الصراع السياسي بين الولايات المتحدة و استراليا على مصير سبع لاعِبات من منتخب ايران لكرة القدم النسائية يبدو أنه انتهى بعودة الفريق المنهك إلى الوطن، بعد أن غاب اثنان من اللاعبات اللتين انشققتا الأسبوع الماضي.
ينتقد مراقبون ما حصل بوصفه انتصاراً للسياسة على مصلحة اللاعبات أنفسهن؛ فالدليل على ذلك أن سبع لاعبات قَبِلْن لجوءَاً إنسانياً في البداية في أستراليا، غير أن خمساً منهن تراجعن عن قرارهن خلال أيام قليلة وعُدن إلى إيران لأسباب لم تُفصح عنها.
يقول المنتقدون إن النتيجة ربما كانت ستختلف لو أحصلن على مشورة قانونية مستقلة في وقت مبكر، ولولا التعجيل بالإجراءات والضغوط الإعلامية التي رافقت القضية.
غراهام توم، منسق المناصرة في مجلس اللاجئين الأسترالي، وصف النتيجة بأنها “بعيدة جداً عن المثالية”. وأضاف: “نأمل أن تحظى اللاعبتان اللتان بقيتا بالحماية التي تحتاجانها، ونأمل أيضاً أن تكون اللواتي عدن بأمان”.
ادعت طهران انتصارها في معركة الدعاية العامة التي جرت منذ أن نشر وزير الهجرة توني بيرك في 10 مارس صورة له مع خمس نساء قَبِلْن تأشيرات حماية، وظهَرن فيها بلا غطاء رأس، وصرح بأنهن رضين أن تُنشر أسماؤهن وصورهن.
أثار ذلك قلق مناصري اللاجئين الذين تساءلوا عما إذا كان من المعقول توقع أن تسأل نساء نشأن تحت نظام قمعي عن استراتيجية الحكومة الأسترالية الإعلامية أو يرفضنها.
قالت كايلي مور-غيلبرت، الباحثة السياسية بجامعة ماكواري وسجينَة سابقة قضت أكثر من عامين في سجُون إيران بتهمة التجسس بين 2018 و2020، إن “الانتصار في حرب الدعاية” طغى على رعاية مصلحة اللاعبات. وأوضحت أنه لو طالبن باللجوء بهدوء ودون ضجة إعلامية، فقد يكون مسؤولو الجمهورية الإسلامية قد تَغاضَوا عن الأمر، كما حصل مع رياضيين إيرانيين آخرين في حالات سابقة.
تعاملت أستراليا تقليدياً مع طلبات اللجوء خلف أبواب موصدة، إدراكاً منها أن الأضواء قد تزيد الضغط وتحوّل حياة اللاجئين المحتملين وعائلاتهم إلى خطر.
أُثيرت المخاوف بشأن سلامة اللاعبات عندما قررن عدم أداء النشيد الوطني الإيراني قبل أول مباراة لهن في كأس آسيا للسيدات على جولد كوست في 2 مارس. وقد نادى معلق رياضي إيراني، محمد رضا شهبازي، بوصف اللاعبات “خائنات زمن الحرب” في بث تلفزيوني، وكان تصريحه مادة متداولة بين المتظاهرين المطالِبين بحماية الفريق.
جذبت تلك البادرة اهتماماً عالمياً، ولم تتكرر قبل المباراة التالية التي أدّين فيها النشيد.
يَعتقد شهـرام أكبرزاده، أستاذ سياسة الشرق الأوسط في جامعة ديكن بجيلونغ، أن اللاعبات لم يَستنِ جدّياً عواقب التعبير عن رأي سياسي أمام النظام الإيراني. وقال: “أحياناً يغلب الإحباط الخوف من العواقب”. وأضاف أن فعل التمرد هذا تحوّل إلى رمز مقاومة استُغل سياسياً من قبل الولايات المتحدة والشتات الإيراني المعارض لل regime لتلطيخ النظام وإحراجه وكسب مكاسب سياسية من القضية.
