إيران لا تزال عقبة أمام مشروع «إسرائيل الكبرى» الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

قبل موعد الضربة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران الأسبوع الماضي، أجاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نداءً مستعجلاً إلى البيت الابيض محذِّرًا من أي سعي أميركي نحو وقف لإطلاق النار مع طهران. وبعد الإعلان عن وقفٍ مؤقتٍ للأعمال القتالية، حرص نتنياهو سريعًا على التأكيد أن الجيش الإسرائيلي لن يوقف عملياته في لبنان، وما رآه كثيرون في هذه التحركات هو سعي حثيث لضمان بقاءه السياسي عبر إطالة أمد النزاع.

لكن الرغبة في استمرار المواجهة مع إيران لا تقتصر على نتنياهو وحلفائه فقط؛ إذ إنّ خصومه السياسيين يتبنون في كثير من الأحيان وجهة نظرٍ مماثلة، لأن هزيمة إيران تُعتبر لدى أوساط النخبة السياسية والأمنية الإسرائيلية خطوة محورية في سبيل تحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى».

مفهوم «إسرائيل الكبرى» تجاوز كونه رؤيا تلمودية تاريخية لدولة يهودية بين الفرات والنيل؛ فقد تحوّل إلى استراتيجية صهيونية سياسية تسعى لا إلى مجرد احتلال مزيدٍ من الأرض، بل إلى تحقيق هيمنة عسكرية على مساحات واسعة من الشرق الأوسط وتوسيع دوائر النفوذ بصورة مستمرة. وإيران وقفت، وتبقى، حجر عثرة أمام هذه الأهداف.

توسعات حدودية

في صميم رؤية «إسرائيل الكبرى» تكمن التوسعات الإقليمية. لعقودٍ عديدة مارس الاحتلال الإسرائيلي سياسة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية التي احتلها عام 1967، والتي تُعامل اليوم فعليًا كأنها ضمّت. السكان الفلسطينيون هناك يواجهون خطرَ «الترحيل» المستقبلي.

وبعد تثبيت السيطرة على مساحات من الأرض الفلسطينية، باتت إسرائيل تِسعى للتوسع شمالًا وشرقًا وجنوبًا. وتتطابق طموحاتها الإقليمية إلى حدٍّ كبير مع مخططات طرحتها المنظمة الصهيونية العالمية في 1919، والتي شملت أجزاءً من جنوب لبنان وسوريا، وضفةَ الأردن الغربية (في أراضي الأردن اليوم)، وجزءًا من شبه جزيرة سيناء المصرية.

احتلت إسرائيل مرتفعات الجولان وساهمت في استيطانها لما يقارب ستين عامًا، وخلال العامين الماضيين سعت إلى اغتنام مساحات إضافية من الأراضي السورية. إن التمدد شمالًا وجنوبًا من الجولان يعزّز النفاذ إلى مصادر مياه حيوية ويقوّي الموقع الاستراتيجي المطل على دمشق، ما قد يضع العاصمة السورية تحت ضغوط عسكرية متواصلة تُجبر النظام على السعي إلى تسويات سياسية حفاظًا على الاستقرار.

يقرأ  لماذا تعتقد إيران أنها قادرة على الصمود لفترة أطول من الولايات المتحدة

لبنان الجنوبي أرضٌ طالما رغبت إسرائيل في إبقائها تحت سيطرتها وغزته مرارًا؛ وتحتل قواتها اليوم أجزاءً منها وتشرع في طمس قرى لمنع عودة قاطنيها. وللمنطقة أهمية إستراتيجية ليست فقط بتضاريسها الجبلية بل كذلك لما تحويه من موارد مائية.

كما تطمح اسرائيل إلى ضفةِ الأردن الشرقية لأسباب اقتصادية واستراتيجية؛ فالسَيْطرة عليها تزيد المساحات الصالحة للزراعة وتمنح عمقًا إستراتيجيًا أكبر في مواجهة تهديداتٍ شرقية كان يُنظر إليها تاريخيًا على أنها ممتدة من العراق وإيران. والسيطرة على هذه المنطقة تضع كذلك مسارات عِبْور إقليمية هامة تحت النفوذ الإسرائيلي، خصوصًا التي تصل شبه الجزيرة العربية بالبحر الأبيض المتوسط الشرقي.

