عندما وصل المتطوّع في عمليات التنظيف سيرغي سولوفيف إلى مدينة توابس على ساحل البحر الأسود الروسي، كانت رائحة كريهة معلّقة في الجو وكل شيء مغطًى بطبقة سوداء من الأوساخ والنفط.
«رأيت عربات قطار مغطّاة ببقايا من المطر الأسود وحيوانات ملوّثة. كل ذلك سميٍّم للغاية»، قال لسولوفييف لقناة الجزيرة. «وكانت الرائحة دهنية وثقيلة.»
ظاهرة «المطر الأسود» هي حالة جوية غير طبيعية تسقط فيها قطرات ماء، أسودّتها الجزيئات الكربونية والرماد، من السماء. شوهدت مثل هذه الظاهرة بعد القنبلة الذرية على هيروشيما عام 1945، وفي وقت لاحق في طهران، وكذلك في الكويت عام 1991 عندما أُحرقت آبار النفط أثناء حرب الخليج.
والآن تسقط هذه الظاهرة على أجزاء من روسيا.
خلال الأسابيع القليلة الماضية تعرّضت توابس لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية استهدفت مصفاة تُعدّ من الأكبر في البلاد. جاءت الضربات، التي تهدف إلى إلحاق ضرر بقطاع النفط الروسي، مصحوبة بكارثة بيئية في حرب دُمّرت معها مساحات واسعة من النظم الإيكولوجية.
كان أول هجوم في 16 أبريل وأشعل حريقًا دام يومين. وبعد أربعة أيام، في 20 أبريل، تعرّضت المصفاة لضربة ثانية أفرزت سحابة كثيفة من الدخان استمرّت النيران بعدها خمسة أيام. أدّت الحرائق إلى إطلاق مواد كيميائية سامة، وأظهر تحليل هواء المدينة وجود تراكيز من البنزين والزيلين والسخام تفوق المستويات الآمنة بثلاث مرات.
لم تُنشر بيانات إضافية بعد ذلك، لكن نُصِح السكان بالبقاء داخل المنازل وإغلاق النوافذ وارتداء كمامات عند الخروج.
وفي الوقت نفسه بدأ هطول مطر أسود.
«غطّى المطر كل السيارات والحيوانات»، قالت إلينا لوغوفينكو، متطوعة محلية. «الحيوانات كلها مغطاة بالنفط. أنشأ المتطوّعون مراكز لتنظيف الحيوانات.»
جمَع المتطوّعون حيوانات متضررة بما فيها قطط وكلاب وطيور لغسلها من الشحم والزيت قبل نقلها إلى ملاجئ. تُشكّل التسريبات النفطية خطراً خاصاً على الطيور التي تصبح عاجزة، أو تكاد، عن الطيران، كما أنّ الزيت سام وقد يُبتلعه الطائر أثناء محاولاته تنظيف ريشه.
بحلول نهاية هجوم 20 أبريل، كان ثمانية على الأقل من خزانات التخزين في المصفاة مدمّرين، وتدفّق النفط المسكوب نحو نهر توابس فحمله التيّار إلى البحر الأسود، منتشراً على طول الساحل.
أرسلت الجهات المسؤولة أكثر من عشر قوارب لتنظيف السُّدَّة البحرية، ووُضِعت حواجز عائمة على الشواطئ لاحتواء التسرب. تعمل فرق الطوارئ والمتطوّعون على تنظيف الشواطئ الصخرية باستخدام الحفّارات، ويتم جمع النفط في براميل وأكياس بلاستيكية.
«إنها كارثة بيئية»، قال سولوفييف الذي قدِم من سوتشي على بُعْد 116 كيلومتراً لينضم إلى الجهود.
«النفط منتشر بالفعل على امتداد الساحل ضمن دائرة نصف قطرها نحو 20 كيلومتراً. لا تزال المناطق غير منظّفة؛ التربة كلها ملوّثة ويجب إزالتها، كميات هائلة من القذارة متراكمة بين الصخور في أماكن يصعب الوصول إليها بالمعدّات.»
سواء كان الأمر يتعلق بإنقاذ الحيوانات أو بتنظيف الشواطئ، فإن العمل التطوعي في توابس ينطوي على مخاطر صحية. الجزيئات النفطية الدقيقة في الجو خطرة عند استنشاقها، ومن الضروري استخدام قطرات للعين عند الشعور بالحرقان.
«يجب تناول مواد ماصة كل ساعتين أثناء التنظيف»، حذّر سولوفييف. «وارتدِ الكمامة وواقيات كيميائية.»
قد تستمر لسنوات
أخبر ناشطون بيئيون محليون لموقع «أهم القصص» الإعلامي الروسي المستقل أنّ في بعض الحالات غطّت السلطات الشواطئ بحصى جديدة لإخفاء الفوضى بدل إزالتها.