تصاعدت الأهمية السياسية للقضية حين دعا الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى منح الفريق اللجوء، واتصل هاتفياً برئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز بشأن القضية. وأكد ألبانيز أن الخمس الأوليات — أربع لاعبات ومديرة فريق — قَبِلْن عروض تأشيرات إنسانية.
اختارت لاعبتان أخريان البقاء في البلاد قبل أن تسافر بقية الفريق من سيدني إلى ماليزيا في 10 مارس بعد خروجهن من البطولة.
تحولت المسألة سريعاً إلى خلاف سياسي ومسرحية بين إيران والولايات المتحدة و أستراليا، وكان رد الفعل الإيراني متوقعاً — لم يكن بوسعهم أن يبدوا أن هزيمتهم ليس لها رد فعل، حسب قول أكبرزاده.
اللافت أن جميع اللاعبات اللواتي قَبِلْن في البداية الحصول على الحماية عُدن إلى صفوف الفريق في كوالالمبور قبل مغادرة التشكيلة إلى عُمان، فيما أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية أنهن عدن إلى الوطن بالحافلة من تركيا واستقبلن بحفل ترحيب.
قالت وسطية الفريق فاطمة شابان أمام حشد ملوّح بالأعلام: “نحن سعيدات جداً بوجودنا في إيران، لأن إيران وطننا”.
لم تُعلن الأسباب الحقيقية التي دعت خمساً إلى التراجع عن الاستقرار في أستراليا، لكن ثمة توقعات بأن النظام قد هدّد أفراد أسرهن للضغط عليهن.
قالت شيوا أميني، لاعبة سابقة في المنتخب الإيراني والمقيمة في نيويورك، إنها تواصَلت مع اللاعبَتين اللتين بقيتا في أستراليا، فاطمة پاسندية وآتفه رمضانيساده، ومع عدد من اللواتي عدن إلى إيران. نالت أميني لجوءَها في سويسرا عام 2017 بعد أن هددتها السلطات بفرض عقوبات عليها إثر ظهورها في صورة أثناء لعبها كرة قدم مع رجال في دولة أوروبية دون الالتزام بالحجاب الإلزامي.
وصفَت أميني رفض اللاعبات البقاء بأنه أمر مؤلم للغاية، مؤكدة أن العودة إلى إيران قد تُستخدَم لتهديد عائلاتهن. وامتنعت عن تفصيل محادثاتها حفاظاً على سلامة اللاعبات وأقاربهن، وقالت إن النظام مارس ضغوطاً على لاعبَة واحدة على الأقل — لم تذكر اسمها — عبر التهديد بإيذاء والدتها للانتزاع منها العودة.
من جهته، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بغاي أن تكون طهران قد ضغطت على أيٍّ من اللاعبات الخمس اللواتي تراجعن عن البقاء في أستراليا للعودة. ومع ذلك قال بغاي في حديثه مع هيئة الإذاعة الأسترالية إن “هنّ لم يطلبن اللجوء طواعية. لقد أُجبرن. تمّت إكراههن. لم يكن ذلك طوعياً”. وعند سؤاله عما إذا كانت اللاعبتان المتبقيتان في أستراليا محتجزتين ضد إرادتهن، أجاب: “أعتقد ذلك”.
ادعى بغاي أيضاً أن مسؤولين أستراليين طلبوا من اللاعبات التوجّه إلى غرفة بذريعة اختبار المنشطات، ثم أُخبرن بالتوقيع على أوراق التأشيرة والتصوير مع بيرك، واصفاً ذلك بأنه “وقفة مخزية ومزيفة”.
بدورها، نفت الحكومة الأسترالية ضغوطها على اللاعبات للبقاء أو المغادرة.
بعد عودة المتقدِّمة الخامسة بطلب اللجوء إلى صفوف الفريق في كوالالمبور، وصف مساعد وزير الهجرة مات ثيستلثوايت وضع الفريق في أستراليا بأنه “مسألة معقدة للغاية”. وقال: “هذه قرارات شخصية بعمق، والحكومة تحترم قرار من اختارن العودة. ونواصل تقديم الدعم للاثنتين اللتين بقيتا”.