ثمن 76 عاماً من حروب الولايات المتحدة: من كوريا إلى إيران أخبار الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران

جيفري كامب، جندي أميركي متقاعد يبلغ من العمر 61 عاماً ويقيم في ساراسوتا بفلوريدا، يصف تضاريس مايدان شار في أفغانستان بقوله: «كنا نطلق عليها اسم ‹غبار القمر›». خلال خدمته مع الجيش الأميركي بين 2008 و2009، كان الغبار الرفيع يتسلل إلى «مركباتكم، معداتكم، رئتيكم»، كما يصف وهو يربت على جروح ذكريات الصيف اللاهب والشتاء القارس المليء بالرياح في عاصمة المحافظة الشرقية.

كامب هو واحد من بين 832,000 عنصر خدموا في أفغانستان بين 2001 و2021، في ما صار أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة. التحق بالجيش عام 1983، قبل هجمات 11 سبتمبر التي أدى تبعها إلى تدخل أميركي في أفغانستان؛ ويقول لـ«الجزيرة» إن الخدمة كانت نداءً مستمراً له لا مجرد رد فعل على أزمة وطنية. على مدى عشرين عاماً من الحرب، سقط 2,461 جندياً أميركياً قتيلاً وأصيب ما لا يقل عن 20,000 آخرين.

«غادرتُ كلٍّ من العراق وأفغانستان بتقدير عميق للتكلفة البشرية للحرب، ليس فقط على الجنود الأميركيين بل على شعوب تلك البلدان» يقول كامب. «الحرب ليست نظيفة، والذين يتحملون العبء الأعظم نادراً ما يكونون هم من اتخذوا القرارات».

التكلفة البشرية لحروب الولايات المتحدة

يصادف يوم الثلاثاء مرور ستون يوماً على الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. منذ 28 فبراير، تَسببت الضربات المشتركة بمقتل ما لا يقل عن 3,375 شخصاً بحسب وزارة الصحة الإيرانية. وزارة الدفاع الأميركية أكدت مقتل 13 من عناصرها بنيران قتالية في المنطقة وإصابة أكثر من 200 آخرين.

منذ خمسينيات القرن الماضي، تسببت الحروب التي قادتها الولايات المتحدة بمقتل ملاايين من المدنيين وعشرات الآلاف من العسكريين. وفق تحليل لمشروع «تكلفة الحرب» في معهد واتسون بجامعة براون، تسببت الحروب التي قادتها الولايات المتحدة منذ 2001 مباشرةً في وفاة نحو 940,000 شخص في أفغانستان، باكستان، العراق، سوريا، اليمن وغيرها من بؤر الصراع بعد 11 سبتمبر.

يقرأ  عرض اليوم خصم ٥٠٪ على باراماونت بلس

خلال الأيام الأولى للصراع مع إيران، وفق البنتاغون، أنفقت إدارة ترامب نحو 11.3 مليار دولار على الذخائر خلال الأيام الستة الأولى، مع تقدير إنفاق نحو مليار دولار يومياً حتى وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل. مارك كانسيان، مستشار أول في قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وصف رقم المليار في اليوم بأنه «مرتفع قليلاً»، موضحاً أن الأيام الأولى كانت مكلفة جداً لأن القوات الأميركية استخدمت ذخائر بعيدة المدى باهظة الثمن، من بينها صواريخ توماهوك التي تُكلّف نحو 2.5 مليون دولار للصاروخ، واُستخدمت منها المئات.

يضيف كانسيان أنه إلى جانب الـ11.3 مليار دولار للذخائر ينبغي إضافة نحو 1.4 مليار دولار للخسائر القتالية وأضرار البنى التحتية، وما يقرب من 26.5 مليون دولار لتكاليف الدعم، فيكون الإجمالي خلال الأيام الستة الأولى نحو 12.7 مليار دولار. ويقدّر أنه بعد الأسبوع الأول من الضربات الجوية أنفقت الولايات المتحدة «نحو نصف مليار دولار يومياً»، وخلال وقف إطلاق النار هذا الرقم بات «أقل من 100 مليون دولار يومياً» لأن لا ذخائر تُستخدم فعلياً. على أساس تكلفة يومية، قد تُعد هذه الحرب من بين الأغلى في التاريخ الحديث.

وبالمقارنة، تشير أرقام مشروع «تكلفة الحرب» إلى أن حرب أفغانستان التي امتدت عشرين عاماً كلفت نحو 2.3 تريليون دولار، بمتوسط يزيد على 300 مليون دولار يومياً، في حين أن حرب العراق التي امتدت ثماني سنوات كلفت نحو 2 تريليون دولار، بمتوسط يقارب 684 مليون دولار يومياً.

«حرب مطوَّلة أخرى»

نافيد شاه، المدير السياسي لمنظمة Common Defense، وهي حركة شعبية يقودها قدامىُ المحاربين في واشنطن، يرى أن على الولايات المتحدة أن تدافع عن مصالحها الوطنية ولها دور رادع، لكن كثيراً ما تُبالغ بالانخراط في حروب اختيارية بلا نهاية تُولِّد مشكلات أكثر مما تحل. شاه، الذي خدم في العراق بين 2006 و2010، يحذّر من تكرار أخطاء سنوات العراق وأفغانستان: أدلة هزيلة، أهداف متحركة، وخطاب خطير قد يجذبنا إلى حرب مطوّلة أخرى.

