نهاية حقبة: الهند تفقد آخر حكومة يسارية بعد خمسة عقود — أخبار السياسة

بنغالور، الهند — في أغسطس الحارّ عام 2007 كانت حكومة مانموهان سينغ تكافح بشأن مستقبل مفاوضات صفقة نووية تاريخية مع الولايات المتحدة، تهدف إلى تسهيل الحصول على الوقود والتكنولوجيا النووية مقابل إشراف دولي أوسع على منشآت الهند النووية. المشكلة كانت أن الأحزاب الشيوعية الهندية، المشكوكة في نوايا واشنطن، كانت تعارض الصفقة. وهي نفسها كانت صانع القرار السياسي حينها.

بما أن اليسار كان يملك 62 مقعدًا في المجلس الأدنى للبرلمان، كان دعمهم يعرقل حكومة سينغ. وهددت الجبهـة اليسارية بسحب تأييدها إذا مضى رئيس الوزراء قدماً. ورغم أن سينغ راهن وأقنع أحزابًا أخرى بدعمه فمرر الصفقة رغم معارضة الشيوعيين، فقد شكلت تلك اللحظة ذروة تأثير اليسار السياسي في الهند.

بعد نحو عقدين تبدو الصورة معاكسة: في انتخابات ولايات مبكرة أظهرت النتائج أن اليسار تعرض لهزيمة ساحقة في ولاية كيرالا، الولاية الجنوبية التي كانت أول من انتخب حكومة شيوعية ديمقراطياً في العالم، والتي بقيت آخر معقل للشيوعيين في الهند. حتى وقت متأخر من بعد الظهر فاز أو تقدم الائتلاف الذي تقوده حزب المؤتمر (الجبهة الديمقراطية المتحدة) في 98 من أصل 140 مقعدًا في الجمعية التشريعية، بينما فاز أو تقدم ائتلاف اليسار الديمقراطي في 35 مقعدًا فقط.

كيرالا كانت لفترة طويلة حصناً للأفكار والممارسات اليسارية. في أواخر خمسينات القرن الماضي، شكلت العالم بأول حكومة شيوعية منتخبة ديمقراطياً عندما حكمت حزب الشيوعيين الهندي الولاية من أبريل 1957 إلى يوليو 1959، تحت قيادة أي.إم.إس نامبوديريباد، الذي تبنّى إصلاحات زراعية وتعليمية واسعة. تلك الإصلاحات أثارت احتجاجات قوية من حزب المؤتمر والمجامع الدينية التي خشيت تآكل نفوذها، فاستندت حكومة نهرو إلى مادة دستورية مثيرة للجدل لإقالة حكومة نامبوديريباد.

يقرأ  إعصار «رغاسا» الفائق يضرب سواحل الفلبين — أخبار الطقس

منذ 1977 لم تغب أي حكومة يسارية عن ساحة الحكم في إحدى ولايات الهند، لكن ذلك التوازن يبدو أنه انهار هذه المرة. «تشير نتائج الانتخابات هذا العام إلى أنه للمرة الأولى قد لا تعود القوى اليسارية إلى السلطة في أي ولاية»، قال راهول فيرما لِـ”الجزيرة”. فيرما عالم سياسي وزميل في مركز بحوث السياسات في نيودلهي.

خسائر اليسار لم تقتصر على كيرالا. جبهة اليسار التي حكمت البنغال الغربية من 1977 حتى 2011 سقطت أمام ترينامول كونغرس بقيادة ماماتا بانيرجي، وفي تريبورا تولَّت الحكومة اليمينية السلطة عام 2018 بعد عقود من هيمنة اليسار. وحتى في الانتخابات البرلمانية الوطنية شهد اليسار تراجعًا حادًا: من 62 مقعدًا في 2004 إلى نحو ثمانية مقاعد في الانتخابات الأخيرة.

يقول راجارشي داسغوبتا، أستاذ مساعد في مركز الدراسات السياسية بجامعة جواهر لال نهرو، إن امتداد اليسار كان دائمًا محدودًا جغرافيًا، وتمكّن من تكوين جيوب نفوذ انتخابي مؤثِّر مثل كيرالا وتريبورا والبنغال الغربية. وأضاف أن وجودهم في الحزام الناطق بالهندية اقتصر على المناطق الصناعية التي ضعفت مع تراجع سياسات النقابات. كما يشير إلى أن اليسار فشل في معالجة قضايا المحاور الاجتماعية الحيوية مثل الطائفية والقبائل والنظام الطبقي وجنس المرأة، فضلاً عن عدم قدرته على التكيّف مع التحولات الكبرى في الرأسمالية بعد تحرير الاقتصاد.

يقول الناشط الهندي والمحامي المتخصص في دعاوى المصلحة العامة هاريش فاسوديفان إن تيار اليمين في الهند صار هو الذراع المفضلة سياسياً، وإن اليسار نفسه ابتلى بتآكل أيديولوجيته وتعرض لتنازلات داخلية انعكست على قاعدته الشعبية.

