وفاة الرسّامة سيلست دوبوي-سبنسر عن 46 عاماً
أعلنت غاليري جيفري ديتش، التي كانت ستفتتح معرضاً لأعمال دوبوي-سبنسر في لوس أنجلس الأسبوع القادم، صباح يوم السبت نبأ وفاة الفنانة في منزلها يوم الجمعة، من دون أن يكشف الإعلان عن سبب الوفاة. كانت دوبوي-سبنسر رسّامة تناولت في أعمالها عنف العنصرية والاضطراب في أميركا الممزقة بفعل التفاوتات الاجتماعية.
تنقّلت أعمالها بسلاسة بين صور احتجاجية صارخة وصور حميمة رقيقة؛ كانت ترسم بنفس الحماس نصباً كونفدرالياً ساقطاً كما كانت تلتقط مشاهد جنسية صريحة لعشّاق في الفراش. وعبّرت الفنانة عن أن جميع الموضوعات التي تناولتها هي «أشياء تهمّني».
في كثير من الأعمال كان الموضوع واضحاً وصريحاً سياسياً. في 2021 حظيت بتغطية واسعة من مجلات عدّة بعد أن رسمت أعمالاً تناولت اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير. العمل الناتج، الذي عنونته «أبي، ألست ترى أني أحترق؟ (2021)»، يقوم بتكديس محموم لشخصيات تحمل أسلحة وأعلاماً أميركية أمام مبنى الكابيتول؛ يظهر سيغموند فرويد وسط الجموع، واسم اللوحة يقتبس سطراً من كتاب تفسير الأحلام.
عن تلك اللوحة قالت دوبوي-سبنسر إنها كانت تفكّر في كيفية «استيعاب الاضطرابات الواقعة خارج النائم داخل الحلم»، وأضافت أن الحلم في حالات الطوارئ يستدعي هذه العناصر ويوقظ الحالم. كما قالت إنها كانت تفكّر في الحلم بوصفه نقداً للحلم الأميركي.
كثير من لوحاتها، كما حال هذه الأعمال، تنهار فيها المساحة التصويرية فتتحقق تأثيرات تسطح تبتعد عن المحاكاة الحرفية للحياة. وحيال ذلك، قالت يوماً إنّها كثيراً ما تحاول أن تصوّر شيئاً بشكل واقعي ثم تُفسده وتحاول جعل ذلك يتحول إلى لوحة جيدة.
في مقابل قراءتها السياسية، طالما شدّدت على ضرورة قراءة عملها من خلال عدسة الطبقة والبياض—بياضها—ومع ذلك أبدت تحفظات على مدى ارتباط فني بجنسانيتها. كانت صريحة بشأن هويتها الكويرية؛ فقد صرّحت في مقابلات لاحقة أنها بدأت بتعاطي الهرمونات كجزء من انتقالها الجنسي. قالت في بروفايل لوس أنجلوس ماغازين عام 2021: «لا أحدد نفسي كمرأة بالتأكيد. أنا متحوّل جنسياً، مظهرِي يكتنز طابعاً ذكورياً.» كانت تُصرّ أيضاً على أنّه يجوز استخدام أي ضمائر لوصفها؛ وقد استخدمت ARTnews ضمائر المؤنث في هذا النعي. ومع ذلك اعتبرت في حوار سابق أن تحليل كل أعمالها من خلال عدسة كويريتها أمر «متسرّع، بل نوع من العنف».
نشأتها ومسيرتها
ولدت سيلست دوبوي-سبنسر في نيويورك عام 1979، لوالد هو الروائي سكوت سبنسر والأم كوكو دوبوي، التي وصفتها لوس أنجلوس ماغازين بأنّها من نسل نبلاء نيو أورلينز ولها موهبة في الرسم. انتقلت الأسرة إلى راينبيك في شمال ولاية نيويورك حين كانت في الثالثة، ثم انفصل والدها ووالدتها بعد نحو عقد.
دخلت مسارات الإدمان مبكراً؛ بدأت الشرب وتعاطي المخدرات في سن الرابعة عشرة، وبحلّ السابعة عشرة بدأت بحقن الهيروين. صار فندق راينكليف، حانة مشهورة قرب راينبيك، مقرّ اشتياقها للشرب ولاحقاً موضوعاً لإحدى لوحاتها. بعد فترة قصيرة في مدرسة معهد الفن في شيكاغو عادت إلى راينبيك وعملت في تنسيق الحدائق.
