تخبز بين الأنقاض — امرأة من غزة تُحيي تقاليد العيد رغم شحّ الإمدادات أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

مدينة غزه — تفوح رائحة طيبة داخل منزل تضرر جزئياً في شمال القطاع، بينما تنتقل سميرة طومان بين صواني الكعك والمعمول وتمنحها اللمسات الأخيرة قبل إدخالها الفرن.

سميرة، أم في الستين من عمرها لأبناء سبعة، تعمل بجد إلى جانب بناتها وزوجة ابنها في الأيام الأخيرة من رمضان استعداداً لقدوم عيد الفطر — أول عيدٍ يحتفل به سكان القطاع منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر.

قصص موصى بها

الأم تعجن العجين بعناية ثم تشكّله بخشوع، فيما تدحرج ابنتها كرات من معجون التمر الممزوج بالسمسم لتملأ بها العجينة. تتكرر الخطوات حتى مرحلة الخبز، وبعدها تبدأ عملية العدّ والتجهيز للتوزيع.

أمام فرن متقد يشتعل بحطبٍ جمعوه، تتناوب سميرة وبناتها على الخبز. تقول إن هذه هي أصعب مراحل العمل لغياب غاز الطهي، ومع ذلك يُصرّون على إتمام الواجب.

«هذا موسم العيد، موسم البركات. صحيح أننا لم نعد نحتفل كما في السابق قبل الحرب، حين كنت أواصل العمل والخبز حتى مطلع فجر يوم العيد»، تُخبر سميرة الجزيرة وهي تمسح العرق عن جبينها أمام النار.

الكيك والمعمول الذي تُعدّه العائلة هذا العام لا يقتصر على بيتهم فحسب، بل يشمل أيضاً طلبات إضافية من زبائن وجيران منحهم دخلاً متواضعاً إضافياً قبل العيد. «الحمد لله، الطلب جيد رغم غلاء المواد. الناس تريد أن تعيش وتستعيد قليلاً من طعم العيد»، تضيف.

إلا أن أحداثاً حديثة عقّدت تحضيراتها. حين كانت تنوي شراء المكونات في نهاية فبراير، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل بشن هجمات على إيران، فاستغلت إسرائيل ذلك لإغلاق المعابر إلى غزة، وهو إجراء كررته مراتٍ عدة منذ بداية عدوانها على الأراضي الفلسطينية في أكتوبر 2023.

أدى الإغلاق إلى تضاعف أسعار المكونات التي كانت سميرة تنوي اقتنائها: دقيق، سميد، معجون تمر، سمنة، وسكر. فتحت المعابر لاحقاً جزئياً، لكن الأسعار ظلت مرتفعة.

يقرأ  لماذا تحول الحديث عن التعرق من تابو إلى نقاشٍ علني؟

«ثمة دائماً ما يفسد فرحة العيد… الفرح في غزة موجود لكنه نادراً ما يكون كاملاً»، تقول.

الكوكيز جزء محوري من احتفال سميرة وفلسطينيين آخرين بالعيد [عبد الحكيم أبو رياش/الجزيرة]

«كنت سعيدة في بداية رمضان… لكن سرعان ما تلاشى فرحي عندما رأيت كم ارتفعت الأسعار»، تضيف سميرة، في إشارة إلى أن الصائمين عادة ما يجهزون حلويات يتلذذون بها بعد الإفطار.

تضيف سميرة قطعاً من الحطب إلى النار بينما يكسر ابنها أثاثاً جمعه من منازل دُمرت في حملة القصف الإسرائيلية ليستخدمه وقوداً.

«نسينا كيف يعني العمل في المطبخ بنظام وكرامة ونظافة»، تقول وهي تعبث بالجمرة بعصا معدنية. «الآن ارتبط الطهي والعمل بالسواد والدخان.»

تتذكر سميرة الفترة السابقة على الحرب حين كانت تدير مشروعها المنزلي عبر صفحة على مواقع التواصل وتستقبل طلبات الزبائن. «كنت أضع قائمة يومية وكان الطلب ممتازاً. كنت أؤمن مصاريف بيتي. كان لدي مطبخان مجهزان بمعدات، خلاطات كهربائية، أفران، أدوات طبخ وخَبز، بالإضافة إلى المواد الخام»، تضيف بحسرة. «كل ذلك ذاب خلال الحرب وأصبح ذكرى. نبدأ الآن من الصفر، نعمل باليد وبدون مواردنا السابقة. حتى المواد الخام أصبحت أغلى — الاحتياجت أصبحت باهظة.»

