القدس الشرقية المحتلة
تذرف بسمة دباش الدموع كل يوم على البيت الذي اضطرتها هي وزوجها رائد إلى هدمه في حي صور باهر جنوب القدس الشرقية المحتلة. سنوات من الخشية رافقتها منذ صدور قرار هدم عن السلطات الإسرائيلية عام 2014، وفي يناير من هذا العام وصلهم إخطار بالإخلاء، ثم نُفِّذ الهدم في 12 فبراير بعدما اضطروا إلى هدم البيت بيدهم لتفادي أن تقوم البلدية بذلك وتفرض عليهم فاتورة باهظة.
«اضطررنا لبدء هدم البيت بأنفسنا لتجنب رسوم البلدية التي قد تصل إلى 100,000 شيكل (نحو 32,000 دولار)،» تقول بسمة، التي تبلغ من العمر 51 عاماً. «بدأنا بتفكيك داخل البيت وأرسلنا صوراً للبلدية لإثبات أننا قد شرعنا بالهدم، لكنهم طالبوا بهدمه من الخارج بأسرع ما يمكن.» رغم أن الأسرة أنهت هدم منزلين كان يقطنهما ثمانية أفراد بينهم ثلاثة أطفال، لم يُلغَ الغرامة البالغة 45,000 شيكل (نحو 14,600 دولار)، والتي ستُقسط حتى عام 2029.
ظاهرة «الهدم الذاتي» تطارد فلسطينيي القدس الشرقية منذ سيطرة إسرائيل عليها عام 1967 وضمها بصورة غير قانونية إلى القدس الغربية تحت إدارة إسرائيلية واحدة. الخيار بين هدم المنزل بنفسك أو أن تتكبد رسوماً بلدية إضافية يصبح بسيطاً ومريراً في آن واحد: الغالبية العظمى من الفلسطينيين لا تملك المال اللازم، فتلجأ إلى هدم بيوتها رغم الألم النفسي الهائل الذي يسببه هذا الفعل.
من أين بدأت معاناة بسمة؟ في 2014 تلقت إشعار مخالفة بناء من بلدية القدس للمبنى الذي كانت تسكنه مع زوجها وابنها المتزوج محمد وعائلته، فتقدّموا بطعن لدى محكمة إسرائيلية محاولين تجميد أمر الهدم. لعقود من الزمن دفعت العائلة غرامات متراكمة لمحاولة الاحتفاظ بمأواها، ثم جاءهم في 28 يناير إخطار بالإخلاء ومنحهم مهلة لترك البيت وهدمه.
المسكن المقرر هدمه كان امتداداً مساحته 45 متراً مربعاً أضافته بسمة إلى بيتها القديم الذي تبلغ مساحته أيضاً 45 متراً مربعاً، كما شيدت مسكناً مماثلاً لابنها المتزوج فوق هذا الامتداد. استهدفت أوامر الهدم كلا الامتداد ومسكن الابن. حاولت عائلة دباش مراراً الحصول على ترخيص بناء فُرفضت طلباتهم من قبل السلطات الإسرائيلية، ومع ذلك تُغرم البلدية الفلسطينيين وتُهدم منازلهم بذريعة عدم وجود تراخيص.
«اخترنا هدم بيتنا بأنفسنا ليس فقط لتفادي الغرامة، بل لأن فرق البلدية لا ترحم ما يحيط بالمنزل وتقوم بتخريب المنطقة عمداً بذريعة الهدم، تقطع الأشجار وتلحق أضراراً واسعة كنا نستطيع تجنبها»، تقول بسمة. اليوم تسكن بسمة وزوجها وأحد أبنائها عبد العزيز في ما تبقى من البيت، فيما انتقل محمد للعيش معهم مؤقتاً بينما تعيش زوجته وأطفاله في بيت أهلها. الهدم قد شتّت كيان عائلة ابنها التي لم تَجد بعد مسكناً صغيراً للإيجار بسبب ارتفاع تكاليف السكن.
تكبّدت الأسرة أيضاً مصاريف كبيرة لإزالة الأنقاض وإعادة ترتيب القسم الأقدم من المنزل ليستوعب الجميع، فضلاً عن العبء النفسي المدمر. «أقف لغسل الصحون فأجد دموعي تسقط لوحدها. كيف وصلنا إلى هذا؟ لماذا نتعرّض لهذه الظلم؟ البيت صار ضيّقاً بالكاد يستوعبنا. أحفادي يزوروننا ثم يبكون بحرقة عند رحيلهم إلى بيت جدهم لأن لا مكان لدينا»، تقول بسمة بحزن.
تزايد الهدم
مع استمرار توسع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلة، حيث تُمنح تراخيص البناء بسهولة، يبرز التمييز الممارس ضد الفلسطينيين بوضوح. وجدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن السلطات الإسرائيلية تجعل من «الاستحالة عملاً واقعياً» الحصول على تصاريح بناء للفلسطينيين، كما أشارت منظمة بتسيلم إلى أن سياسات التخطيط في القدس الشرقية تُصعّب على السكان الحصول على تراخيص.
قال ماروف الرفاعي، الناطق باسم محافظة القدس لدى السلطة الفلسطينية، لقناة الجزيرة إن 15 عملية هدم ذاتي نُفذت في فبراير الماضي، وخمس حالات في يناير، و104 حالات في ديسمبر. وارتفعت عمليات الهدم عموماً إلى مستويات غير مسبوقة بعد أكتوبر 2023، تاريخ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة؛ فقد نُفِّذت نحو 400 عملية هدم في 2025 في القدس الشرقية ومحيطها، سواء بواسطة طواقم البلدية أو من قِبل أصحاب المنازل أنفسهم، مقارنة بحد أقصى سابق بلغ 180 عملية سنوياً. وقد أفادت الأمم المتحدة أن هذه الهجمات التسبب في تهجير نحو 1,500 فلسطيني في 2025.
«حتى أسلوب تنفيذ الهدم تغيّر بعد الحرب على غزة،» قال الرفاعي. «سابقاً كان يتم استنفاد كافة السبل القانونية وإتاحة الفرصة للسكان للاستئناف أمام المحاكم وتجليد الهدم، أما الآن فتبنّت السلطات نهجاً أكثر عقابية.» أضاف أن سياسة الهدم صارت تتأثر بتأثير وزيرة الأمن القومي اليمينية المتطرفة إيتامار بن غفير الذي دفع نحو إشراك جرافات الجيش في تنفيذ الهدم دون إخطار المالكين في كثير من الحالات.
كما ذكر المسؤول الفلسطيني أن إخطارات الهدم لمنازل الفلسطينيين في القدس ارتفعت من 25,000 قبل الحرب إلى 35,000، وأن بلدة سلوان وحدها تلقت 7,000 إشعار هدم منذ 1967. من جهته وصف فخري أبو دياب، عضو لجنة الدفاع عن حي البستان في القدس الشرقية، عملية الهدم الذاتي بأنها عقوبة مزدوجة ومعاناة مضاعفة لصاحب البيت بعد عناء وبذل جهود في بنائه: «هدف إسرائيل هو كسر معنويات الفلسطينيين وغسل أدمغتهم ليصبحوا أدوات تنفيذ مخططاتها بهدم المنازل.» «عندما نهدم بيوتنا، يبدو الأمر كأننا نقتلع جزءًا من أجسادنا»، قال صقر قنبور معبّرًا عن الألم الذي يطارده.
لا تستطيع اسرائيل هدم عدد كبير من المنازل سنويًا، بفعل قيود لوجستية ومالية وميزانية محدودة؛ أمّا الهدم الذي يقوم به أصحاب المنازل الفلسطينيون فيتسبب بتكاثر عدد البيوت المهدومة، بحيث تتحول الضحية إلى «متعهد هدم» كما وصف ذلك.
«رفضت أن أهدم بيتي بنفسي لأن العواقب السلبية التي ستلاحقني وتلاحق عائلتي ستستمر مدى الحياة، فهُدم على يد الجرافات الإسرائيلية. ولو كنت أنا من هدمه لظلَّ كابوسًا يطاردني»، أضاف.
لقد تلقى صقر غرامات تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو 26 ألف دولار بسبب بناء منزله، وهو ما يعادل نحو 80,000 شيقل، فلا قدرة له على دفع مبالغ إضافية لفرق الاحتلال من أجل هدمه نيابة عنه.
لا بديل
تتراوح تكلفة الهدم الذي تنفذه طواقم بلدية الاحتلال بين 80,000 و120,000 شيقل (نحو 26–39 ألف دولار). لم يستطع صقر تسديد هذا المبلغ فاضطر في 26 ديسمبر إلى هدم منزله بيده في جبل المكبر بذريعة عدم وجود ترخيص؛ كان قد بنى المنزل عام 2013 وتلقّى فورًا إخطار مخالفة بناء.
قال لصقر لقناة الجزيرة إنه عاش في ذلك المنزل مع زوجته وطفله الذي كان آنذاك في الرابعة من عمره. ومنذ بنائه تعرض لغرامات وصلت إلى 80,000 شيقل ما زال يُسددها رغم هدم المنزل.
لم يكن لديه مكان يبيت فيه بعد الهدم، فوفّر له جارٌ غرفة متهالكة مؤقتًا إلى أن يجد مسكنًا للإيجار.
«طفلي يعاني نفسيًا منذ هدم البيت؛ كل يوم يسألني لماذا هدمته، ولا أجد جوابًا واضحًا. أقول له إنني هدمته لأبني له بيتًا أفضل، لكني أعلم في قرارة نفسي أنني لن أتمكن حتى من استئجار مسكن لائق»، هكذا روى صقر بحزن.
اختار صقر أن يهدم منزله بنفسه بعد تهديد من ضابط إسرائيلي قال له: «اهدمه وإلا سأهدمه فوق رأسك». كما أراد تجنّب الإذلال الذي يرافق الهدم على يد سلطات الاحتلال، حيث توثّق منظمات حقوقية إطلاق قوات الأمن النار الحيّ والغاز المسيل للدموع واعتداءها على أفراد العائلة أحيانًا.
«أصبت بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم بعد هدم بيتي، وقال الطبيب إن السبب هو الغضب والحزن. هذه احتلال يهدف إلى طردنا من أرضنا، ونحن نريد أن نبقى»، ختم صقر حديثه.