مجموعة مؤيدة للفلسطينيين متهمة باقتحام مصنع «إلبيت» تواجه المحاكمة في ألمانيا

محاكمة خمسة مواطنين أوروبيين تبدأ في برلين

تبدأ يوم الاثنين محاكمة خمسة مواطنين أوروبيين متهمين بشنّ هجوم على مصنع تابع لشركة الأسلحة الإسرائيلية “إلبيت سيستمز” في ألمانيا، في قضية اعتُبرت لدى كثيرين تصعيدًا كبيرًا في حملة القمع التي تشنّها السلطات الألمانية ضد حركة التضامن مع فلسطين.

وقائع الهجوم والدوافع المزعومة
بحسب لائحة الاتهام، اقتحم الناشطون المصنع في مدينة أولم جنوبي ألمانيا فجر الثامن من سبتمبر 2025، وأتلفوا معدات مكتبية بينما كانوا يصوّرون أفعالهم. النيابة تتهمهم بإلحاق أضرار مادية بمبنى المصنع وبأجهزته، وتطالب بتقييم الدوافع باعتبارها ذات طابع معادٍ للسامية.

من هي «إلبيت» ولماذا كانت هدفاً؟
إلبيت سيستمز هي أكبر شركة دفاع خاصة في إسرائيل وتلعب دورًا محوريًا في الحرب على غزة، حيث تزوّد الجيش الإسرائيلي بنسب كبيرة من الطائرات المُسيّرة والمعدات البرية. المصنع في أولم مملوك بالكامل لشركة فرعية تابعة لإلبيت، وهو واحد من مواقع تعرضت لهجمات مماثلة في دول أوروبية أخرى، أبرزها التشيك والمملكة المتحدة، حيث تأسست مجموعة Palestine Action التي اعتبرت إلبيت هدفها الرئيسي.

اللوائح القانونية والتهم المرفوعة
تلاحق نيابة ستوتغارت المتهمين بتهم تتراوح بين إلحاق أضرار بالممتلكات والانتساب إلى «منظمة إجرامية» بمقتضى المادة 129 — نص قانوني يعود جذوره إلى اضطرابات القرن التاسع عشر ويُستخدم تقليديًا ضدّ الإرهاب والجريمة المنظمة، وهو ما أثار انتقادات بعد تطبيقه في قضايا احتجاجات سياسية وبيئية. كما تضمنت لائحة الاتهام وزناً لوجود دوافع «معادية للسامية»، وهو ما تقول النيابة إنها تفترضه من شعارات وعبارات رُسمت في موقع الحادث.

موقف الدفاع والناشطين
يؤكد محامو المتهمين أن ما جرى كان «عمل عصيان مدني» استهدف وقف ما يرونه انتهاكات للقانون الدولي، وأن الهجوم لم يسفر عن إصابات جسدية. في بيان لهم قالوا: «لم يتعرّض أحد للأذى. لا أحد من المتهمين لديه سجل جنائي سابق، ولم يستخدموا العنف ضد أي شخص». محامي أحد المتهمين أوضح أن موكلهين شاركا في احتجاجات نصرة غزة وكانا يحاولان مساءلة حكومتي إسرائيل وألمانيا عما اعتبراه دورًا في «جرائم ضد الإنسانية».

يقرأ  صندوق النقد الدولي يحذّراقتصاد فنزويلا والوضع الإنساني في حالة هشاشة بالغة

الاحتجاز وظروف الاحتجاز
الخمسة — يحملون جنسيات إيرلندية وبريطانية وإسبانية وألمانية — محتجزون منذ ما يزيد عن سبعة أشهر في مرافق أمنية مشددة بألمانيا، بحسب المحامين. أفاد الدفاع أن المحتجزين ظلّوا لمدد تصل إلى 23 ساعة يوميًا في عزلة تامة، مع قيود صارمة على الزيارات ومراقبة لجميع المكالمات واللقاءات. وثائق قضائية تشير إلى أن السلطات منعت أحدهم من امتلاك كتب لمؤلفين مثل نيلسون مانديلا قبل أن تلغي محكمة هذا المنع لاحقًا.