من دون غاز للطهي، اضطرت سميرة لاستخدام أثاث محطم كحطب [عبد الحكيم أبو رياش/الجزيرة]

ارتفاع الأسعار وإغلاق المعابر

منذ بدء الحرب الإسرائيلية التي أصرّت جهات عدة على وصفها بأنها إبادة جماعية ضد غزة، اضطر سكان القطاع للعيش في ظروف بالغة الصعوبة، كثيرٌ منهم في ملاجئ مؤقتة ومحرومون من الحصول على السلع الأساسية.

حتى عندما تتوفر المواد، فإن ارتفاع أسعارها يجعلها بعيدة المنال عن كثيرين.

أضافت أحداث الأسابيع الماضية طبقة جديدة من المعاناة: بعد اندلاع القتال بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى في فبراير، أُغلقت معظم المعابر أمام دخول السلع والمواد الغذائية إلى غزة، ما تسبب بشح حاد وارتفاع سريع في الأسعار في الأسواق المحلية.

يقرأ  ترامب: «أبعد من مجرد أن نكون قريبين جدًا» من إنهاء الحرب في غزة | أخبار

يسلط الندرة الضوء على حالة عدم اليقين في غزة؛ فقد تحسنت الأوضاع نسبياً منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر، مع سمات من وصول الغذاء والمساعدة والوقود بكميات محدودة. ولكن طالما تسيطر إسرائيل على المعابر، يمكن أن يتوقف تدفق السلع كما انطلق بسرعة.

وتعني الزيادات السعرية أن العائلات أمام معضلة صعبة: إما أن تدفع الأسعار المرتفعة للحفاظ على تقاليد العيد، أو توجّه المال لتدبير ميزانية المعيشة اليومية مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

تبيع سميرة حلويات العيد للجيران وعبر صفحات التواصل الاجتماعي [عبد الحكيم أبو رياش/الجزيرة]

عودة مترددة

مثل كثير من العائلات في غزة، تحملت سميرة وأقاربها نصيبهم من المعاناة خلال الحرب، من نزوح متكرر وتحرك دائم وفقدان ضروريات الحياة.

«عدنا قبل شهر واحد فقط من آخر نزوح لنا في خان يونس»، تقول سميرة. «نُزحنا للمرة الثانية في سبتمبر إلى منطقة المواسي في خان يونس بعد الاقتحام البري [ لشمال غزة].» لكن حين خمدت نيران الحرب، لم أجد في نفسي رغبةً بالعودة، فبقيت هناك في خيمتنا.

وتحت ضغوط العائلة وأطفالها للرجوع، رضخت سميرة في النهاية وعادت مع أسرتها إلى شمال غزة.

«العودة جميلة عندما تعود إلى بيتك ومكانك وتجد الحياة ممكنة فيه، لا حين تعيش بين ركام يحيط بك من كل جانب، بلا سبل للعيش مثل الماء أو البنية التحتية» تقول سميرة وهي تشير إلى منزلها المنهار جزئياً والمحاط بمنازل باتت أنقاضاً كاملة.

وتوضح أن سبباً من أسباب تأخرها في العودة كان خشيتها من أن إسرائيل لا تفي بأي من الالتزامات والاتفاقات التي جرى توقيعها عند الهدنة في أكتوبر—والتي تتضمن السماح بدخول مساعدات إنسانية واسعة النطاق إلى غزة وتوقّف الهجمات الإسرائيلية. بدلاً من ذلك، استمرت إسرائيل في شن هجمات متفرقة تسبّبت بمقتل المئات من الفلسطينيين، ولا تزال تفرض قيوداً على واردات القطاع وتنقل البضائع بشكل متقطع.

يقرأ  قد تطلب الولايات المتحدة من السياح تقديم سجلّ حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي لخمسة أعوام قبل السماح بالدخول

«صحيح أن وتيرة القصف انخفضت بدرجة ملحوظة، لكن الانتهاكات مستمرة، والمعابر وتدفق السلع لا يزالان غير مستقرين. نشعر وكأننا تَرَكْنَا في فراغ بلا تقدم» تقول سميرة.

تقاطعها ابنتها طالبةً منها أن تظل متفائلة وأن تكفّ عن الحديث في السياسة لتقضية عيد مضيء.

تضحك سميرة وترد بأن كل مرة تقرر فيها ألا تتحدث عن الحرب، تفرض عليها الظروف أن تعود للحديث مجدداً.

«نأمل هذا العام أن يجلب العيد أياماً أفضل، وأن تتحسن أمورنا وتستقر حياتناا، وأن تنخفض الأسعار وأن تدخل المواد الخام وموارد البناء إلى غزة» تقول بابتسامة حزن. «لقد تعبنا من هذا الوضع الصعب الذي طال أكثر من اللازم.»

أضف تعليق