الدروس المستقاة قادتها نحو السعي لردع نووي.

استراتيجية الانتظار

بعد انسحاب الإدارة الأميركية الأولى لترامب من الاتفاق وبدئها حملة «الضغط الأقصى» في 2018، تجنّبت طهران في البداية تصعيداً حاسماً. لقرابة عام ظلّت إلى حدّ كبير داخل حدود الاتفاق، آملةً أن يحافظ الموقعون الآخرون، لا سيما الأوروبيون، على الاتفاق ويوفّروا الفوائد الاقتصادية الموعودة رغم العقوبات الأميركية.

وعندما فشلت تلك الآمال، بدأت طهران تدريجياً في توسيع نشاطها النووي، بالرفع من التخصيب وتقليص الالتزام بنداً بنداً دون قطع حاسم للاتفاق.

تسارعت الوتيرة بعد أن أقرّ البرلمان المحافظ قانوناً يطالب بزيادة ملموسة في الأنشطة النووية في أعقاب اغتيال العالم النووي البارز محسن فخري‌زاده، وعزّز ذلك انتخاب إبراهيم رئيسي في 2021.

الهدف النهائي كان استعادة أوراق تفاوضية؛ إذ رأت طهران أن اتّجاهات جيوسياسية وإقليمية أوسع كانت تميل تدريجياً لصالحها: صعود الصين، وتزايد حدة الموقف الروسي، وتصدّع التحالف الغربي كلها عوامل قد تضعف قدرة واشنطن على عزل إيران إلى أجل غير مسمّى.

في الوقت نفسه سعت إيران لتقليص حدة التوتّر مع جيرانها، ومحاولة تحسين العلاقات مع دول الخليج التي دعمت في السابق حملة «الضغط الأقصى». وبحلول أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين بدأت دول مجلس التعاون تُعطِي أولوية للحوار والتهدئة مع إيران، تجلّى ذلك في تقريب سعودي-إيراني توسطت فيه الصين عام 2023.

يقرأ  قطر تطالب بردٍّ على إسرائيل إثر الضربة في الدوحة

في هذا السياق، وحتى مع تصاعد التوتّر، واصلت طهران المراهنة على الدبلوماسية. سنوات من المفاوضات مع إدارة بايدن استهدفت استعادة الاتفاق لم تؤدِ إلى تفاهم؛ ومحاولات لاحقة تحت إدارة ترامب الثانية أيضاً انهارت.

كان الافتراض الأساسى أن الولايات المتحدة تُفضّل الاستقرار على الحرب؛ أي أن واشنطن ستستنتج في نهاية المطاف أن الدبلوماسية، وليس الضغوط المستمرة أو حرب واسعة، هي الخيار الأعمق عقلانياً وأقل تكلفة. الهجوم المشترك الأميركي‑الإسرائيلي على إيران كشف الآن مدى هشاشة هذا الافتراض.

عودة الردع

بينما ارتكزت استراتيجية طهران على افتراضات خاطئة حول عقلانية السياسة الأميركية الخارجية، تُخطئ واشنطن أيضاً في قراءة المشهد.

من أنصار حملة الضغط الأقصى من كانوا يجادلون بأن الضغوط الاقتصادية والعسكرية المستمرة ستؤدي لاحقاً إلى تشقّقات داخلية في إيران، وتوقّع بعضهم أن الحرب ستُشعل اضطرابات واسعة وربما انهيار النظام.

حتى الآن لم تتحقّق تلك التنبؤات.

على الرغم من الضغوط الشديدة على المجتمع الإيراني، لم تظهر مؤشرات على تفكك نظام الحكم. بل إن القاعدة السياسية للنظام — وفي كثير من الحالات قطاعات أوسع من المجتمع — تجمّعت وتماسكت أمام اعتداء خارجي.

ولسنوات عملت إيران على تعزيز قدراتها الردعية: توسيع وتنوّع برامج الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة والطائرات المسيّرة، وتطوير وسائل إيصال متعددة قادرة على اختراق منظومات دفاع جوي متقدمة. استخلص المخططون الإيرانيون دروسًا من تبادلات مباشرة مع إسرائيل في 2024 ومن حرب يونيو 2025، محسنين دقّة الاستهداف والتنسيق بين الأنظمة الصاروخية والمسيّرة.

وانتقل التركيز إلى الاستعداد لحرب استنزاف طويلة: ضربات أقل عددًا لكن أكثر دقّة مع محاولة تآكل قدرات الرادار والدفاع الجوي لدى العدو.

نلمس الآن حصاد هذا العمل. إيران نجحت في إلحاق أضرار كبيرة بمنافسيها: هجمات انتقامية أودت بحياة سبعة أميركيين و11 إسرائيليًا، مما وضع ضغوطًا متزايدة على منظومات الدفاع الصاروخي الأميركية والإسرائيلية مع نفاد مقاذف الاعتراض تدريجيًا.

يقرأ  السؤال الجيد أم السؤال السيئ؟كيف يغيّر نوع السؤال مسار التفكير والتعلّم

وصلت ضربات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية إلى أهداف عبر المنطقة، شملت بنى تحتية عسكرية قيِّمة مثل محطات الرادار. وإغلاق مضيق هرمز هزّ أسواق الطاقة العالمية.

بخلاف الكلفة الهائلة للحرب، قد يكون قرار الولايات المتحدة بشنّ الهجوم على إيران له نتيجة غير مقصودة: تحوّل جذري في الاستراتيجية الإيرانية.

عقودٌ من الزمن شهدت على موقف المرشد الأعلى علي خامنئي الذي رفض امتلاك أسلحة نووية لأسباب دينية؛ لكن اغتياله في اليوم الأول من الحرب قد يدفع القيادة المدنية والعسكرية الجديدة لإعادة التفكير في الاستراتيجية النووية.

قد تتضاءل التحفّظات الأيديولوجية إزاء السعي إلى السلاح النووي. المنطق واضح: إذا لم تثمر الدبلوماسية عن رفع للعقوبات أو عن إزالة التهديد الحربي بشكل دائم، فقد يبدو الردع النووي الخيار الوحيد القابل للحياة.

تصرّفات إيران في هذا الصراع توحي بأن قادة كثيرين باتوا يرون الصبر والدبلوماسية أخطاء استراتيجية: من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة غير المسبوقة على امتداد المنطقة، إلى استهداف شركاء الولايات المتحدة وبنى تحتية حيوية، وقرارات داخلية تُظهِر مزيدًا من الصرامة، أبرزها تعيين مجتبى خامنئي كمرشد أعلى.

خيار ابن خامنئي يخترق تابو طويل في نظامٍ تأسّس على رفض الوراثة السياسية ويعبّر عن قيادة باتت أكثر استعدادًا للتخلي عن قيود سابقة.

إذا رسخت منطق الصفر‑مجموع للردع مكان الحوار كمنهج لترتيب الأمن الإقليمي، فقد يدخل الشرق الأوسط حقبة أكثر خطورة تُصبح فيها الأسلحة النووية ذروة الردع، ويصعب السيطرة على انتشار نووي.

الآراء الواردة هنا تعبّر عن قناعات كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق