تصاعدت التكهنات في الولايات المتحدة بشأن احتمال نشر جنود أمريكيين على الأرض داخل ايران، مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل يومها الثاني عشر الأربعاء.
سيناتور ديمقراطي بارز، ريتشارد بلومنثال، قال إنه كان أكثر غضباً في مسيرته السياسية بعد حضوره إحاطة سرية حول الحرب مع إيران أمام لجنة الشؤون العسكرية في مجلس الشيوخ الثلاثاء. وأضاف للصحفيين أنه خرج من الإحاطة “غير راضٍ وغاضب، بصراحة، كما لم أكن من أي إحاطة في خِلال خمس عشرة سنة من عملي”، معبراً عن أن لديه أسئلة أكثر من إجابات بشأن أهداف الولايات المتحدة.
كما أعرب الديمقراطيون عن إدانتهم للحرب على إيران، متهمين إدارة الرئيس دونالد ترامب الجمهوريّة بعدم تقديم مبررات كافية لشن الهجوم أصلاً أو لاستمرار الحرب، وقد واجهوا معارضة من الجمهوريين حين سعوا لفرض قيود على صلاحيات الرئيس في الذهاب للحرب دون موافقة الكونغرس.
سيناتور آخر من الحزب الديمقراطي، كريس ميرفي، الذي حضر الإحاطة أيضاً، كتب على منصة X أن المسؤولين زعموا أن الهدف هو تدمير الأصول العسكرية الإيرانية، لكنهم عجزوا عن تقديم خطة طويلة الأمد واضحة.
في بدء العمليات قال ترامب إن الهدف هو منع إيران من إنتاج أسلحة نووية، فيما تكرر طهران أن برنامجها النووي لأغراض مدنية فقط.
خبراء قالوا إن عملية برية ستكون “صعبة للغاية” في ظل المساحات الشاسعة والتضاريس الوعرة في ايران، لكنها ليست مستحيلة. وفيما يلي ما نعرفه عن احتمال نشر قوات أمريكية وما قد تبدو عليه مهمة من هذا النوع:
ماذا يقول المسؤولون الأمريكيون؟
الحكومه الأمريكية لم تؤكد ما إذا كان جنود أمريكيون سينشرون في إيران، لكنها لم تستبعد الاحتمال أيضاً.
وزير الدفاع بيت هيغسث صرح لشبكة سي بي إس هذا الأسبوع أن الولايات المتحدة “مستعدة للذهاب إلى ما يلزم” وأن واشنطن ستضمن ألا تتحقق طموحات إيران النووية. كما قالت سكرتيرة الصحافة بالبيت الأبيض كارولين ليفيت الأسبوع الماضي إن العمليات البرية “ليست جزءاً من الخطة الآن” لكن ترامب يترك الخيارات مفتوحة.
خطاب وزير الخارجية ماركو روبيو في إحاطة للكونغرس قدّم دلائل على سبب قد يجعل وجود قوة برية أمراً مطلوباً: قال إن الولايات المتحدة بحاجة إلى تأمين المواد النووية في إيران فعلياً. “على الناس أن يذهبوا ويحصلوا عليها”، قال روبيو من دون توضيح من سيقوم بذلك.
في الوقت نفسه تبلّغت تقارير أن ترامب تحدث مع جماعات كردية إيرانية معارضة مقرّها في العراق قرب الحدود مع ايران، وما نُشر يوحى بأن واشنطن قد تسعى لاستخدام قوات كردية مسلحة كقوة بالوكالة على الأرض.
الرأي العام في الولايات المتحدة كان معارضاً لمعظم نشر للقوات في إيران، وفق استطلاعات. حوالي 74 بالمئة من المشاركين — غالبيتهم يميلون سياسياً نحو اليسار — أعربوا عن معارضتهم، بحسب استطلاع جامعة كوينيبياك هذا الأسبوع. واستطلاع سريع عبر الرسائل النصية عند بدء الحرب أظهر أيضاً معارضة واسعة لدى من تواصل معهم صحيفة واشنطن بوست.
استطلاع رويترز-إبسوس الذي أجري خلال الساعات الأولى لبدء الحرب في 28 فبراير، أظهر أن 43 بالمئة من المشاركين أعربوا عن رفضهم للغزو و29 بالمئة كانوا غير متأكدين. واحد من كل أربعة فقط أعرب عن تأييد لهجمات الولايات المتحدة وإسرائيل.
تاريخ التدخلات الأمريكية مؤخراً
الولايات المتحدة خاضت عدة عمليات قتالية منذ نهاية الحرب الباردة. غزت واشنطن وحلفاؤها في الناتو أفغانستان في أكتوبر 2001 عقب هجمات 11 سبتمبر على نيويورك والبنتاغون، وكان الهدف طرد مقاتلي القاعدة والقبض على أسامة بن لادن. غزو أفغانستان مثل بداية حرب واحتلال دامَتا عشرين عاماً، راح ضحيتها ما بين 170 ألفاً و210 آلاف شخص، وشارك نحو 130 ألف جندي من قوات الناتو. عند الانسحاب النهائي عام 2021 كان لا يزال هناك نحو 2,500 جندي أمريكي متمركزين.
وبالمثل، غزت القوات الأمريكية وقوات حليفة العراق في مارس 2003 بدعوى تدمير “أسلحة دمار شامل” مزعومة وإسقاط حكم صدام حسين؛ ما أدّى إلى حربٍ خلفت ما بين 150 ألفاً ومليون قتيل. في بداية الحرب كان عدد القوات المشاركة نحو 295 ألفاً، وانسحب نحو 170,300 في نهاية العمليات في ديسمبر 2011.
مؤخراً ذكرت تقارير أن قوات خاصة أمريكية نفذت هجوماً على فنزويلا وخطفت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته؛ وخلال المهمة المحدودة في 3 يناير قصفت القوات الأمريكية دفاعات جوية فنزويلية قبل دخول وحدة برية إلى مجمع مادورو في كراكاس. قالت السلطات الفنزويلية إن ما لا يقل عن 23 من عناصر الأمن الفنزويليين قُتلوا، فيما ذكرت كوبا أن 32 من مواطنيها الذين شكلوا جزءاً من طاقم حماية مادورو قتلوا.
كيف قد تتطور عملية برية في إيران؟
إيران أكبر بأربع مرات من العراق وتتميّز بتضاريس جبلية صعبة. على خلاف غزو العراق، فإن مهمة تهدف إلى استرداد مواد نووية مادية في ايران من المرجَّح أن تكون محدودة ومحددة الأهداف بدقة، وتستدعي عدداً أقل بكثير من الجنود لتقليل المخاطر، وفق تحليلات.
من المرجح أن تشير الخطة إلى عمليات متخصّصة ومحدودة تشمل وحدات صغيرة تستهدف منشآت محددة، بدعم محتمل من قوى نشر سريع مثل الفرقة المحمولة جواً 82، حسبما قال توماس بوني جيمس، أستاذ في كلية AFG بقطر المرتبطة بجامعة أبردين، لقناة الجزيرة.
الفرقة المحمولة جواً الأمريكية هذه مدرّبة على نشرات سريعة بالمظلات في مناطق النزاع لاقتحام قواعد جوية أو مواقع رئيسية أخرى. نشرتْ نفس الوحدة خلال الحرب العالمية الثانية وفي أفغانستان وحروب العراق. كانت مهمة القوة المقترحة تتمحور حول تحديد مواقع اليورانيوم المُخصّب ومحاولة تحييده داخل ايران.
الهدف، وفق محلّل عسكري، سيكون أهمّ المنشآت النووية الإيرانية: منشأة نطنز، وموقع فوردو لتخصيب الوقود، ومركز أصفهان للتكنولوجيا النووية. كما يمكن أن يُستهدَف جزيرة خارك، الجزيرة المرجانية ذات الأهمية الاقتصادية التي تخرج منها معظم صادرات النفط الإيرانية.
وقال جيمس إن «أي عملية برية محدودة من المرجّح أن تبدأ بتحقيق التفوّق الجوي وكبح دفاعات إيران الجوية، للسماح للطائرات ووسائل الدعم بالوصول إلى الأهداف بأمان». قوات النشر السريع، مثل فرقة الإنزال الجوي 82، ستؤمّن نقاط الدخول كالمطارات ومناطق التجمع. للوَيّين المتخصّصين مثل قوات النخبة البحرية الأمريكية (SEALs) أو قوات المشاة البحرية الخاصة، سيُسند تنفيذ المهام الأكثر حساسية على الأرض.
وأضاف أن المهمة قد تتضمّن «اقتحام مرافق مقاوِمة، وجمع معلومات استخبارية، وتحديد أو تأمين مواد نووية حساسة»، مع تركيز عام على السرعة والدقة وتقليل التعرض للخطر. وحين تُنجَز الأهداف، من المرجّح أن يُفعّل مخطط خروج سريع، حيث تتحرّك القوات بسرعة إلى نقاط الاستخراج وتغادر البلاد خلال فترة وجيزة.
تُظهر صورة فضائية منشأة نطنز بعد أضرار جديدة ناجمة عن الحرب بين الولايات المتحدة واسرائيل وإيران قرب نطنز بتاريخ 2 مارس 2026.
كيف قد ترد ايران؟
في أعقاب إشعال الولايات المتحدة واسرائيل الحرب على ايران، شنت ايران ضربات متعدّدة على اسرائيل وعلى أهداف عسكرية أميركية عبر الخليج. كما طالت الضربات بنىً تحتيّة في العراق والبحرين والكويت وقطر والسعودية والأردن وسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة. وقد اعتبر محلّلون هذا الردّ مؤشرًا واضحًا على شكل ردّ فعل ايران ضد غزو بري أمريكي محتمل.
قال نيل كويليام من مركز تشاثام هاوس إن مهمة برية أمريكية، والتي ستتطلّب دعمًا جويًا مستمرًا وكتلة برية كبيرة، ستكون محفوفة بالمخاطر ومن المرجّح أن تثير «ردّ فعل شديدًا» من طهران. حتى عملية صغيرة قد تؤدّي إلى تصعيد النزاع وتدفع إيران إلى تنفيذ مزيد من الضربات الصاروخية أو دفع جماعات الوكلاء الإيرانية، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، إلى شنّ هجمات. وأضاف كويليام أن «هذه ستكون عمليات عالية المخاطر ومعقّدة وطويلة الأمد في بيئات عدائية للغاية، وبوجه مرافق محمية بشدّة من قِبل قوات الأمن الوطنية»، بينما يظلّ قيادَةُ الجيش الإيراني ظاهرة سليمة إلى حدّ كبير.
ألم تهاجم الولايات المتحدة مواقع إيران النووية سابقًا؟
بالفعل فعلت. خلال «حرب الاثني عشر يومًا» على ايران في يونيو، شنت الولايات المتحدة ضربة على ثلاثة من أكبر المنشآت النووية الإيرانية في إطار ما عُرف بعملية «مطرقة منتصف الليل» (Operation Midnight Hammer): فوردو ونطنز وأصفهان. كانت عملية معقّدة وسرية، قال مسؤولون إنها هدفت إلى القضاء على قدرات طهران في تخصيب اليورانيوم.
في غضون ثلاثين دقيقة وتحت غطاء الظلام، دخلت قاذفات شبحية أمريكية المجال الجوي الإيراني وأسقطت قنابل ثقيلة مخترقة للملاجئ، مصمّمة لاختراق المنشآت الجبلية المحصّنة التي بُنيت فيها فوردو ونطنز. ثم أطلقت غواصة أمريكية نحو عشرين صاروخ توماهوك على موقع الأبحاث والإنتاج في أصفهان. وقال مسؤولون أمريكيون إن القاذفات قد انسحبت من المجال الجوي الإيراني قبل أن تكتشف طهران أنها تتعرض لهجوم.
ادّعى ترامب أن المواقع «تلاشت عن الوجود»، وقالت اسرائيل أيضًا إنها اغتالت عدداً من العلماء النوويين الإيرانيين. مع ذلك، قال مسؤولون إيرانيون آنذاك إن الهجوم كان متوقعًا وأن فوردو أُخليت مسبقًا.
حذّر رافاييل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، من أن ايران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم «في غضون أشهر»، مشيرًا إلى أن بعض المنشآت «لا تزال قائمة». وقال غروسي إن طهران امتلكت مخزونات من اليورانيوم بتركيز 60% بحلول وقت الضربات، ولم يتضح ما إذا كانت قد نُقلت أم لا؛ عند هذا التركيز يكون اليورانيوم قريبًا جدًّا من الدرجة القتالية، وإذا ما خضع لمزيد من التخصيب يمكن استخدامه لصنع قنابل نووية.
وفي 24 فبراير، قبل أربعة أيام فقط من اندلاع جولة أخرى من الحرب بين الولايات المتحدة واسرائيل ضد ايران، قال متحدث باسم البيت الأبيض، ليفيت، مجدّدًا إن عملية «مطرقة منتصف الليل» كانت «مهمة ناجحة بشكل ساحق».