اندلعت الحرب في لسودان صباح 15 أبريل 2023، ومنذ ذلك الحين مرّ عليها أكثر من ألف يوم. لقد خلّفت هذه الحرب خراباً شاملاً في ربوع البلاد، وأودت بحياة عشرات الآلاف، وحرمت الملايين من سُبل عيشهم ومنازلهم.
لسودان، بالنسبة إليّ وللكثير من السودانيين، ليس قضية نحللها من بعيد؛ بل هو ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا على هذه الأرض. ببساطة: هذه حياتنا. رؤية بلدنا وهو يُفكك ويُهمل ويُدمَّر أمام أعيننا قد غيّرتنا جذرياً.
بعد ثلاث سنوات من هذا الكابوس، ما نحتاجه الآن ليس وقف إطلاق نار شكلي فحسب، بل هدنة تضمن الأمن والحماية وإتاحة الوصول للخدمات الأساسية لجميع المواطنين. لا بد بعدها من إطلاق مسار سياسي يشمل جميع الفاعلين ويُمكن السودانيين من المشاركة الفاعلة في بناء نظام حكم جديد.
الاستقطاب والصراع
جاءت الحرب في أعقاب ثلاثة عقود من حكم دموي استخدم خلالها النظام أساليب متعددة للحفاظ على سلطته، بما في ذلك العنف الإثني والإبادة الجماعية في دارفور وجبال النوبة ومناطق أخرى.
بحلول عام 2019، استنزف النظام أدواته، وأثبت الشعب السوداني قدرته الجماعية؛ خرج الملايين إلى الشوارع ضد حكم عمر البشير. نساء ورجال وشباب وشيوخ — كنا جميعاً نحمل همّ الوطن بذهنية واحدة. كانت الثورة تمرداً هائلاً أطاح بدكتاتورية آيلة للسقوط.
ما تلا ذلك كان انتقالاً معطوباً فشل في تلبية آمال الناس لأسباب عدة. الأحزاب المعارضة التي برزت لم تستطع الحفاظ على وحدتها بعد انهيار النظام. المجتمع المدني، الذي تآكل بفعل عقود من الاستقطاب العنيف، افتقر للقدرة على الفعل. الجماعات الشعبية التي قادت التمرد كانت تملك رؤية واضحة، لكنها افتقرت إلى الاعتراف المؤسسي كهيئات قيادية.
تدخلت مصالح فاعلين خارجيين متعددة فشرذمت المشهد المدني وسياساته، ما أضعف فرصة وجود رؤية موحدة. وكان الوضع أسوأ لأن البلاد كانت تعيش أسوأ أوضاعها الاقتصادية والأمنية؛ وانتشرت الجريمة في العاصمة، ما بث الخوف العام بين السكان.
سرعان ما بدأت قوات الدعم السريع — وريثة ميليشيا الجنجويد التي استخدمها البشير في دارفور — تعتبر نفسها وريث السلطة. استمدت قوتها ليس فقط من تواجدها داخل البلاد بل أيضاً من عملها كقوة مرتزقة في حرب اليمن وعلاقتها الاقتصادية المعقدة مع الامارات.
رغم الخلفية الإبادةية لقوات الدعم السريع، ظل جيران السودان صامتين من خشية المساس بمصالحهم، وتبنى بعض الفاعلين الدوليين رواية أن هذه القوة قد تكون بديلاً للنظام السابق وتُعيد الاستقرار. رفض الشعب السوداني هذا الطرح.
منذ 2019 وحتى اندلاع حرب 2023، خاض السودانيون حملة سلمية ضد هذا المخطط المشؤوم رغم القمع الشديد أثناء احتجاجاتهم. تعرّضت المتظاهرات للاغتصاب في الشوارع، وقُتل المئات وتعرّضوا للتعذيب والسجن.
المقاومة الشعبية لم تستطع إيقاف الحرب.
اليوم، بعد ثلاث سنوات، بات واضحاً أن قوات الدعم السريع لا تقدم للسودان سوى سجل طويل من التدمير والرعب الذي يغذي الكراهية والرفض بين الناس. الدمار الواسع للبنى التحتية — المدارس والجامعات والمستشفيات والمباني الحكومية — إلى جانب النهب المنظم والعنف الجنسي النظامي والفظائع الجماعية ضد المدنيين، كلها دلائل على انفصال جوهري بين هذه الميليشيا والشعب ومفهوم الحكم.