التداعيات النفسية والقانونية
أبدى بعض المحتجزين وأسرهم قلقًا جديًا على الصحة النفسية والآثار الناجمة عن العزل، ووصفت والدة أحدهم الحالة بأنها «شبه تعذيب» بعد فترات طويلة من انعدام الاتصال البشري. محامي الدفاع يقول إن أمر الاحتجاز الاحتياطي كان غير مبرّر منذ البداية، إذ لم تكن ثمة خطورة حقيقية للفرار، وأن المتهمين انتظروا وصول الشرطة في موقع الحادث بدلاً من الفرار، معتبراً أن الدولة تسعى إلى جعلهم نموذجًا ردعيًا.

انتقادات حقوقية وسياسية
أثارت القضية قلق منظمات حقوق الإنسان التي تحدثت عن «مخاوف جوهرية» تتعلق بحقوق الإنسان وسيادة القانون نتيجة تكييف تهم الاحتجاج السياسي تحت نصوص موجهة بالأساس إلى الجماعات الإرهابية أو المجرمة. كما استنكرت الجهات الحقوقية أن تطبيق هذه القوانين قد يردع المشاركة المشروعة في المجتمع المدني ويخلق تأثيرًا مُبرّدًا على حرية التعبير والتجمع.

قيمة الأضرار ومسارات التقاضي
في البداية قدّرت الأضرار بنحو 200 ألف يورو، لكن التقديرات القضائية صعدت إلى أكثر من مليون يورو. الاتهامات تتضمن كذلك «استخدام رموز منظمات غير دستورية وإرهابية»، واستندت النيابة في جزء من حججها إلى تفسيرات قضائية سابقة اعتبرت شعارات معينة ذا دلالة على ارتباط بجماعات محظورة. من جهتها، قالت النيابة العامة في شتوتغارت إنها ترى وجود «ظن كافٍ» بأن الجريمة دفعها دافع معادٍ للسامية، مع تأكيد أنها ستقيّم الأدلة أثناء المحاكمة.

يقرأ  جمهورية الكونغو الديمقراطية وحركة إم٢٣ المدعومة من روانداتوقّعان إطار اتفاق للسلام بعد محادثات في قطر

سياق أوسع وتأثيرات محتملة
تأتي المحاكمة في ظل توتر مستمر بشأن صادرات الأسلحة الألمانية إلى إسرائيل، وهي مسألة لاقت انتقادات دولية، حتى أن نيكاراغوا لجأت إلى محكمة العدل الدولية لمساءلة ألمانيا حول استمرار صادراتها الحربية. قرار محكمة إدارية عليا بشأن شروط الحبس يشير إلى احتمال صدور أحكام بالسجن تزيد عن سنتين، وتتوقع بعض التقديرات أن تنتهي المحاكمة في يوليو المقبل. موقع المحكمة في شتاتهايم يذكّر بمحاكمات كبرى من السبعينيات ضدّ جماعات يسارية متطرفة في ألمانيا، ما يمنح الملف بعدًا رمزيًا لدى الرأي العام.

منذ 7 أكتوبر 2023، شهدت ألمانيا تشددًا في تعاملها مع احتجاجات مناوئة للحرب، تضمن فرض حظر على شعارات ورموز، وملاحقات قانونية، وتغطية واسعة لحوادث عنف أمني أُبلغ عنها في مقاطع فيديو متداولة. ومع ذلك، لم تصل موجات الدعم الشعبي إلى شكل واسع يشمل تأييد هجمات على مصانع الأسلحة كما ظهر في دول أخرى. محاكمة «خمسة أولم» ستُعدّ اختبارًا لقواعد الاشتباك القانونية والسياسية في البلد، ولحدود التعامل مع النشطاء الذين يذهبون بعيدًا في احتجاجاتهم ضدّ الحرب والأسلحة.

أضف تعليق