اتفاقات وقف إطلاق النار لم تُترجم إلى تهدئة فعلية؛ فبينما أعلنت إسرائيل موافقتها رسمياً على هدنة في غزة ولبنان وإيران، واصلت قواتها والمستوطنون التوغل في مناطق خاضعة للإدارة الفلسطينية في الضفة الغربيه، والتقدم داخل الأحياء المدنية في غزة، والاقتحام المتزايد لجوهر القدس الشرقية المحتلة.
نمط التصعيد هذا، الذي تكرر على جبهات متعددة خلال الأسبوع—بما في ذلك تصاعد الغارات في لبنان رغم تمديد الهدنة هناك—يوحي بأن اتفاقات وقف إطلاق النار صارت تُستخدم أحياناً كغطاء لتثبيت وقائع ميدانية جديدة. في هذا السياق أجري الفلسطينيون في الضفة ولفرع من غزة للمرة الأولى منذ 2006 انتخابات بلدية يوم السبت، رغم تشكك كثيرين في قدرتها على إحداث تغيير جوهري.
غزة: استهداف الشرطة ومقتل أطفال وإجراء انتخابات بين الأنقاض
شهدت غزة هذا الأسبوع بعضها من أشد الضربات على البنى المدنية وأجهزة الشرطة منذ هدنة أكتوبر. وسجلت وزارة الصحة في غزة مقتل أربعين فلسطينياً بين 20 و27 نيسان/أبريل.
من بين الحوادث: مقتل ثلاثة من أفراد الشرطة في ضربة طائرة مسيّرة في خان يونس في 21 أبريل؛ ومقتل خمسة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في قصف على ساحة مسجد في بيت لاهيا في 22 أبريل؛ ومقتل ثمانية أشخاص في هجوم استهدف مركبة شرطة في خان يونس في 24 أبريل، كما أسفرت هجمة منفصلة في مدينة غزة عن مقتل اثنين من رجال الشرطة في اليوم ذاته. في حادث مروع آخر قُتلت إسلام كرسو، الحامل بتوأمين، وطفلاها الصغار بقصف مدفعي قرب مستشفى كمال عدوان، كما قتل أيهم العمري (15 عاماً) على يد قوات إسرائيلية في بيت لاهيا، وفق تقارير على تيليغرام.
نددت اللجان الشعبية في غزة بـ«الاستهداف المتكرر للشرطة الفلسطينية» واعتبرته «هجمة مباشرة على أمن وسلامة المواطنين». ويشير منتقدون إلى أن هذه الحملة قد تقوض الهياكل الإدارية نفسها التي تشترطها أطر إعادة الإعمار لتستأنف عملها.
إحصائياً، وحتى 27 أبريل، سُجل منذ هدنة 11 أكتوبر مقتل 817 فلسطينياً وإصابة أكثر من 2200 في غزة حسب وزارة الصحة، فيما يبلغ الإجمالي التراكمي منذ 7 أكتوبر 2023 حوالي 72,593 قتيلاً. وفي خطوة رمزية جرت في دير البلح أول انتخابات بلدية مصغرة منذ 2006، وسجلت نسبة إقبال تقارب 23%، وعزت اللجنة المنظِّمة انخفاضها إلى سجلات مدنية قديمة لا تعكس حجم النزوح والوفيات، وإلى انشغال السكان بقضايا البقاء قبل الشؤون البلدية. وسجلت الأمم المتحدة زيادة ملحوظة في دخول المساعدات بعد إعادة فتح معبر زيكيم قبل أسبوعين، لكنها اعتبرت الكميات لا تزال غير كافية بالمقارنة مع الحاجة الهائلة في قطاع دُمِّر.
عنف المستوطنين في الضفة
تزايدت أحداث العنف والاعتداءات التي ينفذها مستوطنون وقوات إسرائيلية في أنحاء الضفة. في 21 أبريل فتح مسلح بزي عسكري النار صوب مدرسة في المughayyir شرقي رام الله، ما أدى إلى مقتل شخصين من بينهم مراهق، ثم أغلقت القوات مداخل القرية وهاجمت المشيعين خلال الجنازة. في اليوم نفسه صدم مركبة تابعة لتفويض أمني لوزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتامار بن غفير فتىً يبلغ 16 عاماً قرب الخليل فقتلته. وفي 23 أبريل قُتل يوسف اشتية (15 عاماً) برصاص قوات إسرائيلية في نابلس أثناء عودته من المدرسة، وفي 24 أبريل توفي عود الأوادِه (25 عاماً) متأثراً بجراحه بعد هجوم مستوطنين على دير ديبوان، أعقبته اعتقالات لحوالي ثلاثين من سكان القرية.