يقرأ  نحو خمسين زعيماً أوروبياً يلتقون لمباحثات حول الحرب في أوكرانيا والاقتصاد

«في الوقت ذاته، بينما نُرسل قوات للخارج، تحاول الحكومة تقليص الرعاية التي وعدت بها قدامى المحاربين»، يقول شاه. «التكلفة الحقيقية للحرب تتجاوز ساحة المعركة؛ إنها تتردد لعقود في أجساد وعقول المحاربين القدامى وأسرهم. لعائلات الجنود الذين لن يعودوا، ستكون المقعد الفارغ على مائدة العشاء وثغرة في القلب إلى الأبد».

وحسب مشروع «تكلفة الحرب»، يُتوقع أن تنفق الولايات المتحدة ما لا يقل عن 2.2 تريليون دولار على التزامات الرعاية الصحية للمحاربين القدامى خلال الثلاثين عاماً المقبلة.

أكبر درجة رفض في التاريخ الأميركي

استطلعت رويترز/أيبسوس الرأي العام في 12 أبريل فأظهرت أن 60% من الأميركيين يعرّضون للضربات العسكرية على إيران، بارتفاع من نسبة رفض بلغت 43% عند بداية الحرب. تاريخياً، عادةً ما تُصاحب الحروب الأميركية موجة «التفاف حول العلم» فتسجّل مستويات رفض منخفضة في البداية، لكن هذه الحرب تبدو استثناءً في شعبيتها المتضاءلة بسرعة.

تكاليف على المستهلك الأميركي

مروة جدون، في الأربعين من عمرها من أوكلاهوما (اسمها مُغيَّر حفاظاً على خصوصيتها)، تقول إن نفقاتها من جيبها ارتفعت بأكثر من 35% خلال الأشهر القليلة الماضية. «بصفتي امرأة تعاني من حالات صحية مكلفة متعددة، أدفع الآن أكثر مما دفعت سابقاً لتأمين أدويتي الأساسية والفحوص المتكررة. تكاليف الرعاية الصحية في الولايات المتحدة فلكية، لذا قلّصت من مشتريات البقالة وكل ما يتجاوز الأساسي»، تشرح.

تشعر جدون أنها مُستغلة بفعل سياسات تغيرت تزامناً مع فصلها من العمل، ما زاد من تعقيد حياتها. «أجد أنه لأمر مخزٍ أن تُموَّل الحروب من أموال ضرائبنا بينما يُقال لنا مراراً وتكراراً إننا لا نستطيع تحمل نظام رعاية صحية شامل». في نهاية العام الماضي فقدت عملي واضطررت للتقدم للحصول على إعانة البطالة وبرنامج سونركير — التأمين الصحي الذي تغطيه الولاية، كما تروي.

يقرأ  حقائق يجب أن تعرفها عن الذكاء الاصطناعي في مجال التعلم والتطوير

توضح أن إعانات البطالة لا تكفي حتى لتغطية إيجار السكن.

«كيف لضرائبنا أن تُؤمّن تمويل الحروب والحكومات الأجنبية بينما لا أستطيع الحصول على ميديكيد لأن 400 دولار شهريًا تُعتبر مبلغًا زائدًا؟ فاتورتي الهاتفية وحدها تبلغ 116 دولارًا شهريًا، وأقساط قروضي الطلابية تقترب من 200 دولار شهريًا. أحب أن أرى أي شخص في الإدارة الحالية يحاول أن يعيش على 400 دولار أسبوعيًا من دون تغطية طبية»، تقول جادون.

امرأة أخرى في أوكلاهوما، فضّلت عدم الكشف عن هويتها لخوفها على وظيفتها في حكومة الولاية، تقول: «الحرب في إيران وتمويلها جعلاني أشعر بأنني محاصرة. أشعر به عند مضخة الوقود، وعند الطبيب وطبيب الأسنان، وأشعر به في البنك، وفي محل البقالة عندما أرى الناس يتعاملون بهدوء مريب. هذا يقودني حرفيًا إلى التوتر؛ المشاعر لم تعد تملك كثيرًا من القوة. أنا مستعدة لأن أفعل شيئًا حيال ذلك. لقد سُرقت وخُدعت، ولم أعد أمسـت قادرة على الاحتمال.»

ووفقًا لمختبر حلول المناخ في معهد واتسون للشؤون العامة والدولية بجامعة براون، يُقدَّر إجمالي العبء الاستهلاكي الناتج عن ارتفاع أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة نتيجة الحرب على إيران بحوالي 27.8 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 200 دولار لكل أسرة.

متوسط السعر الوطني للبنزين ارتفع بما يقرب من 40%، من 2.90 دولار للغالون (0.76 دولار للتر) قبل الحرب إلى 4.10 دولار للغالون (1.08 دولار للتر) في الوقت الراهن.

أضف تعليق