ديوان ميشالز (Duane Michals)، واحد من أهم المصورين في القرن العشرين، توفي يوم الثلاثاء التاسع من يونيو عن عمر يناهز أربعة وتسعين سنة في مستشفى بمنهاتن. أكدت غاليري DC Moore، التي تمثّله منذ 2013، نبأ الوفاة.
«شخص ذو عقل لا يُقَدَّر بثمن، يتمتع بسحرٍ وذكاء وطيبة وروح فكاهية»، قال إدوارد دي لوكا، مدير DC Moore، في رسالةٍ إلى ARTnews. «دائماً ما كان دوين يتساءل عن مسارات الحالة الإنسانية، ومن خلال فنه كان يلتقط بوضوح ما لا يَرى ولا يُقال عادةً. ستة عقود من الإبداع، بما في ذلك الأفلام القصيرة التي نشرها حديثًا على الإنترنت، أثبتت أن رسالة دوين عالمية وخالدة.»
إنجازه الفني الرئيسي والخاص به كان تسلسلات الصور — مجموعات من الصور المرتبة التي تروِي روايات غامضة وتتهرب من قواعد التصوير التقليدية. إن كانت صورة تساوي ألف كلمة، فقد أظهر ميشالز أن سلسلة من صوره تساوي ألف حكاية. بدلًا من الاكتفاء بلقطة واحدة، جمع صورًا متعددة — أحيانًا خمس أو ست وفي بعض الحالات حتى تسع صور — تتكشف كما لو أنها مقطوعات قصيرة سردية. «صوري تدور حول الأسئلة، وليست عن الأجوبة،» قال ذلك لِـ BOMB عام 1987.
أول هذه التسلسلات شكّل أساس كتابه الأول في التصوير الفوتوغرافي بعنوان Sequences، الذي رسّخ أسلوبه الأميز. على سبيل المثال، تُظهر سلسلة Death Comes to the Old Lady (1969) امرأة عجوز — جدته — جالسة على كرسي خشبي، ثم يدخل إطار الصورة رجل يرتدي بدلة (قام بدوره والده) قبل أن يختطفها وكأنها تتلاشى في ضباب. وفي The Spirit Leaves the Body (1968) نرى رجلاً عارياً مستلقياً على سرير، وشبحه يرتفع عن الجسد باتجاه العدسة ثم يزول؛ هنا يتغلغل موضوع الموت والحالة التي تقع بين الحياة والممات بوصفها حلقة دائرية أكثر منها انفصالًا قاطعًا، وهي فكرة ستتكرر عبر مشرَعه في العقود اللاحقة.
القيّمة ليندا بنديكت-جونز كتبت في كتالوج معرضه الاستعادي في متحف كارنيغي (2014) أن ميشالز «نادراً ما يشبه معظم من يُعرّفون أنفسهم بفَنِّ التصوير؛ فأداته المفضلة للتعبير كانت الكاميرا لكنه لم يقصد القبض على العالم الخارجي بقدر ما كان يشغل زوايا عقله، ثم يضعها على المسرح ليصورها.»
مع تطور تجربته، استمر ميشالز في استكشاف دورات الحياة والزمن، وأدخل في تسلسلاته روحًا ساخرة وميولًا سريالية. تسلسل Things Are Queer (1973) المكوّن من تسع صور مثلاً، يلعب بفكرة التكاثر والتكرار: بدءًا بصورة حمّام يتدلى فوق الحوض إطار لالتقاط صورة، ثم قدم رجل ضخم أمام الحوض، ثم نكتشف أن الحمّام عبارة عن نموذج مصغر دُفِن فيه قدم الرجل، فتتحول الصورة إلى إعادة إنتاج داخل كتاب، ثم إلى رجل يقرأ ذلك الكتاب في زقاق مظلم، ونجد في النهاية أن صورة الرجل القارئ هي نفسها الصورة المُعلّقة فوق الحوض — تكرار لصورة داخل صورة إلى ما لا نهاية.
من سماته المميزة أنه كثيرًا ما يدوّن عنوان العمل على نفسه الصورة بخطه، وعزا ذلك إلى كونه مُعلَّمًا ذاتيًّا. قال مرة: «لم أذهب إلى مدرسة تصوير؛ ولم أكن أعرف أنه ليس من اللائق أن تكتب على الصورة، فكان ذلك بمنزلة نعمة لأنني لم أضطر لأن أنسخ القواعد التي تعلّمها المدارس.»
