الحرب الاختيارية المستمرة التي شَنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران هزّت بنية التوازن الجيوسياسي في منطقتنا. بينما تجد واشنطن نفسها محشورة مجدداً في مستنقع شرق أوسطي، تزداد الإشارات إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تبحث عن مخرج سياسي يتيح لها تقليص الانكشاف.
تمتلك دول ساحل مضيق هرمز فرصة نادرة وجماعية لتقديم مخرج كهذا للرئيس الأميركي. من خلال المبادرة إلى تصميم إطار أمني جديد تُديره الأطراف المحلية للمضيق، يمكن لدولنا أن تعزّز أهميتها الاستراتيجية في النظام الإقليمي والاقتصاد العالمي. البديل لهذا المسار المربح للطرفين هو استمرار الصراع، الذي سينتهي بلا شك بفرض ترتيب إقليمي جديد من جانب طهران بشكل أحادي.
تبدو دول مجلس التعاون الخليجي محاصرة بين خيارين سيئين في سعيها للموازنة. مواجهة ترامب، لا سيما في خضمّ حرب، تنطوي بلا ريب على تكاليف كبيرة وتداعيات يصعب توقّعها من قِبَل قائد أصبح أكثر تقلباً. وفي الوقت ذاته، فإن عدم قدرتها على تجنّب الوقوع تحت مظلة الانخراط، أو حتى الظهور كطرف سلبي في العدوان ضد إيران، يجعلها عرضة لأن تُصنَّف أهدافاً مشروعة بموجب عقيدة عسكرية إيرانية أكثر حزماً تهدف إلى منع تكرار مثل هذه الحروب مستقبلاً.
هذا الواقع يبرز أيضاً حدود الوصاية الأمنية الأميركية. هذه الحدود، لا سيما في ظلِ تحالفٍ يبدو تاريخياً وغير مشروط مع إسرائيل حيث تتقدّم مصالح الأخيرة أحياناً على المصالح الأميركية في المنطقة، تشير إلى أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار.
سيحلّ ترتيب جديد محلّ القائم حتماً، إذ ستتدهور أوضاع كل الدول الإقليمية إذا ما استمرّ التصعيد. لم يعد هناك سيناريو يبقى فيه إيران هدفاً بينما يستمر الخليج على عادته، كما حصل أثناء الحرب التي امتدت 12 يوماً في يونيو 2025.
قدرة ايران على شلّ حركة الملاحة البحرية باستعمال طائرات من دون طيار تُكلف عشرات الآلاف من الدولارات ويمكن تصنيعها واطلاقها من مواقع تحت الأرض ومن أي نقطة في البلاد، تُظهِر حجم النفوذ الذي تمتلكه. وقد صرّح مسؤولون إيرانيون بوضوحٍ أن هذا النفوذ سيُوظَّف الآن لصياغة نظام جديد لمضيق هرمز.
لقد شهدت العلاقات بين إيران ودول الخليج تقلبات منذ الثورة الإسلامية عام 1979؛ اتسمت طويلاً بالعداء ثم شهدت خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً إيجابياً جذرياً. الهجمات الإيرانية على البنى العسكرية والاقتصادية في دول الخليج، مع ترحيل دبلوماسيين إيرانيين مؤخراً من بعض العواصم الخليجية، تمثل على نحو واضح انتكاسة خطيرة وعودة إلى الخلف.
مع ذلك، فإن هذه الأزمة أظهرت أنّ الأمن هو خير جماعي؛ الحرب الراهنة تثبت أن عدم أمن دولة واحدة ينعكس على أمن الجميع. لم يعد ممكناً بناء هيكل أمني على حساب جار؛ إيران بدأت بالفعل تفكيك النظام السابق، لكن ذلك لا يعني أن التصميم الجديد يجب أن يكون إيرانياً حصراً.
يمكننا أن نستقي من التجارب الأوروبية الناجحة دروساً ملهمة لمسارنا. من مؤتمر فيينا الذي أعاد الاستقرار لأوروبا بعد حروب نابليون، إلى خطوات التكامل الاقتصادي والسياسي والأمني التي تلت الحرب العالمية الثانية، فهذه المحطات ليست نماذج تُنهج حرفياً، لكنها مصادر إلهام لصياغة ترتيب إقليمي مستقر.
يعاني مضيق هرمز من خلل قانوني؛ فهو أحد الممرات البحرية الحيوية القليلة التي لا تحكمها معاهدة دولية مكرسة. على عكس تركيا التي يعزز لها اتفاقية مونترو رقابتها السيادية واستقرارها الإقليمي بتنظيم مضيقي البوسفور والدردنيل، يعمل هرمز بلا إطار بحري مرسّخ، مما جعله عرضة لتدخلات القوى العظمى عبر التاريخ. ويمكن تفسير الحرب الحالية، إلى حدّ ما، كنتيجة لهذا الفراغ التنظيمي.
إن عقد «مؤتمر هرمز» قد يساعد الدول الإقليمية على تصميم هيكل أمني مشترك، وسد هذه الفجوة القانونية، وضمان استقرار ليس منطقتنا فحسب بل الاقتصاد العالمي أيضاً. الهدف النهائي لهذا المنبر يجب أن يكون تقنين معاهدة تحدد وضعية المضيق وتمنح اليقين القانوني المفقود، وترفع الوزن الاستراتيجي للدول الإقليمية في الاقتصاد العالمي بأن تضمن بقاء إدارة هرمز من اختصاصهم المحلي.
على المدى القصير، يمكن لهذا الإطار أن يسهم في إعادة فتح المضيق، مانحاً ترامب مخرجاً سياسياً يتيح له القول إن حلفاءه الإقليميين ساعدوا في إعادة فتحه. وعلى المدى الطويل، سيحمي هذا الترتيب دول الخليج من وصيّ مستعد للتضحية بالقانون الدولي والاستقرار الإقليمي لصالح حليفه الرئيسي، إسرائيل، وهو حليف لا نستطيع نحن ولا أحد أن يستبدله أو ينافسه.
مستقبل هرمز يجب أن يكون بيد سكانه، لا بيد القوى العظمى التي استغلت المضيق ولا تزال تزعزع استقراره لخدمة مصالحها أو مصالح إسرائيل. وبينما تمثل المنصات متعددة الأطراف والمعاهدات الرسمية الطريق الأمثل نحو استقرار طويل الأمد، فإنه من الضروري الاعتراف بأن الحرب الوجودية المعلنة ضد ايران—الصراع الذي سهّل وصيت الوضع الراهن—جعلت نشوء ترتيب جديد ضرورة لا مفرّ منها لطهران.
إذا اختارت دول مجلس التعاون تفضيل مطالب حلفائها الغربيين على مسار الاندماج الإقليمي—وهو خيار قد يمدّد الصراع ويكبد الجميع خسائر إضافية—فستقدم ايران بلا ريب على تشكيل هذا النظام الجديد بشكل أحادي.
في هذه الحالة، سيكون الإطار الناتج فرضياً ناتجاً عن ضرورة استراتيجية وبقِيةٍ من منطق البقاء لا عن توافق توافقي؛ وستخسر المنطقة فرصة تأسيس أساس مشترك للسلام والاستقرار والازدهار الجماعي. أمام دول الخليج الآن خياران: أن تكون صانعة عهد إقليمي جديد، أو أن تظل مراقبة سلبية.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.