إسلام آباد تحت الإغلاق — صباح استثنائي قبل مفاوضات وقف إطلاق النار
استفاقت العاصمة الباكستانية صباح السبت على حالة إغلاق شاملة: طرق مختومة، نقاط تفتيش منتشرة، وأكثر من عشرة آلاف عنصر أمن منتشرين استعداداً لمحادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وايران. وصلت الوفود الإيرانية في وقت متأخر من ليل الجمعة بحركة سريعة وكادت تمرّ من دون أن تُلاحظ؛ تتبّعنا رحلة الطائرة عبر بلوشستان، فيما أوقف سلاح الجو الباكستاني إشارات النداء داخل الأجواء الباكستانية. في اليوم التالي هبطت الطائرات الأميركية في قاعدة نور خان الجوية التي زعمت الهند أنها استهدفتها وتسببت بأضرار خلال الحرب القصيرة العام الماضي.
تفاصيل صغيرة ذات دلالة كبيرة
في الممرّ، تبرّزت زعانف ذيل ثلاث — أمريكية واحدة وإيرانيتان — تفصيل قد يبدو تافهاً لكنه ذو دلالة في إقليم تُعرَّف أفعاله بالرموز. من القاعدة تحرّكت السيارات الرسمية على طرق ممهدة ومؤمنة سلفاً صوب فندق سيرينا، مقرّ المباحثات، الذي أُخلِي قبل أيام. طُلب من الضيوف المغادرة، أُقفلت طوابق، وخضعت فرق العمل لعمليات تدقيق؛ ما بقي من المكان لم يعد فندقاً عابراً بل بيئة دبلوماسية محكمة السيطرة.
مواجهة منظومات فكرية
كان هذا أول لقاء مباشر رفيع المستوى بين ايران وما بعد ثورتها والولايات المتحدة — على أرض باكستانية. داخل غرفة التفاوض التقى منظورا عقديّان مختلفان: «السلام عبر القوة» الأميركية مقابل «المقاومة بكرامة» الإيرانية. قال رئيس الوزراء شهباز شريف قبل الليلة: «هذه لحظة حاسمة لسلام دائم»، لكن لا شيء بدا مضمونا. وضع رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف شروطاً علنية: لا محادثات دون تحرّك نحو وقف النار في لبنان، ولا تقدم دون رفع تجميد أصول إيرانية في الخارج.
سياق النزاع وشروط طهران
تصرّ طهران على أن يشمل وقف النار جبهة لبنان، حيث استمرت إسرائيل بحملة عنيفة أودت بحياة أكثر من ألفين، كما تطالب بفتح أموالها المجمدة نتيجة عقوبات أميركية أطاحت باقتصادها. الرسالة الإيرانية كانت واضحة: دبلوماسية لا استبداد قرار. وفي غضون ساعات من وصول الوفود بدأت لقاءات ثنائية منفصلة — ما اعتبره القائمون خطوة اختراق وجسر ذوبان.
ثقوب في الجليد القديم
لم تكن الساحة جديدة على مثل هذه المفاوضات؛ فقد اجتمعت واشنطن وطهران سابقاً في مسقط وفيينا وجنيف وأبوظبي، لكن كل جولة حملت طبقة من عدم الثقة ممتدة على سنوات من المواجهة والالتزامات المخترَقة. ما اختلف هذه المرّة هو مستوى اللقاء المباشر، بمشاركة نائِب الرئيس الأميركي جي. دي. فانـس والمتحدث باسم البرلمان الإيراني قاليباف، الأمر الذي أعطى للأزمة بعداً أعلى خطورة ودقة. لعبت اسلام آباد دور الوسيط الحاسم بفضل جغرافيتها وعلاقاتها الدينية والإقليمية: روابط وثيقة مع دول الخليج كالسعودية وقطر، حدود طويلة وحسّاسة مع ايران، وموانئ قرب مضيق هرمز الحيوي، وعلاقة استراتيجية مع الصين؛ ومع ذلك لا تستضيف قواعد أميركية، رغم أن قائد جيشها القوي عاصم منير يُوصَف لدى ترامب بأنه «المشير المفضل».
ليلة المفاوضات الطويلة
وُصفت المحادثات بأنها استمرت لـ21 ساعة «متواصلة ولكن متفاوتة». الجلسة الأولى لم تتعدَّ الساعتين، تلاها توقف جزئي إجراءي وثقافي — قدّم العشاء لكن الحوار استمر بلا هيكل واضح. تلا ذلك تصاعد في الحِدّة: جولات متعددة، مسودات متبادلة، وإعادة تثبيت مواقف. خلف الكواليس تكرر الاتصال بين القادة، أعيد رسم خطوط حمراء، وضغطت العواصم بقوة — واشنطن وطهران على حدٍّ سواء. التقدّم جاء على شكل شذرات تلاها رفض فوري في ساحات أخرى؛ أحياناً بدا أن إطاراً للتفاهم بات قابلاً للتحقق، وأحياناً توسّعت الفجوات.
الرسائل العاصرة والجمود الختامي
خلال ذلك ظلت خطوط التواصل مع العواصم نشطة؛ تحدثت الوفد الأميركي مع واشنطن ومع الرئيس دونالد ترامب، وأبلغ المفاوضون الإيرانيون كذلك تطوراتهم إلى الداخل. هدف باكستان الرسمي كان محدوداً وواضحاً: ليس توقيع اتفاق نهائي، بل بلورة إطار يمنع التصعيد. ومع تقدّم الوقت تغيّرت التوقعات؛ دارت محادثات حول تمديدها، وأشارت طهران إلى استعدادها للبقاء، لكن الجانب الأميركي قرر الاختتام فجأة من الخارج، وكان ذلك صادماً للبعض. خرج فانـس ليقول بصراحة: «كنا هناك لمدة 21 ساعة… ناقشنا قضايا جوهرية، لكننا لم نتوصل إلى اتفاق». وضع واشنطن شروطها، خصوصاً بشأن البرنامج النووي الإيراني: «نحتاج إلى التزام مؤكد بعدم السعي إلى سلاح نووي — ليس الآن فحسب بل على المدى الطويل»، وأضاف أن بلاده قدمت «عرضها النهائي والأفضل».
تباين القراءات
لم يعترض المسؤولون الإيرانيون على طول المدة أو على شدة المناقشات، لكن قراءتهم كانت مختلفة؛ وصف السفير الإيراني في اسلام آباد المفاوضات بأنها «عملية وليست حدثاً واحداً» وأنها «وضعت الأسس» لاحقاً. طُرحت في الطاولة مسائل تتعلق بمضيق هرمز ومواد نووية ونفوذ إقليمي أوسع. وفي المقابل، صوّرت وسائل إعلام مرتبطة بالدولة مثل فارس وتسنيم الموقف الأميركي على أنه مفرط في مطالبه، قائلة إن واشنطن سعت للحصول على تنازلات لم تستطع انتزاعها بالقوة العسكرية. وبيّن متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بُعداً أيديولوجياً للمباحثات: «الدبلوماسية بالنسبة إلينا استمرار للكفاح»، لكنه فتح الباب لاحتمال الاستمرار مشروطاً بـ«الجدية وحسن النية» من الطرف الآخر.
الضغوط والداعون للتعثر
بالنسبة لباكستان، ظل الموقف العام حذراً وممسوكا: «نشكر الطرفين على المشاركة، ونأمل أن يحافظا على روح إيجابية. ستواصل باكستان التيسير» قال وزير المالية إشاق دار. خلف الستار اعترف مسؤولوها بقيود كبيرة: ضغوط داخل إيران وداخل الولايات المتحدة ومن فاعلين إقليميين لهم مصالح في استمرار حالة التوتر. ذُكرت، على نحو متكرر وإن لم يُعلن رسمياً، إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو كأحد المعارضين الرئيسيين الذين قد يستفيدون من استمرار الصراع.
ما بعد الليلة: غياب اختراق لكن دون انهيار
في اليوم التالي لم تعد اسلام آباد تماماً إلى طبيعتها؛ الإجراءات الأمنية استمرت، التحويلات المرورية لم تُلغَ، وفندق سيرينا ظل تحت سيطرة مشددة. برغم ذلك ترددت إشارات عن اتصالات على مستويات أدنى لم تتوقف بصورة كاملة. في مركز المؤتمرات، حيث تجمع الصحفيون، كانت الأجواء مختلفة: شاشات كبيرة واتصالات مستقرة وشاي وقهوة متدفقة، لكن التسريبات غابت — وهو ما لاحظه المراقبون كالتزام غير معتاد بالانضباط. ومع إقلاع الطائرات التي حملت الوفود غادرت اسلام آباد بلا اتفاق نهائي؛ لكن في نزاع تُحدد معالمه بعدم الثقة، فإن انتهاء المباحثات بلا اتفاق رسمي، بلا إطار متكامل، ومع ذلك بلا انهيار كامل، اعتُبر تقدّما دبلوماسياً محدوداً وإيجابياً.
الباب أُغلق لفترة، لكنه لم يُطبَق بالقفل.