في المقابل، لا تزال القوات المسلحة السودانية تحمل اسم الدولة رغم غياب رؤية واضحة وفشل في التعلم من الأخطاء السابقة وانتشار الفساد. الدولة بالكاد تعمل لتقديم خدمات عامة محدودة، والاقتصاد هشّ لا يلبي احتياجات المواطنين. هل يستطيع الجيش الحفاظ على هذا الوضع؟ لا أظن أن ذلك ممكن في الظروف الحالية.
كيف نمضي قدماً؟
السكان السودانيون في الداخل، وفي مخيمات النازحين وفي الشتات يطالبون بالاستقرار الأساسي والسلام وحق العودة إلى مدنهم وقراهم. طموحاتهم الآن ليست صراعاً على من يتحكم بالحكم؛ إنما استعادة حدّ من الحياة الطبيعية، استنشاق نفس، واستعادة القدرة على الفعل. مسائل الحوكمة أصبحت في هذه المرحلة من أولويات المسؤولية أكثر منها همّ الناس اليومي.
لذلك يجب أن ينصب التركيز الآن على وقف الأعمال العدائية بما يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار؛ إذ يشمل ما يطالب به السودانيون: لا للاغتصاب؛ لا للنهب؛ لا للاعتقالات التعسفية؛ حماية للمهجّرين؛ أمان للبنى المدنية كالمستشفيات والمدارس والأسواق؛ واقتصاد يشتغل حدّ الأدنى.
يجب أن تكون المفاوضات تدريجية، وتبدأ بمرحلة تتناول الفاعلين العسكريين. فريق وساطة فاعل وفعّال أمر حاسم، ويجب أن يركز على ترتيبات قطاع الأمن بمشاركة جميع الأطراف.
في هذه المفاوضات علينا أن نتجنب اختزال الأزمة في ثنائية الدعم السريع–القوات المسلحة. هذان الطرفان يمثلان الوجه الظاهر للحرب لكن الصراع ذو طبقات متعددة ويشمل عدداً لا يحصى من الجهات ذات دوافع متنوعة. هناك أكثر من عشر مجموعات مسلحة تقاتل على طرفي النزاع؛ لكل منها مصالحها وطموحاتها، وكثير منها يمثل مجتمعات محلية. وبالمثل تشارك مجموعات “المدنيين” سياسياً من خلال نفوذ ناعم وارتباطات مختلفة.
مفتاح السلام في السودان بيد أعضاء مجلس الأمن الدولي، الذين بوسعهم قطع دور الامارات كمورّد عسكري أساسي والدافع المركزي للنزاع. كما من الضروري تقليص نفوذ كل الدول الأخرى التي تُغذي الحرب في البلاد.
هذا هو السبيل لإتاحة مساحة لمفاوضات مباشرة حقيقية وذات مغزى بين الأطراف المتحاربة بوساطة موثوقة مقبولة، من بينها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. والأهم إقامة آلية رصد تضمن تطبيق وقف الأعمال العدائية بفعالية.
في أي ترتيبات حكم مستقبلية، يجب اتباع إجراءات واضحة تضمن للسودانيين صوتاً وفرصة للمشاركة البناءة في تشكيل دولتهم.
على جميع الفصائل السياسية أن تشارك في عملية تحقيق مصالحة وإعادة توطين متزامنة. يجب أن تلي ذلك انتخابات للمجالس المحلية والبرلمانات، تكون مفتوحة للنازحين واللاجئين.
بعدها تختار البرلمانات المحلية برلماناً وطنياً يكلّف حكومة ما بعد الحرب لمدة أربع سنوات، وتكون مهمتها وضع دستور وإطلاق برامج إعادة الإعمار والتحضير لانتخابات وطنية بنهاية السنة الرابعة.
بالتوازي يجب إنشاء عمليات عدالة ومساءلة كجزء من جهود ترسيخ السلام والاستقرار.
أي أجندة تغض الطرف عن القضايا الجوهرية وتبعد الناس عن القرار لن تفعل إلا أن تزيد الدماء والمعاناة. دول الخليج، والإمارات خصوصاً، عليها أن تحترم إرادة السودانيين. العنف طريق مسدود للجميع ولن يؤدي إلا إلى مزيد من الكوارث.
ما لم يتحمّل أعضاء مجلس الأمن مسؤولياتهم ويتحركوا بحزم لوقف النزاع، ستستمر جرائم الحرب والأفعال الإبادةية، وسينتشر العسكرة والعنف عبر الحدود في منطقة القرن الأفريقي ومنطقة الساحل، ما سيؤدي إلى مزيد من الكوارث والوفيات والتهجير.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.