درست الفن في كلية بارد، حيث كانت تحت إشراف رسّامات بارزات مثل نيكول أيزينمان وآمي سيلمان. ورغم صعوبات شخصية ومادية أعاقت استكمالها للدراسة، تذكرت كيف اقتحمتهما نيكول وآمي ذات مرة وأخذتاها إلى مكتب آمي ليقولتا لها: «ما الذي يحدث؟ أنت رسّامة جيدة جداً، وأنت كوير وفيمينست. من مسؤوليتك أن تأخذي هذا بجدية.» وأضافت أنّه لم يُكلّف أحد يوماً بالحديث معها على نحو يدلّ على إمكاناتها.
لم تُنهِ دوبوي-سبنسر دراستها في بارد لكنها كوّنت شبكة علاقات مهمة: تواعدت الفنانة K8 Hardy، وتوطّدت صداقاتها مع A. L. Steiner وLeidy Churchman. ومع بداية تبوّؤها مكاناً في المشهد الفني، ظَهَرَت في معارض جماعية لفنّانين كوير في صالات مثل Invisible-Exports في نيويورك وOhwow في لوس أنجلوس. قبل ذلك الصعود واجهت فترات نظافة نسبيّة ثم انتكسات، لا سيما بعد تشخيص إصابتها بالتصلب المتعدد والضغوط الاجتماعية لحياتها في نيويورك، فرافَق ذلك محاولات انتحار. في 2012 قامت والدتها بنقلها مع كلبها فريوي إلى مركز للعلاج في نيو أورلينز فأقامت هناك ستة أشهر ثم بقيت تعمل فيه لاحقاً.
وصفت في مقابلة عام 2018 فترة نيو أورلينز بأنها فتح لها مساحة من الحرية، على الرغم من شعورها حينها بأن مسيرتها الفنية انتهت. قالت إنّها ظلّت طويلاً تحاول إخفاء إدمانها ثم التعافي، وأن ذلك ظهر في أعمالها بطرق مشفّرة سمحت لها بالحفاظ على قدر من المجهولية أمام من حولها.
انتقلت إلى لوس أنجلس في 2014، حيث استعادت التواصل مع أصدقاء فنانين من بينهم ماريا جارنيت وإيف فولر، التي أصبحت لاحقاً شريكتها العاطفية وظهرت في بعض أعمالها من تلك الفترة، مثل لوحة «إيف» (2018) التي تصورها جالسةً عند طاولة مبعثرة بكتاب مفتوح ومقص بينما تنشغل كلاب تنبح بمحاولتها لفت الانتباه.
عمل «يوم المحاربين» (2016) من تلك الحقبة يضم تدفّق نغمات موسيقية تحيط بمقال صحفي مؤطر يتناول إدانة محمد علي لرفضه القتال في حرب فيتنام وصورة قديمة لجنود يرفعون قبضات يمينهم. قالت دوبوي-سبنسر لمتحف ويتني عند عرض اللوحة في بينالي ويتني 2017 إنّ أحد ما يحدث في أعمالها هو نوع من التعاطف مع الإنسانية، ليس بمقاربة ترثّمية بل بتعاطف إنساني.
استمرت في تناول الموضوعات السياسية صراحةً حتى نهاية حياتها. أثناء القصف الإسرائيلي المكثّف لغزة عام 2023 شرعت في إنتاج لوحات دعمًا للقضية الفلسطينية. وفي 2024 أنجزت لوحة بعنوان «العودة إلى حيث انتهى البداية (تحية لكم من الطين)»، وصفتها الفنانة بأنها تصور «جنوداً إسرائيليين يسيرون في مجزرة دموية في غزة ويبدون مرهقين وضائعين. ولصدمتهم يواجهون ليس حماس كعدوهم الأعظم وإنما الغول الضخم من ماضيهم، متجسداً في جندي وصفه يوسف ديامونت في تانتورا، الذي لضمان إقامة إسرائيل أحرق فلسطينيين أحياء بقاعدته النارية أثناء طردهم من منازل أسلافهم.»
وعلّقت على اللوحة في حسابها على إنستغرام بأنّها «تحاول تصور التاريخ ليس كسطر مستقيم بل كنوع من اللازانيا.»
أثارت مواقفها المؤيدة للفلسطينيين إدانات من بعض المجموعات اليهودية التي اتهمتها بـ«معاداة السامية». في سبتمبر نشرت لقطة شاشة لمنشور من هذا النوع على إنستغرام وكتبت أنها «فخورة» بذلك، مضيفة: «لا يهمني ما سيفعلون بي. لماذا أختبئ وأتوارى من الفاشيين؟»
خلال مسيرتها المهنية حاز عمل دوبوي-سبنسر اعترافاً مبكراً؛ فقد دخلت بينالي ويتني 2017، وكانت واحدة من القلائل من الرسّامين في عرض ركّز أكثر على النحت، وتلتها مشاركة في بينالي Made in L.A. في متحف هامر عام 2018. وصفتها آن إيليجود، قيّمة تلك الدورة، بأنها «واحدة من أعظم رسامي جيلها.»