مدينة غزة، قطاع غزة
على مرتبة موضوعة على أرض شقة نصف مدمّرة، جلست ضحى أبو يوسف ممسكة مولودها الجديد بصعوبة بالغة بعد خضوعها لعملية ولاده قيصرية طارئة أُجريت عقب وصولها إلى المستشفى في الليلة السابقة.
ضحى، البالغة من العمر 24 عاماً والتي كانت قد دخلت الشهر التاسع من حملها قبل أيام قليلة، كانت تأمل أن تلد طبيعياً وتكمل شهراً أخيراً من الحمل قبل أن يخرج طفلها الأول إلى العالم. لكن نظراً لمعاناتها من انيميا حادة، قرر الأطباء إجراء العملية لحماية الجنين.
طوال فترة حملها، تكبدت ضحى آلاماً جسدية ونفسية بفعل الحرب الإسرائيلية على غزة. ما أثّر فيها أكثر كان المجاعة ونقص الغذاء لفتراتٍ طويلة والغياب التام للمكمّلات الغذائية، ما أضعف جسدها بشدة.
«طوال حملي لم أذق اللحم ولا الدجاج ولا البيض… فقط في الأشهر الثلاثة الأخيرة تحسنت الأوضاع قليلاً» قالت ضحى، التي نزحت من منزلها، من داخل مأواها. «حتى المكمّلات الغذائية لم تكن متوفرة. كنت عاجزة عن الحركة باستمرار، أعاني من صداع وغثيان مستمر بسبب نقص الطعام.»
أفضى الجوع ونقص الغذاء إلى استمرار حالة فقر الدم لديها طوال الحمل، رغم محاولاتها تحسين تغذيتها لرفع مستويات الدم. «أي امرأة حامل تعاني عموماً من انخفاض في الدم، لكن الطعام يساعد على تحسّن حالتها» قالت. «لكن هنا في غزة هناك مجاعة، نقص حاد في الحديد وكل شيء آخر.»
فاقمت من معاناتها الاضطرابات النفسية بسبب أحداث واجهتها في الأشهر الأولى من الحمل، لا سيما مقتل شقيقها وزوجته بقذيفة دبابة إسرائيلية. «كنت أبكي طوال الوقت… ضائعة تماماً وحزينة إلى حدٍ عميق.»
ارتفاع في عمليات القيصرية
أبريل هو شهر التوعية بالولادة القيصرية، وقد خُصّص لرفع الوعي عن الإجراء ودعم الأمهات اللاتي خضنّه. في غزة، تتفاقم مخاطر العملية نتيجة انهيار منظومة صحية واسعة، ومع ذلك، كما يشرح الدكتور فتحي الدحدوح، رئيس قسم التوليد في مستشفى الحلو الدولي بمدينة غزة، زاد معدل العمليات القيصرية بنحو 2 في المئة مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، وتشكل الآن ربع حالات الولادة تقريباً.
يُشير الدحدوح إلى أن صعوبة التنقّل الناتجة عن الحرب تجعل بعض الحوامل يصلن إلى المستشفى متأخرات، مما يقلّل فرص الولادة الطبيعية ويزيد من نسبة العمليات الطارئة. كما لفت إلى اتجاه متزايد للحمل بوصفه محاولة «تعويض عن الخسارة»، خاصة بين النساء اللاتي فقدن أطفالاً أو أفراد عائلاتهن. «نرى حالات لنساء في أواخر الثلاثينات، وحتى فوق الأربعين، يقررن الحمل رغم المخاطر لأنهن فقدن أطفالاً خلال الحرب» قال الطبيب، مشيراً إلى أن الحوامل الأكبر سناً أكثر عرضة للخضوع لعمليات قيصرية مقارنة بالشابات.
تقول الدكتورة ربا المدهون، أخصائية توليد وأمراض نساء تعمل في مستشفى الميدان التابع للـInternational Medical Corps في غزة، إن كثيراً من الحوامل يصلن في حالة حرجة بعد إصابات ناجمة عن القصف، وقد يتعرّضن لانفصال مفاجئ للمشيمة، وهو خطر مباشر على الأم والجنين ويتطلب تدخل جراحي فورياً. وأضافت أن النقص في الأجهزة الطبية والمستلزمات ساهم بشكل كبير في الاعتماد المتزايد على القيصريات، بما في ذلك غياب أجهزة مراقبة الجنين المستمرة وندرة أدوية تحفيز المخاض.
في بعض الحالات أُلغيت إمكانية الولادة الطبيعية تماماً. الضغط الكبير على أجنحة المستشفيات ونقص الكوادر جعل من الولادة القيصرية في أحيان كثيرة الخيار الأسرع والأكثر أماناً المتاح.
خطر العدوى
تأتي أخطار الولادة القيصرية في غزة غالباً بعد العملية نفسها، وبالأساس عبر خطر العدوى. النزوح الناجم عن تدمير المساكن، وسوء التغذية ونقص العناصر الأساسية مثل البروتين والحديد تؤثر مباشرة على التئام الجروح، بينما تزيد الخيام المزدحمة والمياه الملوثة من احتمال الإصابات، سواء للجروح القيصرية أو للصحة العامة.
«يزيد ذلك من خطورة الاكتظاظ الشديد في الأجنحة، حيث يشارك عدد من المرضى الغرفة نفسها» تقول الدكتورة المدهون. وأضافت أن حالات التهابات الجروح الجراحية في ازدياد في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص المضادات الحيوية المناسبة وغياب قدرات مختبرية لتحديد البكتيريا المسببة.
من ناحيتها، عادت سناء الشقري (35 عاماً) إلى المستشفى بعد عشرة أيام من الولادة بسبب عدوى متكررة في جرح القيصرية. من سريرها بالمستشفى وصفت الألم الشديد حين أعاد الأطباء فتح الجرح دون تخدير لتنظيف القيح المتجمع. «شعرت أن روحي تخرج من جسدي» قالت.
عزا الأطباء عدوى سناء إلى غياب بيئة مناسبة للشفاء رغم محاولاتها العناية بالجرح. تعيش سناء في خيمة بحيّ الطفّاح بمدينة غزة، حيث تواجه صعوبات كبيرة في تعافيها بعد الولادة. «الحمام فظيع وغير نظيف… حفرة في الرمل، مليئة بالذباب والحشرات، وبعيدة» قالت سناء. «لا يوجد جدار في الخيمة أتوكأ عليه، ولا سرير… أنام على الأرض.»
حاولت تنظيف الجرح وتغيير الضمادات، لكنه اضطر للعدوى. «الخيام أصبحت شديدة الحرارة هذه الأيام، والأطباء يقولون إن المياه غير نظيفة» أضافت.
فقد زوج سناء، محمد (50 عاماً)، أسرته بأسرها — زوجته وأولاده السبعة — في قصف استهدف منزلهم في جباليا مع بداية الحرب. منذ ذلك الحين حاول إعادة بناء حياته مع سناء، وأطلقا اسم المولود أحمد تيمّناً بابن محمد الأكبر.
رغم فرحة الولادة، تحولت فترة التعافي داخل الخيمة إلى صراع يومي مع ظروف بيئية قاسية. «بدأت أقول إن من الخطأ أن تلد النساء في هذه الخيام.» «الحر، البعوض، الذباب، الجرذان، الكلاب… كل شيء هنا»، قالت.
«طوال الليل أسمع الجرذان على المشمع»، اضافت الشكري. «لم أستطع حتى أن أحرك ساكنًا. بقيت مستيقظةً وأيقظت امي خشيةً على الطفل. لن ألد في خيمة مرة أخرى… إنها معاناة.»