هل تستطيع مسرحية أن تلتقط جوهر فنانٍ غامضٍ مثل هنري دارغر؟

ترك هنري دارجر وراءه أحد أغرب النُصُب الخيالية في القرن العشرين: كون خاصّ هائل تعجُّه جيوش من الأطفال ذوي الهالات، إمبراطوريات سادية، عواصف ثلجية ودوّامات، وحوش سماويةٍ أفعوانية، وحروب تُخاض على مصير أطفال مستعبَدين. بعد وفاته ظهر هذا العالم المتفرّع دفعةً واحدة، كأنّه ميراث لم يطالب به أحد. النقّاد، عند مواجهتهم لهذه الكمّية، اتّجهوا إلى الوسوم: «فنان خارجي» هو التسمية الأكثر شيوعاً؛ تليه قربها كلمات مثل رؤيوي، ساذج، غريب، مجنون. كل وسم يفسّر شيئاً ويغفل أكثر. دارجر يصدّ التصنيفات كما يصدّ التكاثف الورق عن قنينة مشروب: كلّما ضغطت أكثر، ازداد انفلاته.

مقالات ذات صلة

الإغراء الدائم هو التعامل معه كلغز يجب حله: كيف لعمال بسيط في شيكاغو، يعمل في شبه ظلام، أن يُنتج ملحمة من 15,145 صفحة ومئات اللوحات البانورامية الشاملة؟ أي نوع من الوحدة أفرخ جيوش الأطفال الثائرين هذه؟ السيرة الذاتية، كشكل، تفشل هنا إلى حدّ كبير؛ تسجّل حقائق — مولود 1892، طفولة قُطعت بإيداعات مؤسساتية، عقود من تنظيف أرضيات مستشفيات — لكنها لا تعطي ضوءاً كافياً على العمل القهري الغارق الذي أنجبه.

ومع ذلك، تُنسِّق الحقائق البيوغرافية نصّ «باغهاوس»، المسرحية الجديدة عن الفنان التي تُعرض في مسرح فينيارد بنيويورك حتى الخامس من أبريل. جون كيلي يتقمّص دور دارجر في هذا العرض الفردي، مجسِّداًه كوجود مشتّت وهزيل. صوته نادراً ما يرتفع فوق الهمس بينما يفرد حقائق من حياته، مُستقاة من مذكّراته التي تبلغ حوالي 5,000 صفحة («تاريخ حياتي»). كانت سنواته الأولى مثقوبةً بالانقطاع: توفيت والدته بعد ولادته بقليل سنة 1892؛ ووالده، وهو مريض وعاجز بالتدريج عن رعايته، أودعه مؤسسات كاثوليكية، بينها مصحّ للأطفال «ضعيفي العقل» في ولاية إلينوي.

في المصح تعرّض دارجر لنظام انضباط قاسى قاومه باستمرار. هرب مراراً، ومرّة قطع أميالاً على طول خطوط السكة الحديدية في محاولة عنيدة لاسترداد حريته، قبل أن يصل أخيراً إلى شيكاغو حيث قضى بقية عمره منعزلاً في غرف مستأجرة. لكن في تجسيد الكاتبة المسرحية بيث هينلي، يظل دارجر محاصراً في غرفة تبدو أصغر حتى من خياله.

يقرأ  غضب في الهند بعد أن سحب رئيس وزراء بيهار حجاب امرأة مسلمة — اتهامات برهاب الإسلام

المشهد على الخشبة يبدو كمسار عقبات من أكوام شاهقة من الكتب والصحف، بقايا تراكم قهري طوال عمر. الجدران بلون بنفسجي مُجهد. صفّ من الأيقونات الدينية المصغّرة يقف جامداً فوق الموقد الجامد، كما لو كان ينتظر أوامر. نافذتان متّسختان تطلان على فراغ رمادي. المبنى يبدو على بعد خطوة واحدة من أن يُحكم عليه بالإغلاق.

جون كيلي بدور هنري دارجر في «باغهاوس»، 2026. تصوير كارول روزغ

تحت إدارة مارثا كلارك الخالية من الزخارف، تميل المسرحية إلى الإشارة إلى القوى الاجتماعية التي تدفع بالإنسان إلى الداخل — الفقر، الصدمة النفسية، الحماس الديني — لكنها تبقى خلفيات لا خصوما فاعلين ولا معجِّلات ذات حمولة درامية حقيقية. الإسقاطات البصرية هي أقوى عناصر الأمسية؛ رسوم دارجر تتفتّح عبر النوافذ والمرآة الكبيرة التي تسيطر على الغرفة، ألوانها المشبعة تضيء الداخل الكئيب على فترات. فتيات فيفيان — بطلات دارجر الورعات في ملحمته المجمّعة التي اشتغل عليها بين 1910 و1927 — يلوحن كرسل شبحية من مملكته الداخلية.

تحظى آنّي أرونبورغ، حليفَةٌ لفيفيان، بتسليط ضوء خاص. لاحظ الباحثون أن الشخصية الخيالية تبدو مستوحاة من مأساة حقيقية: اختطاف وقتل طفلة شيكاغوية، إلسي باروبك، التي تداولت صورها في الصحف قبل العثور على جثّتها. يُقال إن دارجر قصّ تلك الصورة وخسرها لاحقاً؛ كان لفقدانها أثر عليه. في «باغهاوس» تبدو آنّي أحياناً كقائدة وأحياناً كشفيعة—دائماً مُحاطة بهالة استثنائية يلحّ السيناريو بشكل مملّ على إبرازها.

أحياناً، تردّ فتيات فيفيان بصوت على خالقهن. الفكرة واعدة لكن مآلها محدود. ظهورهنّ يعمل أقلّ كصدامات درامية وأكثر كفواصل تزيينية. لا نشعر قطّ بأن خيالات دارجر النابضة أعادت ترتيب الواقع. وربما لم تكن هذه نية العرض أصلاً. لاحظ كارل واتسون أن كتابة دارجر «لا تطوّر ذروة ولا خاتمة ولا بصيرة حقيقية أو توتّراً درامياً، بل تبدو كأنها موجودة لتستمرّ في ذاتها ضمن ميتافيزيقا من الدمار والاضطراب السامي.» ومثلما يخلو نص دارجر من الذروة، تفتقر «باغهاوس» أيضاً إلى توتر درامي قوي، لكن للسبب الأكثر محبطاً: إنها تتعامل مع حقائق ويكي مختصرة.

يقرأ  ترامب ينفي أن الصين تشكل تحدياً للولايات المتحدة على الساحة الدولية

لمسرحية عنوان يوحي بالفوضى والاضطراب، يبدو العرض محافظاً إلى حدّ مبالغ فيه، مقدمّاً لنا رجلاً بلا صفات يثرثر لمدة خمس وستين دقيقة بعناد مملّ يشبه طابعة نقطية. شيكاغو عند دارجر تبقى تجريدية باردة تتجاوز النوافذ المتسخة، ومن المحيّر أن النص يغفل ذكر ملاكه الذين ساعدوه بطرق مختلفة طوال حياته واعترفوا بقيمة العمل الذي تركه وراءه. نص هينلي المطيع نادراً ما يتجاوز ما قد يستخرجه المرء من وثائقي مثل عمل جيسيكا يو (2004) الذي يغطي كثيراً من نفس الأرض تقريباً بنفس زمن العرض، أو من كتاب مايكل بونستيل الأكثر شمولاً على الفنان. (بونستيل مُدرج كمستشار تاريخ الفن للعرض.)

كان يمكن لمخرج وكاتب مسرحي أكثر مغامرة أن يحتضن خصائص اللفظ المفرط في نصوص دارجر أو أن يعرض لنا المزيد من الأعمال — ليمنحنا فرصة أشمل للاحساس بما شعر به دارجر حين جسّد نفسه كجنرال وكتب: «القلب يتألّم أمام المشهد، الإزعاج وغرابة السرّ كلّه.» وأثناء المشاهدة، تساءلت ماذا كان سيكون مآل بيكيت مع مثل هذا المادة. في أعماله المسكونة بالمنعزلين مثل «شريط كراپ الأخير» و«مقطع من مونولوج»، صنع دراما من حقيقة عقل منعزل يتحدّث مع نفسه في فراغ صغير. «باغهاوس» للأسف يسدل الستار على ماكينة دارجر الخيالية الشاسعة قبل أن تَلِفّ وتعمل فعلاً.

أضف تعليق