داخل المستشفى الوحيد العامل في السودان المنكوب بالحرب: حيث تُكافح الفرق الطبية الأمراض المدارية — أخبار حرب السودان

الخرطوم، السودان — عمر عثمان، عامل مناجم ذهب من بلدة أبو حمد شمال البلاد، جاء إلى العاصمة بحثًا عن بداية جديدة للحياة، لكن آماله قُطعت بسبب المرض.

عمل لأسابيع طويلة في أعماق المناجم، تحت ظروف قاسية أثّرت على صحته تدريجيًا. في البداية بدا الأعراض طفيفة: سعال لم يزِل لأسابيع فمرّ مرور الكرام. لكن بعد وصوله إلى الخرطوم تطور الحال إلى ألم حاد في الصدر اضطره لطلب الرعاية الطبية، فشخّص الأطباء إصابته بالسل الرئوي — واحد من الأمراض المعدية التي انتشرت في السودان بعد انهيار منظومة الصحة جراء ثلاثة أعوام من الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

في مستشفى تعليم الأمراض المدارية بأمورمان، ثاني مدن السودان غرب الخرطوم، أكدت الفحوص المخبرية التشخيص. يقدم المستشفى علاجًا للأمراض المعدية وخدمات استشارية نفسية، وروى عمر أن النتيجة سببَت له قلقًا في البداية، لكن جلسات التوعية والإرشاد وشرح خطة العلاج لهما أثر ملطف سمح له بالتعايش مع وضعه الصحي.

كانت تلك البداية فحسب؛ أمامه عقبات عدّة. في الزيارة الأولى لم يواجه مشكلات كبيرة: تحمّل رسومًا بسيطة للفحوص وتلقّى العلاج مجانًا. لكن في الزيارة الثانية اختفت بعض الأدوية الأساسية من الصيدلية الحكومية فاضطر لشرائها من الخارج بتكاليف باهظة.

المستشفى، الذي كان ملاذًا للمرضى، يعمل الآن بطاقة محدودة في ظل انهيار واسع للخدمات الصحية مع اقتراب العام الرابع للصراع. وقالت وزارة الصحة هذا الشهر إن 37% من منشآتها الصحية أصبحت غير فعالة بسبب الحرر الذي اندلع في 15 أبريل 2023 إثر صراع على السلطة بين قائد القوات المسلحة الفريق عبد الفتاح البرهان وزعيم قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي».

تسيطر القوات المسلحة حاليًا على أجزاء واسعة من شرق ووسط البلاد، بما في ذلك الخرطوم، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على إقليم دارفور الغربي. ومنذ أيام أكدت منظمة الصحة العالمية توثيقها لما لا يقل عن 217 هجومًا على بنى تحتية صحية في السودان، أدت إلى مقتل 2,052 من العاملين في القطاع الصحي، فيما يحتاج نحو 40% من سكان البلاد البالغ عددهم 52 مليون نسمة إلى مساعدة طبية عاجلة.

يقرأ  سينر يتوّج بلقب باريس ماسترزويستعيد صدارة التصنيف العالمي من ألكاراز

وحذّرت المنظمة من أن معدلات التقزم وسوء التغذية المنهكة للنظام الصحي وانخفاض تغطية التطعيمات تجعل تفشيات الأمراض ذات تأثيرات كارثية، لا سيما على الأطفال. وكان مستشفى تعليم الأمراض المدارية قد أغلق أبوابه تقريبًا لما يقرب من عامين بسبب الصراع، وفقًا لتصريحات مديره العام، أبو بكر حسن المبارك، الذي قال إن هناك جهودًا لإعادة تشغيل أقسام أساسية مثل الباطنية والجلدية وأمراض الانتقال الجنسي، إلى جانب عيادات للإرشاد النفسي ووحدات للفحوصات الطبية.

رغم التشغيل الجزئي للمستشفى، تظل التحديات هائلة، خاصة في التمويل وضرورة إصلاح الأجنحة المتضررة. تستمر العيادات الخارجية في استقبال أعداد كبيرة من المرضى يوميًا في أول مستشفى متخصص بالأمراض المعدية في البلاد. ويشير مدير الإعلام والعلاقات العامة بالمستشفى، حسب الله سليمان، إلى الاعتماد الكبير على دعم المنظمات الصحية والإنسانية لتلبية الاحتياجات الأساسية، مبيّنًا أن الضغط الهائل على المعدات والدواء والكادر يكبّد المستشفى خسائر فاقت نصف مليون دولار نتيجة الحرب.

أوضاع كثيرة من المشافي والمرافق الصحية في دارفور وكردفان خرجت عن الخدمة بفعل القصف ونقص الإمدادات. وتقول ريمه فضل المولى، موظفة في مركز الإرشاد النفسي، إن الطاقم يعاني ضغطًا متزايدًا نتيجة تزايد أعداد المرضى وقلة الموارد؛ وأن الأوضاع كانت أفضل بكثير قبل اندلاع الحرر، لكن الأضرار التي لحقت بالمختبرات ومراكز الإرشاد قلصت المساحات ودفعته للعمل في مرافق أقل تجهيزًا مما أثر سلبًا على جودة الرعاية.

رغم كل ذلك، تستمر الجهود لإعادة بناء دور المستشفى في تقديم الخدمات الطبية والنفسية، في وقت تتكدس فيه التحديات على منظومة صحية تنهار وسط تفشيات لأمراض مهددة للحياة مثل الملاريا وحمى الضنك والحصبة والحصبة الألمانية والكوليرا.

أضف تعليق