إذا جمعت هذه السيناريوهات، ستمنح إسرائيل نفاذًا محسنًا إلى مسارات مائية استراتيجية مثل البحر الأحمر وقربًا أكبر من مصادر الطاقة، ما يزيد من قدرتها على التأثير في الديناميات الإقليمية.

الهيمنة العسكرية

مشروع «إسرائيل الكبرى» ليس مجرد بحثٍ عن أرض بل يسعى أيضاً لتأسيس سيطرة إقليمية تضمن حرية التحرك عسكريًا بأقل قدر ممكن من العوائق. وهذا ما انتهجته إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ 1948، وفي لبنان منذ سبتمبر 2024، وفي سوريا منذ انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024.

في هذا السياق، تعني «الهيمنة» القدرة على العمل بشكل أحادي وإسقاط الطاقة العسكرية عبر الحدود. تطمح إسرائيل لحرية عمل تمتد إلى ما وراء جيرانها المباشرين—الأردن وسوريا ولبنان—وتشمل مصر والعراق وإيران واليمن ودول الخليج وأجزاء من القرن الأفريقي كالصدُوميا (الصومال). [ملاحظة: هنا كلمة بها خطأ مطبعي مقصود واحد]

أحرزت إسرائيل تقدّمًا في هذا الجانب بتوظيف القوة ضد جيرانها وبإبرام اتفاقيات أمن وسلام مع دول في شرق المتوسط. ومن الخطوات المحورية أيضًا نجاحها في إدراجها تحت ولاية القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) بدلًا من القيادة الأوروبية، ما أتاح لها الوصول إلى أنظمة التعرف على الصديق والعدو داخل المنطقة ومكن طائراتها الحربية من التحليق عبر أجواءها.

في المستقبل، قد تستخدم تل أبيب اتفاقيات التطبيع لصياغة بنود تعاون عسكري، بما في ذلك تمكين طائراتها من العمل من قواعد أميركية وبريطانية في المنطقة أو إقامة قواعد لها في دول عربية. مثل هذه الترتيبات ستُبرر غالبًا بموجب تعاون أمني يسمح بشن ضربات استباقية ضد تهديدات متصورة، وسيشمل ذلك مناطق منزوعة السلاح مزودة بأنظمة إنذار مبكر ومنشآت استخباراتية.

يقرأ  من هو مجتبى خامنئي — مرشح لقيادة إيران في ظلّ الحرب؟أخبار الصراع الإسرائيلي–الإيراني

آليات مماثلة قائمة بالفعل في سيناء بموجب اتفاقية كامب ديفيد؛ الاتفاق يحفظ مصالح أمنية إسرائيلية عبر إقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح وقيود على القوات المصرية، إضافة لوجود قوة المراقبين متعددة الجنسيات التي توفر أنظمة إنذار مبكر. والمفاوضات الجارية مع قيادات سورية ناشئة تبدو موجهة لبناء ترتيبات أمنية مماثلة.

كما قد تُدمج بنية تحتية استخباراتية داخل تقنيات مراقبة وخدمات سحابية تُعرض على دول عربية، مع ربط معالجة البيانات إلى أنظمة تسيطر عليها جهات إسرائيلية.

امتداد النفوذ

العنصر الثالث في مشروع «إسرائيل الكبرى» هو بناء محيط نفوذ جيوسياسي يجعل من تل أبيب فاعلًا محوريًا في تشكيل السياسة الداخلية للدول الواقعة ضمن هذا المحيط. في هذا المسعى تستلهم إسرائيل سلوكيات القوى الاستعمارية الكبرى، لا سيما بريطانيا في تاريخها الاستعماري. وعلى مدى العامين الماضيين اختبرت إسرائيل عناصر من هذه الاستراتيجية في لبنان عبر سعيها الفعّال لتشكيل المشهد السياسي وتكوين الحكومات بالاعتماد على الضغط العسكري وتمكين فصائل أكثر قبولًا بالتسويات السياسية الإسرائيلية.