لاحقًا كثّف هذا الأسلوب فأصبح يضيف نصوصًا أكثر، ويخلق صورًا تتكرر بلا نهاية ظاهرة. عمل مثل A Story About a Story (1989) يصوّر شابًا يمسك بذقنه وكأنّه يحدق في سرّ مرآة لا نهائية. تحت الصورة يضع ميشالز تأويلاً ينسف أي منطق ظاهر: «هذه قصة عن رجل يروي قصة لرجل يروِي قصة. يجلس امام مرآة ويُحدِّث الرجل في المرآة. والرجل في المرآة يظن أنه يُحدِّث الرجل الذي يراه في المرآة. … وأنت تقرأ هذا الآن، أكتب قصة عنك وأنت تقرأ قصة عني وانا أكتب هذه القصة. هل أُخبِرتُ بهذه القصة أم أنا الذي أخبرتك بها؟»
ولد دوين ستيفن ميشالز في 18 فبراير 1932 في ماكيسبورت بمقاطعة بنسلفانيا، مدينة صُنعت حول الصناعة الفولاذية وكانت بمثابة ضاحية لمدينة بيتسبرغ. وصفها مرّة بأنها «الروهر الأميركية» — مدن صغيرة متلاصقة مبنية حول المصانع. في أسفل الهرم الاجتماعي كان عمّال الفولاذ، ومن بينهم والده جون؛ أمّه مارغريت كانت تعمل خادمة مقيمة تزور أولادها في عطلات نهاية الأسبوع. أجداده هاجروا من سلوفاكيا في القرن التاسع عشر.
رغم ما شهده من وضع اجتماعي متردٍ، ظلّ ميشالز يحنّ إلى ذلك الماضي ويقلبه بحنين: «حتى اليوم أنا أمجّده كثيرًا وأشعر بالرضا عنه.» ظلّ يقرأ صحيفة Pittsburgh Post-Gazette طوال حياته، وبيته القديم كان موضوع صورة كبيرة عام 2000 بعنوان The House I Once Called Home — كتب فوقها بخط يده باللغة الانجليزية عبارة «A PHOTOGRAPHIC MEMOIR WITH VERSE» وأرفق تعليقًا: «هذا الصندوق الخشبي المهجور هو الخزانة التي تُخزَّن فيها فضولي العائلي. أفتح الآن كل نوافذه المصفحة وأحرّر كل أبوابه المصفحة.»
حاز على فرصة دراسة فنية شبابية عندما فاز في سنّ الرابعة عشرة بمسابقة رسم أتاحت له دروسًا فنية نهاية الأسبوع في معهد كارنيغي. وفي 1949 انتقل إلى دنفر ليدرس التصميم بمنحة في جامعة دنفر، وتخرّج عام 1953، ثم أمضى عامين في ألمانيا كضابط ثانٍ في الجيش الأميركي. انتقل إلى نيويورك في الخمسينات وعمل مديرا فنّيًا ومصمم صفحا ت في مجلات عدة مثل Dance، Time، Sports Illustrated.
دخل عالم التصوير عام 1958 بعد جمعه مالًا لزيارة الاتحاد السوفيتي في ذروة الحرب الباردة؛ استعان حينها بكاميرا صديقه Argus C3، وامتنع عن اصطحاب مقياس ضوء لأنه لم يرغب أن يظهر كأنه يعرف كيف يستعمل الكاميرا. عاد من رحلته بصور حسّاسة لأناسٍ عاديين، وبدأ بعدها بتصوير مهمات تحريرية لمجلات مثل Sports Illustrated وEsquire وAmerican Vogue، كما عمل لصالح اللجنة المنظمة لأولمبياد 1968 بالمكسيك. قابل المعماري فريدريك غورّي في 1960، وقد عاشا معًا حتى وفاة غورّي في 2017 وتزوجا رسمياً في 2011.
سلسلة صوره الأولى الناضجة سبقَت اهتماماته اللاحقة: بعد أن أمضى نحو عقد في نيويورك، لم يرغب في تصوير المدينة الصاخبة المعتادة بل التقط هدوءها الخالٍ من البشر — زوايا شارع، متاجر صغيرة، مصاعد، مغاسل، حتى كوني آيلاند — وأطلق على تلك المجموعة Empty New York. «الناس الذين صوروا نيويورك دائمًا يصورون تايمز سكوير. الناس لا يعيشون في تايمز سكوير،» قال لِـ New Yorker. «صورت المغسلة والمقهى الصغير ومتجر الخمور — مساحات داخلية.»
ثم ولدت منه تسلسلاته: «بعد فترة من تصوير الغرف الفارغة أصبحت تبدو لي كمجموعات مسرحية، فشعرت برغبة في إدخال نفسي داخل الصورة. لم أرَ نفسي يوماً مراسلاً أو مجرد مُراقِب»، هكذا عبّر.
بعض تسلسلاته المبكرة تأثّرت بوفاة والدته وتجربته في قراءة كتاب الموت والتبت لها على فراشها؛ هذا ألهم كتابه The Journey of the Spirit After Death الذي يناقش فكرة الروح وما بعدها. قال في New Yorker: «أتعامل كثيرا مع موضوع الموت الذي يثير اهتمامي. الموت كمفهوم ميتافيزيقي لا يُصوَّر بسهولة. ‚رحلة الروح بعد الموت‘ تتناول فكرة الموت.»
إلى جانب تسلسلاته، منح ميشالز اهتمامًا مميزًا للبورتريه، لكن بنكهة سردية وغامضة تشبه أعماله المتسلسلة. سيرته مع سرياليين كبار تجسدت في مجموعة A Visit with Magritte (1981)، بعد زيارة له إلى رينيه ماغريت في 1965 أمضاها الخمسة أيام بالرغم من عدم اتقانهما لغة بعضهما؛ التقط صورًا تكثّف منغرَسات ماغريت السريالية، منها صورة لماغريت وهو يوازن قبعة على رأسه مقلوبة، مع تراكب غريب لصورة أخرى له ممسوكًا القبعة في توقيعٍ بصري متقن.
صور بورتريه أخرى بارزة شملت روبرت راوشنبرغ (1963) بمقربة لجزء من فم الفنان، وأولدنبيرغ (1970) مع تشويه للوجه عبر عدسة مكبرة، وويليم دي كوينينج (1985) من الخلف وهو يحدق في لوحة، وأليس نيل (1970 تقريبًا) — إحدى نادر صور ميشالز الملونة آنذاك — تظهرها من الخلف تنظر في مرآة تعكس لوحتين، وجوزيف كورنيل (1972) التي التقطت في سنة وفاته وتظهر ظلًّا جزئيًا لشخص ينظر إلى خزانةٍ صغيرة.
على نحوٍ متزايد، وحيث اتسمت صوره بحس سينمائي، توجه ميشالز أيضًا إلى صناعة أفلام قصيرة بدءًا من 2015، مواصلاً استجواب العلاقة بين ما تراه العين وواقع المشهد. ZIP ZAP ZIP (2018) مثلاً يظهره واقفًا أمام الكاميرا مرتدياً قناعًا ويقول جملة تبدو متكررة ذاتيًّا: «أنا أنطق هذه الجملة. هذه هي الجملة التي أنطقها. الجملة تقول: ‹هذه هي الجملة التي أنطقها›.» كل ذلك يتضح لاحقًا كأنه يُشغّل شفاهه على تسجيل صوتي مسجّل، مع ارتعاشة مرحة في صوته تُحيل إلى وعيه بالمفارقة.
تأثير ميشالز طال أجيالاً من المصورين، وفي السنوات الأخيرة امتد إلى مجالات أخرى. في خريفٍ لاحق التقط صورًا وفيلماً قصيرًا للممثل جاكوب إلوردِي لحملة بوتيغا فينيتا، مستلهماً من صورته عام 1994 What Are Dreams التي تظهر شابًّا نائمًا على طاولة إلى جانب كرة زجاجية تحوي معالم نيويورك.
كان لديه دائمًا إحساسٌ ساخِر بطريقته في التعامل مع الفن ككل. وعلى صفحة نهاية كتالوجه 2014 دوّن بخطّه المميز: «محاولة فاشلة لتصوير الواقع / يا له من غباء أن أعتقد أن ذلك سيكون سهلاً. لقد خلطتُ بين ظهور الأشجار والسيارات والناس وبين الواقع نفسه واعتقدت أن صورة لهذه الظواهر هي صورة للواقع. إنها حقيقة كئيبة أنني لن أستطيع تصويره أبدًا وسأفشل دائماً. أنا انعكاس يصوّر انعكاسات أخرى داخل انعكاس. تصوير الواقع هو تصوير لِلاشيء.»
ميراث دوين ميشالز يبقى في صورٍ تكسر القواعد، في نصوصٍ مرسومة على الصور، وفي رواياتٍ مصوّرة استفزّت مقارباتنا التقليدية للرؤية والذاكرة والموت والزمن.