هذا الأسبوع دورت مجموعات محادثة للمستوطنين دعوات لـ«إلغاء أوسلو بأقدامكم» ودعوات لدخول المناطق A وB الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وتبعتها تقارير عن اعتداءات في مسافر يطا، وقُصرة، ورفات، وبيرزيت، وجالود. كما أغلقت قوات الاحتلال مداخل وفرضت حظر تجوال في مداما جنوب نابلس والرام شمال القدس الشرقية. وفي بيت امرين أحرق مستوطنون سيارتين وحاولوا إشعال منزل ما أدى لإصابة ثمانية أشخاص بينهم رضيع.
وتصاعدت الاعتداءات نحو ممتلكات تملكها جهات دينية، التي ظلت حتى وقت سابق محمية بمظاهر قانونية إسرائيلية؛ ففي 20 أبريل وصل مستوطنون بجرافات إلى حمامات المالح في شمال غور الأردن وهدموا المدرسة والمساكن، ما أدى إلى تهجير آخر ثلاث أسر بقت في المجتمع، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وكانت المدرسة قد مولتها دول غربية متعددة؛ وأعلنت أيرلندا نيتها المطالبة بتعويض من إسرائيل. كما أجرى البطريرك اللاتيني في القدس زيارة ميدانية لتقييم الأضرار في ممتلكات الكنيسة، وتعرضت أراضٍ مملوكة للوقف الإسلامي أيضاً لهجمات وسرقات مركبات في أوساج.
وثيقة الأونشـا (OCHA) الأخيرة رصدت وجود 925 حاجزاً وحاجز مرور في الضفة—وهو الرقم الأعلى خلال عشرين عاماً وبزيادة 43% عن المتوسط العقودي—مع تهجير كامل لتسع تجمعات فلسطينية في 2026 فقط.
القدس الشرقية: إخلاءات وهدم متصاعد
في القدس الشرقية المحتلة تصاعدت عمليات الهدم في حي البستان بسيلوان بشكل لافت. وثقت منظمة «إير عميم» هدم 17 منزلاً في 2026 مقابل 13 منزلاً في كامل عام 2025، محذرة من أن البلدية قد تستهدف هدم 115 منزلاً بحلول أكتوبر لإفساح المجال لحديقة مجاورة لموقع «مدينة داود» الذي تديره منظمة المستوطنين إيـلاد. وحذرت المنظمة من احتمال تهجير أكثر من ألفي فلسطيني في واحدة من أكبر موجات الطرد في القدس الشرقية منذ عام 1967. وتلقى أفراد من عائلة رجبـي في بطن الهوا إخطارات إخلاء نهائية لسبعة شقق يُفترض إخلاؤها بحلول 17 مايو، بحسب محافظة القدس لدى السلطة الفلسطينية.
وفي الشيخ جراح صدّقت السلطات الإسرائيلية على بناء ييشيفا يهودية ألترا-أرثوذكسية مكونة من 11 طابقاً مقابل المسجد المحلي، وفق وكالة وفا.
المشهد السياسي الإسرائيلي بدوره سجّل تحالفاً جديداً هذا الأسبوع، حيث أعلن رئيسا الوزراء السابقان نفتالي بينيت ويائير لابيد توحيد حزبيهما تحت زعامة بينيت قبيل الانتخابات المرتقبة في أكتوبر. وتشير هذه الخطوة إلى أن أقوى تحالف محتمل لمواجهة بنيامين نتنياهو سيكون بقيادة شخصية سابقة من حركة المستوطنين، مع استبعاد واضح للأحزاب العربية من أي ائتلاف مستقبلي، مما يترك هامش اختلاف ضئيلاً بين الكتل السياسية الإسرائيلية الكبرى في مسألة الاحتلال وتوسيع الاستيطان.
خلاصة مؤلمة: هدنة بلا تهدئة حقيقية—اتفاقات سياسية ومناورات ميدانية تُواكبان استمرار توسيع سياسات الاحتلال، مع آثار إنسانية وإدارية واجتماعية عميقة على السكان الفلسطينيين.