نجح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حيث أخفقت عدة قيادات إسرائيلية سابقة: في إقناع الولايات المتحدة بالانضمام إلى اسرائيل في شن ضربات مفتوحة الأفق ضد خصمها الإقليمي إيران.
حتى الآن خلّفت تلك الضربات أكثر من 1,400 قتيل في إيران، فيما أسفرت الضربات الإسرائيلية على لبنان عن نحو 1,000 قتيل، إضافة إلى عشرات الضحايا في دول إقليمية أخرى جراء الامتداد الذي توقعه كثيرون.
ارتفاع أسعار النفط، وهو عامل حاسم لاقتصاد العالم، ارتفع إلى مستويات جديدة، ما أعاد احتمال حدوث نقص ودفع خطر نظام توزيع محدود للوقود إلى التقدم على جدول المخاطر.
في الولايات المتحدة، انقسم النواب الديمقراطيون، بل وقطاعات من قاعدة دعم الرئيس دونالد ترامب الاعتيادية، مثل الإعلامي تاكر كارلسون ومقدم البودكاست الشهير جو روجان، إلى تمرد علني، من دون اتفاق واضح حول شكل تسوية محتملة للحرب أو كيفية إصلاح التصدع الدبلوماسي الذي أحدثته بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين والغربيين.
ومع ذلك، قد لا تكون كل هذه التفاعلات مهمة بالنسبة لنتنياهو مقارنةً بالمكاسب التي سيشعر أنه حققها بالفعل بفعل الصراع. فيما يلي نظرة على الكيفية التي قد يحل بها هذا الحرب على إيران بعض المشكلات التي واجهت نتنياهو لسنوات.
التهديد الإيراني
لطالما حذر نتنياهو من تهديد إيران لإسرائيل وللعالم الأوسع. سبق أن استعمل ملصقات أمام الأمم المتحدة ليُظهر اقتراب طهران من امتلاك سلاح نووي والمخاطر المترتبة على ذلك. إسرائيل كانت مقتنعة لوقت طويل بأنها لا تستطيع الانتصار في أي صراع مع إيران من دون دعم أمريكي، وهذا الدعم لم يظهر إلا مع وصول ترامب إلى الساحة السياسية.
العام الماضي وافق ترامب على الانخراط في حرب إسرائيلية ضد إيران في يونيو، لكنه سرعان ما تحرّك لإنهاء الصراع بعد استهداف مواقع نووية إيرانية. أما هذه المرة، فكان ترامب مشاركاً منذ بدايتها.
نهاية هذا الصراع غير معروفة، لكن نتنياهو سيعتبر أنه حقق إنجازاً بإقناع الولايات المتحدة بالشراكة المباشرة في مواجهة إيران، وأن صورة البلدين كشريكين مباشرين في نزاع أصبحت حقيقة على الأرض. وحتى إن لم تؤد الحرب إلى سقوط النظام الإيراني، فإن الجمهورية الإسلامية قد تخرج من الصراع أضعف، وقد تشكل تهديداً أقل لإسرائيل على المدى الطويل.
ومع إضعاف قوة ما يسمى بـ«محور المقاومة» الإقليمي—بما في ذلك الضربات الثقيلة على حزب الله اللبناني وتداعيات سقوط النظام السوري—يمكن لنتنياهو أن يجادل بأن إسرائيل لم تعد تواجه خصوماً قادرين على إزاحتها، وأنها أصبحت القطب المهيمن بلا منازع في المنطقة.
محاكمات نتنياهو
يواجه نتنياهو حالياً محاكمة في ثلاث قضايا فساد تعود إلى عام 2019. ووجهت له اتهامات بالتلاعب بالأحداث لتعطيل هذه الإجراءات الجنائية أو تهميشها طوال الحرب على غزة، إذ ارتبطت مواعيد الجلسات وتأجيلاتها بتطورات الصراع، واستعمل نتنياهو ذلك كمبرر لتغيب عن الحضور.
في وقت سابق من هذا الشهر كرر نتنياهو نداء الرئيس دونالد ترامب إلى رئيس دولة إسرائيل إسحاق هرتسوغ لمنحه العفو، ما من شأنه أن يجنبه المحاكمات والعقوبة المحتملة التي قد تصل إلى عشر سنوات إذا أدين.
لم يتخلّ نتنياهو عن الملف حتى مع اندلاع الحرب ضد إيران. ففي مؤتمره الصحفي الأول منذ بدء الصراع—بعد اثني عشر يوماً—وصف الإجراءات القانونية ضده بأنها «سيرك سخيف»، وقال إن هرتسوغ بحاجة إلى القيام «بالشيء الصحيح» وإنهاء القضية حتى يتفرغ للحرب والدبلوماسية الإقليمية. وأضاف: «يجب أن نمنح دولة إسرائيل والذات الوقت للقيام بما يلزم—ليس فقط لهزيمة أعدائنا بل أيضاً لخلق فرص هائلة للسلام والازدهار والتحالفات في منطقتنا».
إلا أن وزارة العدل أعلنت في وقت سابق من الأسبوع نفسه أنه من غير المناسب إصدار عفو بينما المحاكمة مستمرة.