لكن رسلان خفوستوف، رئيس حزب «البديل الأخضر»، حذّر من أنّ العواقب الطويلة الأمد على النظام البيئي المحلي «قد تكون خطيرة وتستمر لسنوات». هذه تاثيرات تمتد إلى قاع البحر حيث تستقر المنتجات النفطية في الرواسب الطينية وتُعطّل الشبكة الغذائية، ما يؤدي إلى معاناة عامة.
«الزيت يشكّل غشاءً يمنع تزوّد الكائنات بالمَعادِ والأكسجين، مسبباً نفوقاً جماعياً للاسمك والقشريات والكائنات القاعية؛ واستعادة التنوع الحيوي ستتطلب من خمس إلى عشر سنوات أو أكثر، كما حصل بعد تسرب كيرتش في 2024. تتراكم السموم في الكائنات مهدِّدة بذلك الطيور والثدييات البحرية مثل الدلافين»، قال خفوستوف للجزيرة.
بعد الضربة الثالثة والأخيرة أصبح الوضع في توابس لا يُحتمل فجر الثلاثاء فتم اخلاء المدينة.
لقد سبّبت غزوة روسيا لأوكرانيا أضراراً بيئية سابقة أيضاً. فقد جُرِدت آلاف الدلافين والحيتان الصغيرة من حياتها وغرقت على الشواطئ نتيجة أنشطة السونار من غواصات، معظمها روسية، التي تُلحق أذىً بجهاز السمع لدى الثدييات المائية. وبما أنّها تعتمد على الصدى للتوجّه، تُفقد الحيوانات قدرتها على الملاحة والبحث عن الغذاء.
في يونيو 2023 دُمّر سد كاخوفكا في منطقة خيرسون بانفجار بينما كانت المنطقة تحت سيطرة روسيا. غمر الماء الملوّث بالنفايات السامة، التي كانت ملوّثة سابقاً حتى قبل الحرب، عشرات المستوطنات المجاورة ودمر مواطن حيوانات مثل فقمة الخلد الرملية المهددة بالانقراض، كما طرح ملوِّثات في البحر الأسود. معظم الأسماك والحياة المائية في الخزان قبل التفجّر هلكت.
رجّح خبراء أن تكون القوات الروسية وراء التفجير، ونفت موسكو مسؤوليتها ولصقت الاتهام بمخربين أوكرانيين.
مع غياب مسار واضح نحو السلام أو حتى هدوء ناري في الأفق، قد تُكثّف أوكرانيا ضرباتها على قطاع النفط الروسي الذي يحقق أرباحاً طائلة جراء أزمة الشرق الأوسط.
«تكتيكياً، تشكّل المصافي أهدافاً جيدة لحملة مسيّرة استنزافية — فهي منشآت كبيرة وثابتة وصعبة الدفاع عنها»، لاحظ فيتولد ستوبنيتسكي، محلل أول لأوروبا وآسيا الوسطى في مركز بيانات موقع النزاعات المسلحة. «التكرار في استهداف توابس — ثلاث مرّات خلال أقل من أسبوعين — يظهر أن أوكرانيا تعمل في وضع حملة مستمرة حيث يتزايد الضرر المركّب ويمنع التعافي، وهو النمط نفسه الذي استهدف موانئ بريمورسك وأوست-لوغا في بحر البلطيق في مارس.» من المرجح أن تواصل اوكرانيا هذه الحملة وربما تصعّدها، لا سيما مع تصاعد إنتاج الطائرات المسيّرة محليًا وتآكل منظومات الدفاع الجوي الروسية بشكل منهجي بما يتيح شن ضربات أعمق داخل الأراضي الروسية.
كارثة توابسه ليست الأولى من هذا النوع في المنطقة. في ديسمبر 2024 غرقت ناقلتان نفطيتان روسيتان خلال عاصفة في البحر الأسود، ما أدى إلى انسكاب آلاف الأطنان من البترول التي بدأت تجرف إلى شواطئ قرب مدينة المصيف انابا. أُرسلت فرق الطوارئ وعشرات الآلاف من المتطوعين، بمن فيهم سولوفيف، للمساهمة في تنظيف واحدة من أسوأ الكوارث البيئية في تاريخ روسيا.
في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي حمّل الناشط البيئي أرشاك ماكيتيان مسؤولية ذلك لصناعة الوقود الأحفوري الروسية وللنظام السياسي المبني حولها.
«إذا تفاجأنا بـأمطار نفطية في توابسه وسوتشي، فعلينا أن نتذكّر الثلج الأسود في منطقة كيميروفو (2019)، الذي وقع من دون أي حرب، والذي حدث بسبب النظام الروسي وطين الفحم الذي لم يزلّه أحد، وبسبب غياب أي تنظيمات أو ضوابط؛ لأن ما كانت روسيا تريده في المقام الأول هو كسب المال عبر تدمير الطبيعة»، كتب.
«ستستمر الكوارث البيئية في روسيا ما لم يبدأ الروس بالمطالبة بتغييرات على مستوى النظام، لا بمجرد إلقاء اللوم على أوكرانيا وحدها فيما حدث.»