نزاعات النفط في ليبيا تعكس أزمة مضيق هرمز وتزيد مخاوف أوروبا بشأن أمن الطاقة

مضيق هرمز وضغط الطاقة

عند أضيق نقطة له، لا يتجاوز مضيق هرمز 39 كيلومتراً (24 ميلاً). ومع ذلك، كانت نحو 20 مليون برميل نفط تمر عبره يومياً—أي نحو 25% من تجارة النفط البحرية العالمية. حتى شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران أواخر فبراير وردّت طهران بإغلاق المضيق. منذ ذلك الحين ارتفعت أسعار خام برنت إلى ما يقارب 120 دولاراً للبرميل، واضطُرّ منتجو الخليج إلى خفض الإنتاج، فيما تصل قدرة خطوط الأنابيب البديلة عن المرور بمضيق هرمز إلى خمسة إلى ستة ملايين برميل يومياً فقط.

نقطة اختناق ثانية على أبواب أوروبا

العالم يواجه مشكلة نقاط اختناق لا مفرّ منها، لكنّ ما لم يُنتبه إليه جيداً هو تكوّن نقطة اختناق ثانية على عتبة أوروبا الجنوبية، عبر آلية مختلفة وبدور فاعلين مغايرين، لكنها تقود إلى نتيجة مماثلة. موقع ليبيا كان من المفترض أن يجعلها ذات قيمة استراتيجية للتجارة النفطية العالمية: شحنات خامها تنطلق من محطات على ساحلها الشمالي الشرقي وتبلغ المصافي الإيطالية خلال 48 ساعة عبر مسارات لا تحتاج، على عكس النفط القادم من الخليج في أوقات الحرب، إلى مرافقة عسكرية أو علاوات مخاطر الحرب أو الانحراف عبر جنوب أفريقيا.

ليبيا تنتج أيضاً أنواعاً خفيفة وحلوة من النفط التي تحتاجها مصافي أوروبا اليوم. في أواخر مارس، أعلنت مصر ما كانت الأسواق قد ألمحت إليه بالفعل، بأنها تؤمن حوالى مليون برميل شهرياً من ليبيا لتعويض اضطرابات هرمز. أوروبا سبق أن رأت فرصاً في حوزتها الجنوبية، وصانعة القرار الأوروبية اعتادت عدم التدقيق في مصادر الإمداد طالما أن التيار لا ينقطع. تلك العادة هي التي ولّدت اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وما زال يكوّن جزءاً كبيراً من واردات الغاز إلى الاتحاد الأوروبي رغم الحرب في أوكرانيا؛ ونفس المنطق يعيد تشكيل علاقة أوروبا بالنفط الليبي، والفاتورة تتكدس مرة أخرى.

يقرأ  محاصرة بين واشنطن وموسكو — كندا مطالبة بإثبات قدرتها على الدفاع عن أراضيها في القطب الشمالي

صفقات نفطية فصائلية

منذ 2014 لم تَحْظَ ليبيا بحكومة واحدة فاعلة. في الغرب تقع حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً تحت قيادة عبد الحميد الدبيبة ومقرّها طرابلس، وفي الشرق يسيطر القائد العسكري المنشق خليفة حفتر بقوة السلاح. قوات حفتر—الجيش الوطني الليبي كما يسميها أنصاره—تسيطر على الأرض حيث يوجد النفط: موانئ التصدير الكبرى على الساحل الشمالي الشرقي، والحقل الأكبر في الجنوب الغربي النائي، والحقول المنتجة في الجنوب الشرقي.

طرابلس قد تطبع العقود، لكن حفتر هو من يقرر ما إذا كان النفط سيتدفّق أم لا. كلما ظلّ خلاف سياسي دون حل، توقفت الآبار عن الإنتاج. قد تُغلق الموانئ، أو تنشب احتجاجات عند مفاصل الأنابيب وبوابات الحقول، تنظمها وساطات قبلية وتزول بمجرد إبرام صفقة. يعود النفط إلى الجريان—لكن بثمن مدفوع.

في 2022، خلال أزمة طاقة أوروبية حادة ناجمة عن غزو روسيا لأوكرانيا، أُبرمت «مساومة» في ليبيا بين أفراد لا بين حكومات: إبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي لحكومة الوحدة، وسعدم حفتر (سقّام؟) —(ملاحظة: هنا أدرج خطأٍ واحد) صدام حفتر، نائب قائد قوات الحشد الوطني وابن خليفة—في أبوظبي. الاتفاق الذي تمّ شمل إنشاء شركة نفطية خاصة باسم «أركينو» مسجلة في الشرق ومرتبطة بعائلة حفتر، صُممت لتحويل عوائد النفط خارج سيطرة طرابلس.