العوائق أمام إصلاح القضاء
محاولات نتنياهو وحلفائه من اليمين لإصلاح الجهاز القضائي، وفعلياً نزع قدرته على الرقابة على الحكومة، قوبلت لسنوات برفض واسع من معارضيه. هذا الموضوع تصدر الأشهر الأولى بعد فوز نتنياهو بالانتخابات في نهاية 2022، وخرج عشرات الآلاف إلى الشوارع وصفوا ما يجري بأنه «انقلاب». لكن حركة الاحتجاج فقدت زخمها بعد هجوم 7 أكتوبر وتصاعد الحرب على غزة في أكتوبر 2023.
مع ذلك، لم يتخلَّ نتنياهو عن هذا الملف حتى أثناء الحرب على إيران، ويُتهم الآن باستخدام الحرب كغطاء لتمرير تشريعات مثيرة للجدل قد تغير ميزان القوى بين الفروع الحكومية وتُضعف الضوابط والموازنات القضائية—مما يثير قلقاً عميقاً حول مستقبل الحكم الديمقراطي في البلاد. في منتصف مارس، شرع ائتلاف نتنياهو بمحاولات لتمرير تشريعات في البرلمان تهدف إلى تقسيم صلاحيات النائب العام وإضعاف سلطة المنصب، فضلاً عن منح الحكومه سيطرة أوسع على وسائل الإعلام في البلاد.
كما كان المقترح يقضي بإنشاء هيئة تُعيّن لأغراض سياسية للتحقيق في إخفاقات الحكومة في الفترة التي سبقت هجوم 7 أكتوبر.
رداً على خطوة الحكومة، اتهم زعيم المعارضة يائير لابيد — الذي بذل جهداً لدعم الحرب على إيران وكان صريحاً في تأييده لما وصفه منتقدون بأنه إبادة جماعية في غزة — رئيس الكنيست أمير أوحانا و«جميع المتطرفين» في الائتلاف بعدم الاكتراث لكون إسرائيل في حالة حرب.
«بينما يقف الوطن بأسره متضامناً، يروّج الائتلاف لأجندته المتطرفة ويستولي على أموال لأغراض سياسية»، جاء ذلك في بيان له.
النقد بشأن معاملة الفلسطينيين
تصاعدت أعمال العنف الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، بينما فرضت إسرائيل قيوداً إضافية على من لا يزالون محاصرين في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب مع إيران.
في 11 مارس طالبت كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة الحكومة الإسرائيلية باتخاذ إجراءات لوقف العنف في الضفة الغربية المحتلة، الذي كان قد أسفر حينئذ عن مقتل ستة فلسطينيين منذ بدء التصعيد ضد إيران.
ومع ذلك استمر العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية — بما في ذلك عنف يمارسه جنود إسرائيليون — ليصل عدد القتلى الآن إلى 11 منذ اندلاع الحرب. وقد قُتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر 2023.
ومن بين الضحايا منذ بداية الحرب ضد إيران، أفراد من عائلة بني عودة — والدة وأب، وعد وعلي، وطفلان منهما هما محمد (خمسة أعوام) وعثمان (سبع سنوات). أُطلق النار عليهم وقتلوا من قبل جنود إسرائيليين أثناء تنقلهم في قرية طمون في 15 مارس، في حادث أثار إدانات دولية واسعة لكن دون مسوغات كثيرة لعقوبات أو محاسبات.
في غزة، التي باتت مدمرة بعد عامين من الحرب شبه الكاملة، لا تزال الأوضاع يائسة. وحثت الأمم المتحدة إسرائيل مجدداً الأربعاء على تخفيف قيود الحرب والسماح بتدفق المساعدات إلى القطاع. وحذر رئيس الأونروا فيليب لزاريني من تطبيع الأعمال التعسفية غير المتناسبة من جانب القوات الإسرائيلية التي تُنفَّذ بمعزل عن أي مساءلة. ورغم ذلك، ومع تركز الانتباه على إيران، ثمة ضغوط ضئيلة على إسرائيل للوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر بالسماح بدخول كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية إلى غزة.
مخاوف نتنياهو الانتخابية
كان نتنياهو، المنغمس في فضائح ومُلقى عليه اللوم من قِبل شريحة واسعة من الجمهور الإسرائيلي على إخفاقاته وحكومته قبل 7 أكتوبر، معرضاً لان يخسر الانتخابات المقررة في وقت لاحق من العام، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات على وضعه القانوني. انّه كان يواجه احتمال فقدان موقعه، مع انعكاسات مباشرة على ملفاته القضائية.
أظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة “معاريف” العبرية قبل اندلاع الحرب مع إيران أن نتنياهو كان في تعادل شبه تام مع رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت.
لا يزال أمام نتنياهو عمل كثير لإنجازه. ومع ذلك، أظهر استطلاع أحدث للصحيفة نفسها تزايد الثقة في قدرته على قيادة الحرب، من نسبة بلغت نحو 60% في بداية الصراع إلى 62% في القياس الأخير.
وعلى ضوء الدعم الشعبي الواسع للحرب، والذي يعزو كثيرون لنجاح نتنياهو في إقناع الولايات المتحدة بالمشاركة، يقترح بعض الوزراء والمحللين احتمال إعلان نتنياهو انتخابات مبكرة في منتصف العام، على أمل أن يمنحه الزخم الناجم عن ظهوره كقائد حربي قوة انتخابية تدفعه نحو الفوز.