دور اليسار في كيرالا
استهل اليسار حكمه في كيرالا بقيادة الحزب الشيوعي الهندي عام 1957، وكان أي.إم.إس نامبوديريباد أول رئيس حكومة، وقد نفّذت إدارته إصلاحات زراعية وتعليمية أثارت موجة احتجاجات من حزب المؤتمر والكنيسة خشية فقدان النفوذ. وبعد انتخابات 1960 انهزم الحزب وتفرّق إلى فصائل متعددة عملت لاحقًا ضمن ائتلافات مشتركة منذ سبعينيات القرن الماضي.

يقرأ  مقتل طالب من تريبورا يسلط الضوء على العنصرية في الهند

في الحقبة المعاصرة ركزت حكومة الائتلاف اليساري برئاسة بينارايي فيجايان على تحسين البُنى التحتية وشبكات الرفاه الاجتماعي. خلال جائحة كوفيد-19 حظيت استراتيجية حكومته بالإشادة كنموذج لاحتواء الفيروس، بينما كافحت ولايات أخرى للحد من انتشاره. كما أكد فيجايان في مقابلة عام 2020 أن الولاية وفّرت دعمًا اجتماعياً شاملاً للمحتاجين، مشيرًا إلى أن نحو 55 لاخ (5.5 مليون) من المسنين وذوي الإعاقة والأرامل تلقوا دفعات نقدية بمقدار 8,500 روبية لكلٍ منهم.

في انتخابات تلت ذلك عادت قيادة فيجايان إلى السلطة، محطمًا تقليد التبادل المتناوب للسلطة مع ائتلاف المؤتمر. وفي نوفمبر الماضي أعلن عبر مشروع مكافحة الفقر المدقع أن كيرالا أُعلنت خالية من الفقر المدقع، لتكون أول ولاية هندية تحقق ذلك المعيار.

مع ذلك يذهب خبراء إلى أن مصداقية ائتلاف اليسار في كيرالا تآكلت في السنوات الأخيرة. فقد كان الائتلاف دائماً يُقدَّم كقوة متمردة تصدّ إساءات السلطة وتهتم بالفئات الهشة، لكن الأداء الحكومي، إذن، لم ينجح بالكامل في تحويل إنجازات الرفاه إلى رصيد انتخابي مستدام، ما أعطى الفرصة لخصومه السياسيين لاستغلال استياء قطاعات من الناخبين. الحكومه الآن تواجه فحصًا صارمًا عن قدرتها على استعادة موقعها التقليدي وسط هند تتحول سياسياً واجتماعيًا بوتيرة متسارعة. لكن خلال السنوات الخمس الماضية تبنّى الحزب خطاب القوة، كما قال فاسوديفان لقناة الجزيرة.

أشار إلى أن الناخبين اليساريين التقليديين في انتخابات الولايات هذا العام صوتوا ضد الجبهه اليسارية الديمقراطية كإجراء تصحيحي تجاه قيادتهم.

هل يمكن إحياء السياسة اليسارية في الهند؟

تشير نتائج الانتخابات على مستوى الولايات إلى أن الهند قد لا تشهد حكماً يسارياً بعد نصف قرن، ويقول المحللون إن اليسار بحاجة إلى إعادة هيكلة نفسه.

قال فاسوديفان إن اليسار قد لا يكون في السلطة، لكن دوره كقوة معارضة يتعاظم ويمكن أن يحدث فرقاً محسوساً.

يقرأ  بعد فيضانات مميتة… الإسبان يكافحون لإنقاذ صورهم

«الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع، والسياسات المالية للدولة أصبحت تميل إلى مصالح الشركات. للّيسار دور في استعادة التوازن عبر منح الحقوق والمزايا اللائقة للطبقة العاملة غير المنظمة في البلاد»، أضاف.

قال الأستاذ المساعد داسغبتا إن أحزاب اليسار الهندية المؤسسة افتقرت إلى الخيال السياسي ونقصت لديها قيادات شابة قادرة على الصمود أمام التحديات المعاصرة.

«مع ذلك، هناك بوادر لإحياء السياسة الاشتراكية الديمقراطية على مستوى العالم، ولا سبب يدعونا إلى الاعتقاد بأنها لن تؤثر على الهند. ومشكلة التفاوت في الثروة والنمو الخالي من التوظيف تتفاقم يوماً بعد يوم، ولا تبدو أحزاب التيار الرئيسي حريصة على معالجتها—باستثناء اليسار»، قال.

وأضاف: «استمرار هذه المشكلات يجعل عودة اليسار أمراً ممكناً، شريطة أن ينجح في إعادة تصور نفسه بفعالية: الانتقال من قالب شيوعي من القرن العشرين إلى قوة ديمقراطية اجتماعية تتلاءم مع السياق الهندي في القرن الحادي والعشرين».

أضف تعليق