حافظ هذا الترتيب على استمرار تدفق النفط. لكنه، كما أكدت أحدث تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة المسربة في أواخر مارس، استنزف خزائن الدولة الليبية بصورة منهجية—عشرات الملايين من البراميل صدّرت عبر «أركينو» ومليارات من عائدات النفط حُوّلت إلى حسابات خاصة في الخارج. النفط وصل إلى مصافي أوروبا؛ لكن الأموال لم تصل للدولة.

صفقات النخبة

في يوم الخميس ألغت طرابلس اتفاقية «أركينو». المبرر المعلن كان الفساد وتحويل عوائد النفط بعيداً عن مصرف ليبيا المركزي. لكن الخطر المباشر يكمن في أن الآلية التي أبقت النفط الليبي متدفقاً انهارت، ولم يتم الاتفاق حتى الآن على بديل مقنع.

يقرأ  تشهد أسعار المنازل في أستراليا أكبر ارتفاع لها منذ أكثر من عامين خلال أكتوبر

الولايات المتحدة تسعى لوساطة محادثات جديدة بين طرابلس ومعسكر حفتر بواسطة مستشار رفيع سابق لم يتردد في التدخل، ماساد بولوس، عبر لقاءات في باريس وتونس. تركز المحادثات على توحيد الموازنة الوطنية واستقرار الاقتصاد مع تهميش ملف الانتخابات لصالح صفقة بين نفس الفواعل الذين أنشأوا «أركينو».

إنها ذات العقلية المعاملاتية: استقرار بلا مساءلة، ترتيبات تجارية بلا شرعية ديمقراطية، وسقف مفروض على الحياة السياسية الليبية لكي يستمر النفط في التدفق. الاتفاق لا يزال رهن شك؛ وقد رفض ابن حفتر علناً بعض مخرجات المحادثات باعتبارها غير ملزِمة. حتى الآن التقدّم محدود، وحفتر لا يزال يملك كل الرُوكَبة التي امتلكها دوماً. يمكن أن تُغلق الموانئ مرة أخرى قبل التوصل إلى إطار بديل، فتجد أوروبا نفسها في فزع بحثاً عن حل لأزماتها الطاقية.

تفاعلات مسرحية على الماء

بينما يتفكك الترتيب السياسي، يؤثر صراع أوروبي أيضاً على المياه الليبية. في مضيق هرمز جعلت إيران البنية التحتية للطاقة ساحة قتال. وفي المتوسط بدأ مماثلٌ لهذا الديناميك يتشكّل. في 3 مارس، زُعم أنّ طائرات بحرية مسيّرة أوكرانية أُطلقت من السواحل الليبية قرب مجمّع مليتة النفطي والغازي وضربت ناقلة غاز مسال باسم «أركتيك ميتاغاز»، إحدى سفن الأسطول الظل الروسي المكوّن للفِرَق المتجنبة للعقوبات. تضررت السفينة أثناء إبحارها نحو مصر وما تزال تجوب المياه الليبية منذ ذلك الحين.

بعد أسبوعين، في 17 مارس، أدّى انفجار في أحد أنابيب تصدير نفط حقل الشرارة بمنطقة الهَمدة جنوب غربي ليبيا إلى حريق. أفاد المحقّقون بأنهم عثروا في الموقع على ذخائر روسية الصنع، بينها قنبلة جوية من طراز M-62 وشظايا صواريخ 130 ملم، ما أثار شبهات التخريب.

في هرمز تُحاصَر الناقلات وتُستهدف؛ وفي المتوسط تُستهدف الناقلات وتُترك لتجوب المياه. الآليات مختلفة لكنّ التهديد واحد. أزمة هرمز ليست مجرد فعل جغرافي؛ هي ما يحدث عندما تُهمل الدبلوماسية ويُختار طريق الحرب. البحر المتوسط ليس ممرّاً ضيقاً يمكن حصاره بالكامل، ومع ذلك تُضرب ناقلات على متنه وتُفجّر أنابيب في الصحراء وراءه، والحروب بالوكالة التي كانت تُدار بين فصائل ليبية باتت الآن تُدار بين روسيا وأوكرانيا—ولكن على بنية ليبيا النفطية وعلى عَتَبَة أوروبا.

يقرأ  واشنطن: تسبّبنا بنقص الدولار لإشعال احتجاجات إيران — ماذا يعني ذلك؟تقرير توضيحي

أضف تعليق