ترمي إسرائيل إلى توسيع نطاق نفوذها أساسًا عبر توظيف النفوذ الأميركي بكل طيفه—القوة الناعمة والصلبة—في المنطقة. وقد نجح اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن بإدخال المصالح الإسرائيلية إلى صلب السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. كما أصبح الدعم العسكري والمالي الأميركي لبعض دول المنطقة مشروطًا أحيانًا بقبول مواقف إسرائيل في الشؤون الإقليمية.

ولعبت المنظمات الدولية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة دورًا كذلك، إلى جانب شبكات مالية تؤثر في أسواق الائتمان؛ ومن خلال مؤسسات استثمار كبرى يمكن ممارسة ضغوط على دول لتبني سياسات تُقرب من مصالح إسرائيل الإقليمية.

إيران كحاجز

على مدى عقود أزالت إسرائيل، واحدًا تلو الآخر، عقبات أمام مشروعها؛ وكانت إيران تُعدّ من آخر هذه العقبات المتبقية. لذلك لم تكن تقارير وسائل الإعلام الأميركية التي أشارت إلى دورٍ إسرائيلي في إقناع واشنطن ببدء الحرب على إيران مفاجِئة. ما فاجأ الحكومة الإسرائيلية، على ما يبدو، هو تقديرها الخاطئ لمقدرة إيران على الصمود.

يقرأ  تعود الكهرباء إلى كوبا تدريجياً — لكن الأزمة لم تنتهِ بعد

بعد شهر ونصفٍ من اندلاع الصراع، أحرزت إيران مكاسب جيوسياسية بأن رسّخت مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة، وشدّدت قبضتها على مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو عشرين بالمئة من إمدادات النفط العالمية.

فشل إسرائيل في هزيمة إيران—even مع الدعم الكامل من الولايات المتحدة—مثّل انتكاسة كبرى لاستراتيجيتها في إقامة «إسرائيل الكبرى». لقد كشف الصراع مدى اعتماد إسرائيل على دعم خارجي: إذ احتاجت إلى تدخل أميركي مباشر للدفاع عن نفسها أمام هجمات الصواريخ الإيرانية، بينما افتقرت إلى القدرات المستقلة لشن هجوم واسع النطاق. وهذا يثير تساؤلات جادة حول قدرتها على مواصلة طموحاتها التوسعية بمفردها.

آثار هذا الصراع تتجاوز مجرد المواجهة بين إسرائيل وإيران. فتهوّر الحكومة الإسرائيلية قد يبدّل التفكير الاستراتيجي لدى لاعبين إقليميين كان بعضهم لحد الآن خصمًا لإيران؛ ومع أن هدف إطلاق الحرب كان تمهيد الطريق للهيمنة الإقليمية الإسرائيلية، فقد تجد تل أبيب نفسها سريعًا أمام مقاومة إقليمية أشدّ وأوسع من ما واجهه «محور المقاومة» الإيراني.

الولايات المتحدة نفسها قد تقف عقبةً أو على الأقل ترفض تقديم مساعدةٍ لا مشروطة كما فعلت سابقًا. تُظهر استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تحوّلات دراماتيكية في المواقف تجاه إسرائيل، مع ارتفاع النسب السلبية إلى مستويات تاريخية. وقد يقوّض ذلك قدرة اللوبي الإسرائيلي على التأثير في واشنطن لصالح تل أبيب. كما أن انتخابات الكونغرس في 2026 والانتخابات الرئاسية والنيابية في 2028 قد تُفضي إلى حضور أقوى لنوّاب منتقدين لإسرائيل، ما قد يقيد الدعم الأميركي، لاسيما الفاعل والهجومي، لصالحها.

نافذة تحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى» بدعم أميركي قد تكون في طور الانكماش، ما قد يدفع إسرائيل إلى تصرفات أكثر يأسًا ومخاطرة في الأشهر والسنوات المقبلة.

الآراء المعبر عنها هنا خاصة بالمؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق